; خواطر إيمانية - مع العام الخامس لوفاة الشيخ عبد الحميد كشك | مجلة المجتمع

العنوان خواطر إيمانية - مع العام الخامس لوفاة الشيخ عبد الحميد كشك

الكاتب صالح أبو عراد الشهري

تاريخ النشر السبت 27-أكتوبر-2001

مشاهدات 65

نشر في العدد 1474

نشر في الصفحة 46

السبت 27-أكتوبر-2001

- مما لا شك فيه أن فقد الأمة علماءها المخلصين يُعد من أعظم المصائب وبخاصةً هؤلاءِ العلماء الذين وهبوا أنفسهم للدعوة إلى الله على علم وبصيرة، لا يتوانون عن الصدع بكلمة الحق، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، دون أن تأخذهم في الله لومةَ لائم. ومنذ خمس سنوات مضت فقدت الأمة الإسلامية واحدًا من أبرز دعاتها هو فضيلة الشيخ/ عبد الحميد كشك خطيب مدرسة محمد، وصاحب العبارة الشهيرة: «أما بعد: فيا حماة الإسلام وحراس العقيدة.

- وعلى الرغم من أن الشيخ -يرحمه الله -قد منع من الخطابة منذ عام ١٤٠٢هـ الموافق العام ۱۹۸۲م تقريبًا بعد خروجه من السجن في اعتقالات سبتمبر ۱۹۸۱م إلا أن صوته الداعي إلى الحق. والأسر للقلوب والأسماع، ما زال وسيظل بإذن الله يتردد في أنحاء كثيرة من بلاد العالم عبر أشرطة التسجيل التي يسمعها الناس صباح مساء دونما كلل أو ملل، وما ذلك إلا لأنها خرجت من قلب صادق، وجرت على لسان صادق، ولا نزكي على الله أحدًا. ولكن من هو الشيخ عبد الحميد كشك؟ وما أبرز ملامح وميزات مدرسته المتميزة في فن الخطابة المنبرية؟

أما الشيخ فهو الداعية عبد الحميد بن عبد العزيز بن محمد كشك الذي أمضى ٦٣ عاما هي مجموع سنوات عمره، مجاهدًا في سبيل إعلاء كلمة الحق، ونصرة الدين من مواليد العاشر من مارس عام ۱۹۳۳م في بلدة "شبراخيت" بمحافظة البحيرة في جمهورية مصر العربية عرفه الناس خطيبًا مفوهًا نابهًا، وداعية جريئًا موفقًا، يصدع بكلمة الحق ويجهر بها دون أن تأخذه في الله لومة لائم.

حفظ القرآن الكريم قبل سن العاشرة ثم التحق بالمعهد الديني في الإسكندرية وكان ترتيبه الأول على مستوى الجمهورية في الشهادة الثانوية الأزهرية ثم التحق بعدها بكلية أصول الدين في جامعة الأزهر، وكان ترتيبه الأول على طلبة الكلية طوال سنوات الدراسة.

عمل -يرحمه الله- إمامًا وخطيبًا في العديد من المساجد حتى استقر به المقام في مسجد عين الحياة بمنطقة حدائق القبة في القاهرة.

 اعتقل في عام ١٩٦٦م، وتنقل خلال فترة الاعتقال التي زادت على العامين ونصف العام بين معتقلات طره، وأبو زعبل، والقلعة، والسجن الحربي». ثم أفرج عنه في عام ١٩٦٨م فعاد مرة أخرى إلى خطبه ودروسه ونشاطه الدعوي ولأن خطبه ودروسه كانت تمتاز بالصراحة والجرأة والشجاعة في نقد الأوضاع السيئة، فقد أدى ذلك إلى العديد من المشكلات بينه وبين السلطات مما أدى إلى استدعائه للتحقيق بصفة دورية بوزارة الأوقاف حتى تم اعتقاله ضمن مجموعة كبيرة من قيادات العمل الإسلامي والقيادات السياسية في سبتمبر من عام ۱۹۸۱م. وبعد أن تم الإفراج عنه في ١٩٨٢م خرج إلى بيته حيث تم منعه نهائيًا من الدعوة والخطابة حتى انتقل إلى رحمة الله في ٢٧ من رجب عام ١٤١٧هـ الموافق للسادس من ديسمبر عام ١٩٩٦م.

ملامح مدرسته

أما أبرز ملامح وميزات مدرسته المتميزة في الخطابة المنبرية فتتمثل في أنه:

كان -يرحمه الله -يقدم للخطبة بمقدمة تشد السامعين شدًا قويًا ومؤثرًا، حيث كان من عادته أن يفتتح خطبه بحمد الله تعالى حمدًا يليق بجلاله وعظيم سلطانه، ثم يورد بعض الدعوات المتتالية التي يرفع بها صوته عاليًا وكأنه يهيئ المستمعين من خلالها ويستحضر انتباههم، ويستثير مشاعرهم ثم يصلي ويسلم على نبينا محمد مرددًا قوله: «سيدي أبا القاسم يا رسول الله صلى عليك الله يا علم الهدى ما هبت النسائم وما ناحت على الأيك الحمائم».

بعد ذلك تأتي عبارته الشهيرة: «أما بعد فيا حماة الإسلام وحراس العقيدة، وهي عبارة تميزت بها خُطب الشيخ ولا تكاد تخلو منها خطبة من خطبه، ومنها يكون مدخله إلى الموضوع الذي يريد الحديث فيه بعد أن يُشير إلى الرقم التسلسلي للخطبة وهنا تجدر الإشارة إلى أن مجموع أشرطة خطب الشيخ قد بلغ «٤٢٥» شريطاً، إضافة إلى أكثر من «۳۰۰» درس من دروس المساء التي كان يعقدها  رحمه الله  للمصلين في مسجده وغيره من المساجد الأخرى في فترة ما قبل صلاة العشاء، مراعيًا فيها حسن اختيار الموضوعات، وطرافة الأسلوب، وبساطة العبارة، بطريقة جذابة مرحة سرعان ما تصل إلى القلوب، وتلامس شفافها فتضفي على تلك الدروس جوًا روحانيًا ممتعًا.

ولعل مما يميز خطب الشيخ عبد الحميد كشك يرحمه الله. ودروسه أنها كانت جامعة شاملة. فلا يكاد يكون هناك شريط يتحدث في موضوع واحد. إلا ما ندر، وما ذلك إلا دليل على سعة علمه وغزارة معرفته، وقدرته الفائقة على الربط بين الأحداث، واستنباط الدروس والعبر بشكل يجعل المئات والألوف من رواد مسجده في عين الحياة) يتوافدون على المسجد منذ ساعات الصباح الباكر في كل يوم جمعة لسماع الخطبة.

كما تميزت خٌطب الشيخ كشك بتلك الردود المفحمة التي لم يكن يتردد في إعلانها من فوق المنبر على أعداء الإسلام من الملاحدة، والعلمانيين والمنحرفين، ونحوهم بطريقة يورد فيها مزاعمهم ودعا واهم الباطلة، ثم ينبري للرد. عليها وتفنيدها بما يفتح الله عليه من قول سديد ومنطق رشيد، مستشهدًا في ذلك كله بالآيات القرآنية والأحاديث النبوية، التي تدحض دعاواهم وتبطل مزاعمهم، وتكشف زيفهم، كل هذا وجموع المصلين يعيشون جوا إيمانياً تغشاه السكينة، حتى يرتفع صوته مرة أخرى قائلًا: «أعود بكم من هناك إلى هنا، وما أدراك ما هنا هنا مدرسة محمد لينهي الجزء الأول من خطبة الجمعة.

ولأن الشيخ - يرحمه الله - كان معايشًا لآلام المجتمع فقد كان صريح العبارة، لاذع النقد، قوي الإنكار على أعداء الإسلام في كل مكان، ولا يتوانى في أي مناسبة عن كشف زيفهم وبيان مكرهم الأمر الذي عرضه للإيقاف والمنع مرات عديدة، ولذلك امتلك رصيدًا كبيرًا جدًا من الحب والإعجاب في قلوب الناس، وتحتل دعوته ومواعظه منزلة واسعة من القبول في نفوسهم، حتى إن خطبه ودروسه المسجلة على الأشرطة قد انتشرت في كل مكان، وبشكل تجاوز الحدود، وعند كل الفئات، وعلى جميع المستويات ولعل هذا ليس بالأمر الغريب فقد عُرف عن الشيخ عبد الحميد كشك إجادته التامة للغة العربية، وإحاطته الفائقة بعلومها وفنونها، وذوقه الأدبي الرفيع الذي يتضح في جودة انتقاء الأشعار، وحسن الإلقاء وروعة اختيار العبارات ودقة التصوير والوصف، يُضاف إلى ذلك كله ما يتمتع به من ملكة الحفظ العجيبة للتواريخ والأسماء والمناسبات و اطلاعه المستمر على أحوال المجتمع، ومتابعته للأحداث أولًا بأول. وهنا تجدر الإشارة إلى أن المتابع لخطب الشيخ -رحمه الله -يدرك منذ اللحظة الأولى أنه كان يحب شخصية رسول الله ﷺ ويتحدث كثيرًا عن عظمته مردداً بين الحين والحين قوله كان ﷺ بين الناس رجلاً، وبين الرجال بطلًا، وبين الأبطال مثلًا، كما أنه كان يكثر في دروسه وخطبه من الاستشهاد بمواقف من سيرة أمير المؤمنين عمر بن الخطاب -رضي الله عنه -وعدله، ويسميه (عملاق الإسلام) كل هذا كان مميزاً للشيخ ولمدرسته الخطابية التي نفع الله بها فنشرت الوعي الديني، وخدمت الدعوة الإسلامية على مدى ٣٥ عامًا، وفي زمن كانت الدعوة أحوج ما تكون لمثل دروسه وخطبه وبعد، فها هي خمس سنوات تمر منذ أن توفي الشيخ -يرحمه الله- ولا تزال ذكراه العطرة ماثلة في النفوس لأنه كان ولا يزال وسيظل من الدعاة القلائل الذين ستبقى ذكراهم خالدة ومواقفهم في خدمة الإسلام ونصرته ماثلة للعيان.

 

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 280

72

الثلاثاء 30-ديسمبر-1975

حكايات من واقعنـــا

نشر في العدد 1236

84

الثلاثاء 28-يناير-1997

المجتمع الثقافي: (1236)