; الحق أحق أن يتبع.. بين الدين والمادية | مجلة المجتمع

العنوان الحق أحق أن يتبع.. بين الدين والمادية

الكاتب محمد سلام مدكور

تاريخ النشر الثلاثاء 27-فبراير-1979

مشاهدات 75

نشر في العدد 434

نشر في الصفحة 18

الثلاثاء 27-فبراير-1979

  • إن انتشار ظلام المادية لا يعني انتصارها 
  • إن انحسار نور الإيمان لا يعني هزيمته..!!

الحياة الجماعية لازمةٌ للبشر، لأنَّ الإنسان اجتماعي بطبعه، وهذا يستتبع ضرورة وجود تشريع يحكم تصرفات أفراد المجتمع، وعلاقات الناس بعضهم ببعض، فالإنسان يشعر في حياته بالحاجة إلى قواعد تحدد حقوق كل فرد بالقياس إلى حقوق الآخرين، وهذا ما يدفع الناس إلى العمل على إيجاد قواعد قانونية، تحكم تصرفاتهم وعلاقاتهم...

والدين معناه الطاعة والانقياد، وتضاف كلمة دين إلى الله – سبحانه – فيقال: دين الله الذي أدان به عباده، والدين عند الله الإسلام، ونحن هنا نقارن بين الدين الذي بعث به محمد – صلوات الله وسلامه عليه – وبين المادية والإلحاد. 

ومعرفة الله الواحد الأحد أمر أدركته البشرية من قديم الأزمان، عن طريق العقل وحده، بمجرد النظر إلى الكون والتأمل في نظامه، والعلم الحديث لا ينفي في المواقع أن هناك قوة خارقه فوق طاقة المخلوقات، تصرف شؤون الكون وتهيمن عليه، بل كلما تقدم العلماء في بحوثهم، وتعرفهم على ما في الكون من أسرار كلما ازددنا إيمانًا، وقام البرهان الساطع على وجود الخالق المبدع، وقامت الحجة العقلية لإقحام الماديين والوجوديين إن تجردوا عن الهوى.

ونريد بالمادية أو الوجودية قصر الإيمان على ما هو محسوس مشاهد بالعين وإنكار الغيبيات، وقد أثرت المادية قديمًا في قوم موسى – عليه السلام – فطالبوه بأن يريهم ربه الذي يدعوهم لعبادته رأي العين ﴿وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَىٰ لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّىٰ نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً﴾ (سورة البقرة: 55)، كما طلبوا منه، ليؤمنوا بدعوته، أن يطلب من ربه أن يبدل لهم طعامهم حتى يصدقوه وينقادوا له فيما يدعوهم له ﴿وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَىٰ لَن نَّصْبِرَ عَلَىٰ طَعَامٍ وَاحِدٍ فَادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنبِتُ الْأَرْضُ مِن بَقْلِهَا وَقِثَّائِهَا وَفُومِهَا وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَا﴾ (سورة البقرة: 61).

وكذلك فقد طلب الحواريون بعد ذلك من عيسى – عليه السلام – أن يطلب من ربه أن ينزل عليهم مائدة من السماء؛ حتى يؤمنوا به ﴿إِذْ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَن يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِّنَ السَّمَاءِ ۖ قَالَ اتَّقُوا اللَّهَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ * قَالُوا نُرِيدُ أَن نَّأْكُلَ مِنْهَا وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنَا وَنَعْلَمَ أَن قَدْ صَدَقْتَنَا وَنَكُونَ عَلَيْهَا مِنَ الشَّاهِدِينَ﴾ (سورة المائدة: 112). 

وكذلك فإن القرآن يحكى لنا قصة الماديين الذين طلبوا من محمد بن عبد الله – صلى الله عليه وسلم – شيئًا من ذلك، يقول الله تعالى في سورة الإسراء: ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنَا لِلنَّاسِ فِي هَٰذَا الْقُرْآنِ مِن كُلِّ مَثَلٍ فَأَبَىٰ أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُورًا * وَقَالُوا لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّىٰ تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الْأَرْضِ يَنبُوعًا * أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِّن نَّخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الْأَنْهَارَ خِلَالَهَا تَفْجِيرًا * أَوْ تُسْقِطَ السَّمَاءَ كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفًا أَوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ قَبِيلًا * أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِّن زُخْرُفٍ أَوْ تَرْقَىٰ فِي السَّمَاءِ وَلَن نُّؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّىٰ تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَابًا نَّقْرَؤُهُ ۗ قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنتُ إِلَّا بَشَرًا رَّسُولًا﴾ (سورة الإسراء: 89).. إلى أن قال الله – جل شأنه – لرسوله في الرد عليهم: ﴿قُلْ كَفَىٰ بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ ۚ إِنَّهُ كَانَ بِعِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا * وَمَن يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ ۖ وَمَن يُضْلِلْ فَلَن تَجِدَ لَهُمْ أَوْلِيَاءَ مِن دُونِهِ﴾ (سورة الإسراء: 96)، وصدق الله إذ يقول في سورة البقرة: كَذَٰلِكَ قَالَ ﴿الَّذِينَ مِن قَبْلِهِم مِّثْلَ قَوْلِهِمْ ۘ تَشَابَهَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ (سورة البقرة: 118).

فالماديون لا يؤمنون بالغيب، وإنما يقفون عند الحس والمشاهدة، مما يجعل اتجاههم الفكري يعبر عن طفولة واضحة من ناحية قصر النظر وتسلط النظرة المادية على عقولهم، يعيشون لدنياهم التي يحسون فيها بحركتهم، وما هم فيه من لهو ولعب شعارهم: ﴿إِنْ هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ﴾ (سورة المؤمنون: 37) ومن أجل هذا فهم يسخرون من الدين ومن الداعين إليه المؤمنين بالبعث والحساب، بل يرون الدين أفيون الشعوب، يُغرر به الدعاة إليه البسطاء ويخدعون به الشعوب ليتسلطوا على الناس، ويخضعونهم لسلطانهم، وإذا كانت المادية ظاهرة تتجلى في العديد من الأجيال البشرية، وأصحاب الاتجاه المادي يقفون عند الحياة الدنيا، وقد أعمى الله بصائرهم عمَّا وراء هذه الحياة، وعاشوا دون حاجز خلقي، ولا حياء لانعدام الاتجاه الروحي في نفوسهم، فإن الإيمان الصادق بالله والبعث والحساب والتسليم والانقياد لله خالق الخلق، ظاهرة إنسانية أيضًا تتجلى في كل الأجيال، وأن من امتلأت قلوبهم بالإيمان بالخالق جل شأنه يمتد نظرهم إلى ما وراء هذه الحياة، التي هي في أعينهم شقاء وابتلاء وأن الآخرة خير وأبقى. ولهم من إيمانهم سلطان يتحكم في تصرفاتهم ويبعدهم عن كل ما هو شر، ويدفعهم إلى كل ما هو خير، ويجعلهم ينظرون في كل تصرفاتهم إلى عين الله الساهرة الذي لا تخفى عليه خافية، ويعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور، ويبتغون في كل أعمالهم الدار الآخرة، وينعمون في الحياة بالمتع التي تتفق مع إيمانهم، ومع قيام مجتمعهم على الحب الطاهر والإخاء الصادق والتعاون الكامل.

فقد أدركت البشرية من قديم الأزمان عن طريق العقل وحده، خضوعها لقوى غيبية قاهرة، وذلك بمجرد النظر في الكون والتأمل في نظامه، وحتى الرجل البدائي الذي نشأ على الفطرة قال: البعرة تدل على البعير، فسماء ذات أبراج وأرض ذات أوتاد ألا تدل على خالق قوي قادر! بل إن عبادة قدماء المصريين من آلاف السنين أساسها الأول أن كل إنسان مسؤول بعد الموت عن أعماله في الدنيا. 

كما عرف الكلدانيون بعد ذلك شيئًا عن الآخرة، ومن بعدهم الفرس والإغريق والرومان، حتى الهندوكيين والبوذيين فإنهم يؤمنون بأن الروح تنتهي أخيرًا إلى وجود آخر، كما أن «أخناتون» أحد فراعنة قدماء المصريين كان يؤمن بالوحدانية.

وإذا نظرنا إلى الفرد منا لوجدنا أنه يقضي فترة في الدنيا يعمل فيها ما توجهه إليه مواهبه، ويهديه إليه تفكيره، ثم يمضي من الحياة عندما يدركه الموت تاركًا؛ وراءه أعمالًا وآمالًا منها ما هو ظاهر معروف، ومنها ما هو سر دفين ومنها ما هو خير ومنها ما هو شر. فهل ينتهي كل شيء بالوفاة ويستوي المصلح مع المفسد، ويستوي الظالم المستبد مع الخير؟ هل يقبل العقل أن يكون مصير الإنسان الذي عمَّر الأرض واكتشف بعض ما فيها من نعم وبعض ما في الكون من أسرار: الزوال، لا إلى رجعة؟! أم أنه لابد من عالم آخر توفى فيه كل نفس ما كسبت؟! لا شك أن العقل وحده يتجه إلى أن الموت تأتي بعده حياة من نوع آخر.. يحاسب فيها كل امرئ على ما قدمت يداه، وأن من يعمل مثقال ذرة خيرًا يره، ومن يعمل مثقال ذرة شرًا يره.

فالله حق، والأديان السماوية التي جاءت بها الرسل حق، والإسلام خاتم هذه الأديان دون شك.. والإيمان بالغيب حق ولا ينكر شيء من ذلك إلا معاند مكابر لا يرى إلا ما تحت قدميه، ولا يؤمن إلا بما يلمسه بيديه، وإذا كان للمادية طغيانها وجشعها وانكبابها على منع الحياة بكل أبعادها وصورها دون التقيد بالقيم. فإن لدين الله سموه وعلوه واتجاهه بعباده إلى الوسطية، وحثه إياهم على العمل مع التطلع إلى اليوم الآخر الذي يحاسب فيه كل امرئ على ما قدمت يداه. 

وإذا كان الصراع بين الدين والوجودية صراعًا قديمًا، كما بينا لأنه صراع بين الخير والشر، وإذا كان دين الله سيظل له سلطانه وقوته، وسيبقى للمادية عنادها وضلالها وبريقها، في نظر من لم يدخلهم الله في رحمته، مصداقًا لقوله جل شأنه.. ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً ۖ وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ * إِلَّا مَن رَّحِمَ رَبُّكَ﴾ (سورة هود: 118) فإن من واجبنا أن نبصر أبناءنا بأصالة الدين دائمًا، وأنه الطريق المستقيم الذي ينبغي أن نسلكه في الحياة، كما يجب علينا أن ندعو هؤلاء الضالين إلى الدين الحق ونجادلهم بالتي هي أحسن.

وينبغي أن يكون معلومًا لنا جميعًا أن انتشار ظلام المادية لا يعني انتصارها، وانحسار نور الإيمان أحيانًا لا يعني هزيمته، فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام، ومن يُرد أن يضله يجعل صدره ضيقًا حرجًا، فسيطرة المادية أحيانًا لا تخيفنا في شيء، وإنما الذي يخيفنا هو التقاعس عن كشف أباطيلها، وترك سمومها، تدخل في عقول الشباب، دون التصدي لإبطال مفعولها وبيان أن الله هو الحق، وأنه يحيي الموتى، وأنه على كل شيء قدير، وأن الساعة آتية لا ريب فيها، وأن الله يبعث من في القبور، وأن من يعمل مثقال ذرة خيرًا يره، ومن يعمل مثقال ذرة شرًا يره...

وإلى اللقاء في العدد القادم لنتكلم عن قوة الإيمان وأثره في النفوس..

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 309

170

الثلاثاء 20-يوليو-1976

الضائعة

نشر في العدد 425

85

الاثنين 25-ديسمبر-1978

تعال نؤمن ساعة (العدد 425)