; ‬الحق‭ ‬سلطانه‭ ‬أقوى‭ ‬من‭ ‬كل‭ ‬سلطان‭ ‬والباطل‭ ‬لا‭ ‬يصمد‭ ‬أمام‭ ‬الحقيقة | مجلة المجتمع

العنوان ‬الحق‭ ‬سلطانه‭ ‬أقوى‭ ‬من‭ ‬كل‭ ‬سلطان‭ ‬والباطل‭ ‬لا‭ ‬يصمد‭ ‬أمام‭ ‬الحقيقة

الكاتب د. محمد سليم العوا

تاريخ النشر الاثنين 01-أغسطس-2022

مشاهدات 123

نشر في العدد 2170

نشر في الصفحة 42

الاثنين 01-أغسطس-2022

قراءة‭ ‬في‭ ‬كتاب‭ ‬مقدمة‭ ‬ابن‭ ‬خلدون‭ (‬6‭)‬
أعدها‭ ‬للنشر‭: ‬حسن‭ ‬القباني

 

نواصل‭ ‬القراءة‭ ‬في‭ ‬التمهيد‭ ‬الذي‭ ‬كتبه‭ ‬ابن‭ ‬خلدون‭ ‬لمقدمته،‭ ‬وبعد‭ ‬أن‭ ‬انتهى‭ ‬من‭ ‬الصلاة‭ ‬والسلام‭ ‬على‭ ‬نبينا‭ ‬محمد‭ ‬صلى‭ ‬الله‭ ‬عليه‭ ‬وسلم‭ ‬والترضي‭ ‬على‭ ‬صحابته،‭ ‬قال‭: ‬‮«‬أما‭ ‬بعد‭ ‬فإن‭ ‬فن‭ ‬التاريخ‭ ‬من‭ ‬الفنون‭ ‬التي‭ ‬تتداولها‭ ‬الأمم‭ ‬والأجيال،‭ ‬وتشد‭ ‬إليه‭ ‬الركائب‭ ‬والرحال،‭ ‬وتسمو‭ ‬إلى‭ ‬معرفته‭ ‬السوقة‭ ‬والأغفال‮»‬،‭ ‬والسوقة‭ ‬في‭ ‬لغتنا‭ ‬المعاصرة‭ ‬تطلق‭ ‬على‭ ‬الشخص‭ ‬الغوغائي‭ ‬العامي،‭ ‬ولكن‭ ‬في‭ ‬المعنى‭ ‬القديم‭ ‬هم‭ ‬عامة‭ ‬الشعب‭ ‬الذي‭ ‬لم‭ ‬يتعلم‭ ‬ويتثقف،‭ ‬وأما‭ ‬الأغفال‭ ‬فهم‭ ‬الذين‭ ‬لا‭ ‬تجربة‭ ‬لهم‭ ‬وإن‭ ‬ظهر‭ ‬لك‭ ‬أنه‭ ‬موظف‭ ‬محترم‭ ‬أو‭ ‬حتى‭ ‬وزير‭ ‬محترم‭ ‬لكن‭ ‬لا‭ ‬تجربة‭ ‬له،‭ ‬فهذا‭ ‬يسمونه‭ ‬غفل،‭ ‬وهو‭ ‬يريد‭ ‬أن‭ ‬يقول‭: ‬إن‭ ‬هذا‭ ‬العلم‭ ‬لا‭ ‬يفوت‭ ‬أحد،‭ ‬فكل‭ ‬منا‭ ‬له‭ ‬مقصد‭ ‬في‭ ‬علم‭ ‬التاريخ،‭ ‬وهذا‭ ‬دليل‭ ‬على‭ ‬أهميته‭.‬
قال‭: ‬‮«‬وتتنافس‭ ‬فيه‭ ‬الملوك‭ ‬والأقيال،‭ ‬ويتساوى‭ ‬في‭ ‬فهمه‭ ‬العلماء‭ ‬والجهال‮»‬،‭ ‬والأقيال‭ ‬يعني‭ ‬الملك‭ ‬على‭ ‬الإطلاق،‭ ‬أو‭ ‬ملك‭ ‬من‭ ‬ملوك‭ ‬حمير‭ ‬في‭ ‬اليمن،‭ ‬وقال‭: ‬‮«‬إذ‭ ‬هو‭ ‬في‭ ‬ظاهره‭ ‬لا‭ ‬يزيد‭ ‬على‭ ‬إخبار‭ ‬عن‭ ‬الأيام‭ ‬والدول‭ ‬والسوابق‭ ‬من‭ ‬القرون‭ ‬الأول،‭ ‬تنمق‭ ‬لها‭ ‬الأقوال‭ ‬وتصرف‭ ‬فيها‭ ‬الأمثال‭ ‬وتطرف‭ ‬بها‭ ‬الأندية‭ ‬إذا‭ ‬غصها‭ ‬الاحتفال‮»‬،‭ ‬وهنا‭ ‬نتوقف‭ ‬عند‭ ‬‮«‬في‭ ‬ظاهره‮»‬‭ ‬لأنها‭ ‬مفتاح‭ ‬كتابه‭ ‬كله‭ ‬وتاريخه‭ ‬كله،‭ ‬فهو‭ ‬يريد‭ ‬أن‭ ‬يقول‭: ‬إن‭ ‬هناك‭ ‬أناساً‭ ‬كأمثالنا‭ ‬يريدون‭ ‬ظاهره‭ ‬من‭ ‬الحكايات‭ ‬والتسلية‭ ‬والطرائف‭ ‬والحكم‭.‬
قال‭: ‬‮«‬وتؤدي‭ ‬لنا‭ ‬شأن‭ ‬الخليقة‭ ‬كيف‭ ‬تقلبت‭ ‬بها‭ ‬الأحوال،‭ ‬واتسع‭ ‬للدول‭ ‬النطاق‭ ‬فيها‭ ‬والمجال،‭ ‬وعمروا‭ ‬الأرض‭ ‬حتى‭ ‬نادى‭ ‬بهم‭ ‬الارتحال‭ ‬وحان‭ ‬منهم‭ ‬الزوال،‭ ‬وفي‭ ‬باطنه‭ ‬نظر‭ ‬وتحقيق‭ ‬وتعليل‭ ‬للكائنات‭ ‬ومبادئها‭ ‬دقيق،‭ ‬وعلم‭ ‬بكيفيات‭ ‬الوقائع‭ ‬وأسبابها‭ ‬عميق‭ ‬فهو‭ ‬لذلك‭ ‬أصيل‭ ‬في‭ ‬الحكمة‭ ‬عريق‮»‬‭.‬
والحكمة‭ ‬عندهم‭ ‬هي‭ ‬الفلسفة‭ ‬وتعني‭ ‬التاريخ،‭ ‬وليس‭ ‬كلاماً‭ ‬يتلى‭ ‬فيتسلى‭ ‬الناس‭ ‬به،‭ ‬إنما‭ ‬هي‭ ‬صلب‭ ‬الدراسة‭ ‬الفلسفية‭ ‬للأمم‭ ‬والمجتمعات‭ ‬والدول‭ ‬والحضارات‭ ‬والقبائل‭ ‬والشعوب‭.‬
قال‭: ‬‮«‬وجدير‭ ‬بأن‭ ‬يعد‭ ‬في‭ ‬علومها‭ ‬خليق،‭ ‬وإن‭ ‬فحول‭ ‬المؤرخين‭ ‬في‭ ‬الإسلام‭ ‬قد‭ ‬استوعبوا‭ ‬أخبار‭ ‬الأيام‭ ‬وجمعوها‭ ‬وسطروها‭ ‬في‭ ‬صفحات‭ ‬الدفاتر‭ ‬وأودعوها،‭ ‬وخلطها‭ ‬المتطفلون‭ ‬بدسائس‭ ‬من‭ ‬الباطل‭ ‬وَهِمُوا‭ ‬فيها‭ ‬أو‭ ‬ابتدعوها،‭ ‬وزخرف‭ ‬من‭ ‬الروايات‭ ‬المضعَّفة‭ ‬لفقوها‭ ‬ووضعوها‮»‬،‭ ‬وهموا‭ ‬فيها‭ ‬يعني‭ ‬من‭ ‬الوهم‭ ‬وهو‭ ‬عكس‭ ‬التيقن،‭ ‬أو‭ ‬ابتدعوها‭ ‬فهذا‭ ‬يعني‭ ‬الكذب‭ ‬والاختراع‭ ‬لإيجاد‭ ‬بدعة‭ ‬جديدة،‭ ‬ووضعها‭ ‬في‭ ‬كتب‭ ‬التاريخ،‭ ‬والروايات‭ ‬ذات‭ ‬السند‭ ‬الضعيف‭ ‬لفقوها،‭ ‬بوضع‭ ‬السند‭ ‬على‭ ‬الرواية‭ ‬والرواية‭ ‬على‭ ‬السند‭ ‬وكلاهما‭ ‬لا‭ ‬علاقة‭ ‬له‭ ‬بالآخر‭ ‬بغية‭ ‬وضعها،‭ ‬والوضع‭ ‬هو‭ ‬الكذب‭ ‬الصريح‭.‬
قال‭: ‬‮«‬واقتفى‭ ‬تلك‭ ‬الآثار‭ ‬الكثير‭ ‬ممن‭ ‬بعدهم‭ ‬واتبعوها‭ ‬وأدوها‭ ‬إلينا‭ ‬كما‭ ‬سمعوها‭ ‬ولم‭ ‬يلاحظوا‭ ‬أسباب‭ ‬الوقائع‭ ‬والأحوال‭ ‬ولم‭ ‬يراعوها،‭ ‬ولا‭ ‬رفضوا‭ ‬ترهات‭ ‬الأحاديث‭ ‬ولا‭ ‬دفعوها،‭ ‬فالتحقيق‭ ‬قليل‭ ‬وطرف‭ ‬التنقيح‭ ‬في‭ ‬الغالب‭ ‬كليل،‭ ‬والوهم‭ ‬نسيب‭ ‬للأخبار‭ ‬وخليل‮»‬،‭ ‬والطرف‭ ‬هو‭ ‬العين،‭ ‬قالوا‭: ‬‮«‬ما‭ ‬بين‭ ‬طرفة‭ ‬عين‭ ‬وانتباهتها‭ ‬يغير‭ ‬الله‭ ‬من‭ ‬حال‭ ‬إلى‭ ‬حال‮»‬،‭ ‬والمعنى‭ ‬أن‭ ‬من‭ ‬طرف‭ ‬التنقيح‭ ‬هو‭ ‬أن‭ ‬قدرتهم‭ ‬على‭ ‬التدقيق‭ ‬كليلة‭ ‬جداً‭ ‬وضعيفة‭ ‬جداً،‭ ‬والنسيب‭ ‬من‭ ‬المصاهرة،‭ ‬فيريد‭ ‬أن‭ ‬يقول‭: ‬إن‭ ‬الغلط‭ ‬والوهم‭ ‬مع‭ ‬الأخبار‭ ‬كما‭ ‬لو‭ ‬كانوا‭ ‬عائلة‭.‬
قال‭: ‬‮«‬والتقليد‭ ‬عريق‭ ‬في‭ ‬الآدميين‭ ‬وسليل‮»‬،‭ ‬وتقول‭ ‬للشخص‭: ‬لماذا‭ ‬تعمل‭ ‬كذا‭ ‬ولماذا؟‭ ‬يقول‭ ‬لك‭: ‬والدي‭ ‬كان‭ ‬يصنع‭ ‬ذلك‭! ‬إنه‭ ‬‮«‬التقليد‮»‬‭ ‬يقول‭ ‬تعالى‭: ‬﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِم مُّقْتَدُونَ﴾‭ (‬الزخرف‭: ‬23‭)‬،‭ ‬وهذا‭ ‬التقليد‭ ‬لا‭ ‬يجوز‭.‬
قال‭: ‬‮«‬والحق‭ ‬لا‭ ‬يقاوم‭ ‬سلطانه،‭ ‬والباطل‭ ‬يقذف‭ ‬بشهاب‭ ‬النظر‭ ‬شيطانه‮»‬،‭ ‬وهذه‭ ‬جملة‭ ‬مفتاح،‭ ‬حيث‭ ‬يقول‭: ‬الحق‭ ‬سلطانه‭ ‬أقوى‭ ‬من‭ ‬كل‭ ‬سلطان‭ ‬ولا‭ ‬يستطيع‭ ‬أحد‭ ‬أن‭ ‬يقاوم‭ ‬سلطان‭ ‬الحق‭ ‬والحقيقة،‭ ‬أما‭ ‬الباطل‭ ‬فيقذف‭ ‬بشهاب‭ ‬النظر‭ ‬شيطانه،‭ ‬والنظر‭ ‬يعني‭ ‬الفكر‭ ‬والتدبر،‭ ‬والتأمل‭.‬
الناقد‭ ‬البصير
قال‭: ‬‮«‬والناقل‭ ‬إنما‭ ‬هو‭ ‬يملي‭ ‬وينقل،‭ ‬والبصيرة‭ ‬تنقد‭ ‬الصحيح‭ ‬إذا‭ ‬تمقل،‭ ‬والعلم‭ ‬يجلو‭ ‬لها‭ ‬صفحات‭ ‬الصواب‭ ‬ويصقل‮»‬،‭ ‬وتمقل‭ ‬من‭ ‬المقلة‭ ‬يعني‭ ‬تنظر‭ ‬نظراً‭ ‬دقيقاً،‭ ‬فإذا‭ ‬نظر‭ ‬صاحب‭ ‬البصيرة‭ ‬في‭ ‬الكلام‭ ‬بيَّن‭ ‬الله‭ ‬له‭ ‬الباطل‭ ‬من‭ ‬الحق،‭ ‬وبيَّن‭ ‬له‭ ‬فعل‭ ‬الشيطان‭ ‬وصنعه‭.‬
قال‭: ‬‮«‬هذا؛‭ ‬وقد‭ ‬دوَّن‭ ‬الناس‭ ‬في‭ ‬الأخبار‭ ‬وأكثروا،‭ ‬وجمعوا‭ ‬تواريخ‭ ‬الأمم‭ ‬والدول‭ ‬في‭ ‬العالم‭ ‬وسطروه،‭ ‬والذين‭ ‬ذهبوا‭ ‬بفضل‭ ‬الشهرة‭ ‬والإمامة‭ ‬المعتبرة،‭ ‬واستفرغوا‭ ‬دواوين‭ ‬مَنْ‭ ‬قبلهم‭ ‬في‭ ‬صحفهم‭ ‬المتأخرة‭ ‬قليلون‭ ‬لا‭ ‬يكادون‭ ‬يجاوزون‭ ‬عدد‭ ‬الأنامل‭ ‬ولا‭ ‬حركات‭ ‬العوامل‮»‬،‭ ‬والعوامل‭ ‬جمع‭ ‬عامل‭ ‬في‭ ‬النحو‭ ‬الذي‭ ‬يرفع‭ ‬ويخفض‭ ‬ويجزم‭ ‬ويجر،‭ ‬وحروف‭ ‬العوامل‭ ‬في‭ ‬اللغة‭ ‬العربية‭ ‬التي‭ ‬لها‭ ‬أثر‭ ‬نحوي،‭ ‬أكثر‭ ‬في‭ ‬العدد‭ ‬من‭ ‬عدد‭ ‬المحققين‭ ‬من‭ ‬المؤرخين‭.‬
قال‭: ‬‮«‬مثل‭ ‬ابن‭ ‬إسحق‭ ‬والطبري‭ ‬وابن‭ ‬الكلبي‭ ‬ومحمد‭ ‬بن‭ ‬عمر‭ ‬الواقدي‭ ‬وسيف‭ ‬بن‭ ‬عمر‭ ‬الأسدي‭ ‬والمسعودي،‭ ‬وغيرهم‭ ‬من‭ ‬المشاهير‭ ‬المتميزين‭ ‬عن‭ ‬الجماهير‮»‬،‭ ‬ثم‭ ‬استدرك‭ ‬فقال‭: ‬‮«‬وإن‭ ‬كان‭ ‬في‭ ‬كتب‭ ‬المسعودي‭ ‬والواقدي‭ ‬من‭ ‬المطعن‭ ‬والمغمز،‭ ‬ما‭ ‬هو‭ ‬معروف‭ ‬عند‭ ‬الأثبات،‭ ‬ومشهور‭ ‬بين‭ ‬الحفظة‭ ‬الثقات،‭ ‬إلا‭ ‬أن‭ ‬الكافة‭ ‬اختصوهم‭ ‬بقبول‭ ‬أخبارهم‭ ‬واقتفاء‭ ‬سَنَنَهم‭ ‬في‭ ‬التصنيف‭ ‬واتباع‭ ‬آثارهم،‭ ‬والناقد‭ ‬البصير‭ ‬قسطاس‭ ‬نفسه‭ ‬في‭ ‬تزييفهم‭ ‬فيما‭ ‬ينقلون‭ ‬أو‭ ‬اعتبارهم،‭ ‬فللعمران‭ ‬طبائع‭ ‬في‭ ‬أحواله‭ ‬ترجع‭ ‬إليها‭ ‬الأخبار‭ ‬وتحمل‭ ‬عليها‭ ‬الروايات‭ ‬والآثار‮»‬‭.‬
وهنا،‭ ‬بداية‭ ‬الرسالة‭ ‬كلها‭ ‬والتاريخ‭ ‬كله‭ ‬من‭ ‬كلمة‭ ‬‮«‬العمران‮»‬،‭ ‬فهنا‭ ‬أوضح‭ ‬طريقه‭ ‬وطريقته‭ ‬في‭ ‬إثبات‭ ‬ما‭ ‬يريد‭ ‬في‭ ‬كتابه‭ ‬وتاريخه‭ ‬من‭ ‬أحوال‭ ‬العمران،‭ ‬ويريد‭ ‬أن‭ ‬ينبه‭ ‬الجميع‭ ‬إلى‭ ‬أنه‭ ‬لا‭ ‬يجب‭ ‬القبول‭ ‬بكل‭ ‬الأحوال‭ ‬قبولاً‭ ‬عشوائياً،‭ ‬وأنه‭ ‬يجب‭ ‬وزنها‭ ‬بقوانين‭ ‬العمران،‭ ‬حيث‭ ‬إن‭ ‬قوانين‭ ‬الاجتماع‭ ‬الإنسانية‭ ‬فيها‭ ‬ما‭ ‬يؤكد‭ ‬هذا‭ ‬أو‭ ‬ما‭ ‬يبطل‭ ‬هذا،‭ ‬وعلى‭ ‬هذا‭ ‬الأساس‭ ‬يكون‭ ‬الاختيار‭.‬
ثم‭ ‬قال‭: ‬‮«‬ثم‭ ‬إن‭ ‬أكثر‭ ‬التواريخ‭ ‬لهؤلاء‭ ‬عامة‭ ‬المناهج‭ ‬والمسالك‭ ‬لعموم‭ ‬الدولتين‭ ‬في‭ ‬صدر‭ ‬الإسلام‭ ‬في‭ ‬الآفاق‭ ‬والممالك‭ ‬وتناولها‭ ‬البعيد‭ ‬من‭ ‬الغايات‭ ‬في‭ ‬المآخذ‭ ‬والمتارك‮»‬،‭ ‬وفي‭ ‬كتابه‭ ‬إذا‭ ‬قال‭ ‬الدولتين‭ ‬وصدر‭ ‬الإسلام‭ ‬فإنه‭ ‬بذلك‭ ‬يقصد‭ ‬دولة‭ ‬الخلافة‭ ‬الراشدة‭ ‬ثم‭ ‬الدولتين‭ ‬الأموية‭ ‬والعباسية،‭ ‬أما‭ ‬إذا‭ ‬قال‭ ‬الدولتين‭ ‬فقط‭ ‬فهو‭ ‬يقصد‭ ‬الأموية‭ ‬والعباسية‭ ‬فقط،‭ ‬وعندما‭ ‬يقول‭ ‬صدر‭ ‬الإسلام‭ ‬فإنه‭ ‬يقصد‭ ‬الخلافة‭ ‬الراشدة‭ ‬أو‭ ‬الستة‭ ‬الراشدين،‭ ‬بضم‭ ‬الحسن‭ ‬بن‭ ‬علي‭ ‬وعمر‭ ‬بن‭ ‬عبدالعزيز،‭ ‬رضوان‭ ‬اللهم‭ ‬عليهما‭.‬
قال‭: ‬‮«‬ومن‭ ‬هؤلاء‭ ‬من‭ ‬استوعب‭ ‬ما‭ ‬قبل‭ ‬الملة‭ ‬من‭ ‬الدول‭ ‬والأمم‭ ‬والأمر‭ ‬العمم،‭ ‬كالمسعودي‭ ‬ومن‭ ‬نحا‭ ‬منحاه‮»‬،‭ ‬والطبري‭ ‬فعل‭ ‬هذا‭ ‬فبدأ‭ ‬التاريخ‭ ‬ما‭ ‬قبل‭ ‬خلق‭ ‬الكون،‭ ‬وخلق‭ ‬الله‭ ‬الكون‭ ‬والإنسان،‭ ‬قبل‭ ‬الدخول‭ ‬في‭ ‬التاريخ‭ ‬الحقيقي،‭ ‬وكذلك‭ ‬مروج‭ ‬الذهب‭ ‬للمسعودي،‭ ‬الذي‭ ‬يرجع‭ ‬بنا‭ ‬للتاريخ‭ ‬الذي‭ ‬لا‭ ‬أصل‭ ‬له‭ ‬وكذلك‭ ‬التواريخ‭ ‬الأخرى،‭ ‬فابن‭ ‬خلدون‭ ‬يريد‭ ‬أن‭ ‬يقول‭: ‬إن‭ ‬كل‭ ‬من‭ ‬بدأ‭ ‬التاريخ‭ ‬بمثل‭ ‬هذه‭ ‬الأشياء‭ ‬فقد‭ ‬أتى‭ ‬بكلام‭ ‬مرسل‭ ‬لا‭ ‬أصل‭ ‬له‭.‬
قال‭: ‬وجاء‭ ‬من‭ ‬بعدهم‭ ‬من‭ ‬عدل‭ ‬عن‭ ‬الإطلاق‭ ‬إلى‭ ‬التقييد،‭ ‬ووقف‭ ‬في‭ ‬العموم‭ ‬والإحاطة‭ ‬عن‭ ‬الشأو‭ ‬البعيد،‭ ‬فقيد‭ ‬شوارد‭ ‬عصره‭ ‬واستوعب‭ ‬أخبار‭ ‬أفقه‭ ‬وقطره،‭ ‬واقتصر‭ ‬على‭ ‬أحاديث‭ ‬دولته‭ ‬ومصره،‭ ‬كما‭ ‬فعل‭ ‬ابن‭ ‬حيان‭ ‬مؤرخ‭ ‬الأندلس‭ ‬والدولة‭ ‬الأموية‭ ‬بها،‭ ‬وابن‭ ‬الرقيق‭ ‬مؤرخ‭ ‬أفريقية‭ ‬والدولة‭ ‬التي‭ ‬كانت‭ ‬بالقيروان،‭ ‬ثم‭ ‬لم‭ ‬يأت‭ ‬من‭ ‬بعد‭ ‬هؤلاء‭ ‬إلا‭ ‬مقلد‭ ‬وبليد‭ ‬الطبع‭ ‬والعقل‭ ‬أو‭ ‬متبلد‮»‬،‭ ‬والبليد‭ ‬هو‭ ‬الشخص‭ ‬الذي‭ ‬لا‭ ‬يفهم‭ ‬أو‭ ‬متبلد‭ ‬نتيجة‭ ‬ما‭ ‬مر‭ ‬عليه‭ ‬من‭ ‬الأشياء‭ ‬والمحن‭ ‬حتى‭ ‬بلدت‭ ‬عقله‭ ‬وبات‭ ‬لا‭ ‬يستوعب‭.‬
قال‭: ‬‮«‬وبليد‭ ‬الطبع‭ ‬والعقل‭ ‬أو‭ ‬متبلد،‭ ‬ينسج‭ ‬على‭ ‬ذلك‭ ‬المنوال‭ ‬ويحتذي‭ ‬منه‭ ‬بالمثال‭ ‬ويذهل‭ ‬عما‭ ‬أحالته‭ ‬الأيام‭ ‬من‭ ‬الأحوال،‭ ‬واستبدلت‭ ‬به‭ ‬من‭ ‬عوائد‭ ‬الأمم‭ ‬والأجيال‮»‬،‭ ‬والعادات‭ ‬تتغير،‭ ‬والأحوال‭ ‬تتغير،‭ ‬بل‭ ‬استعمال‭ ‬اللفظ‭ ‬العربي‭ ‬الواحد‭ ‬يتغير،‭ ‬الدنيا‭ ‬تتغير‭ ‬ليل‭ ‬نهار؛‭ ‬﴿يُقَلِّبُ اللَّهُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِّأُوْلِي الْأَبْصَارِ﴾‭ (‬النور‭: ‬44‭)‬،‭ ‬وهذا‭ ‬التغيير‭ ‬ينبغي‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬أول‭ ‬ما‭ ‬يلفت‭ ‬نظر‭ ‬المؤرخ،‭ ‬وهذا‭ ‬ما‭ ‬اعتنى‭ ‬به‭ ‬ابن‭ ‬خلدون،‭ ‬ليرصد‭ ‬ما‭ ‬حصل‭ ‬وما‭ ‬تغير‭ ‬من‭ ‬الأحوال‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬لا‭ ‬يلتفت‭ ‬إليه‭ ‬بليد‭ ‬العقل‭ ‬كما‭ ‬قال‭.‬
قال‭: ‬‮«‬واستبدلت‭ ‬به‭ ‬من‭ ‬عوائد‭ ‬الأمم‭ ‬والأجيال،‭ ‬فيجلبون‭ ‬الأخبار‭ ‬عن‭ ‬الدول‭ ‬وحكايات‭ ‬الوقائع‭ ‬في‭ ‬العصور‭ ‬الأول،‭ ‬صوراً‭ ‬قد‭ ‬تجردت‭ ‬من‭ ‬موادها‮»‬،‭ ‬يعني‭ ‬صور‭ ‬تجردت‭ ‬من‭ ‬نتائجها‭ ‬وما‭ ‬جرت‭ ‬بسببها‭ ‬وما‭ ‬جرى‭ ‬عليها،‭ ‬ففلان‭ ‬حكم‭ ‬وكان‭ ‬عادلاً،‭ ‬وفلان‭ ‬حكم‭ ‬وكان‭ ‬ظالماً،‭ ‬لماذا‭ ‬كان‭ ‬عادلاً؟‭ ‬ولماذا‭ ‬كان‭ ‬ظالما؟‭ ‬وأليس‭ ‬هناك‭ ‬واقع‭ ‬في‭ ‬المجتمع‭ ‬أو‭ ‬البيئة‭ ‬التي‭ ‬أحاطت‭ ‬به‭ ‬أو‭ ‬في‭ ‬المستشارين‭ ‬والخلصاء‭ ‬والوزراء‭ ‬جعله‭ ‬ذاك‭ ‬ظالماً‭ ‬وجعل‭ ‬ذلك‭ ‬عدلاً،‭ ‬لا‭ ‬بد‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬هناك‭ ‬شيء،‭ ‬وهذا‭ ‬ما‭ ‬عمل‭ ‬عليه‭ ‬ابن‭ ‬خلدون‭.‬

الرابط المختصر :