العنوان الحكومة اليمنية الجديدة.. مفاجأة لكنها قديمة
الكاتب مالك الحمادي
تاريخ النشر الثلاثاء 27-مايو-1997
مشاهدات 64
نشر في العدد 1251
نشر في الصفحة 30
الثلاثاء 27-مايو-1997
على العكس من السخونة التي اتسمت بها الانتخابات اليمنية الأخيرة فقد جاء التشكيل الحكومي الأخير أقل إثارة لاهتمام الشارع السياسي اليمني والأوساط الشعبية التي يمكن القول إن التجديد الذي كانت تنتظره لم يأت بعد، وهي العقدة، التي صارت التشكيلات الحكومية تمثلها منذ سنوات طويلة.. فالاستمرارية للوجوه الرئيسية في الحكومة، وتنقل الوزراء بين الوزارات وتبادل حقائبها هي الصفة الدائمة في أي تشكيل حكومي.
هذه الاستمرارية النمطية أضعفت كثيرًا من: انتعاشة الأمل التي راودت اليمنيين بعد إعلان تكليف د. فرج بن غانم بتشكيل الحكومة، باعتباره أحد الكفاءات الاقتصادية التي يعولون عليها كثيرًا. وهو يمثل -على الأقل- خروجًا عن القاعدة التي حكمت تشكيل الحكومات اليمنية منذ سنوات وحصرتها في أسماء معدودة فمثلًا.. ظلت رئاسة الوزراء منذ عام ١٩٧٦م تقريبًا محصورة في اسمين فقط في المناطق الشمالية وحتى أبريل الماضي، بينما ظل الرئيس السابق علي ناصر محمد، محتكرًا رئاسة الوزارة في المناطق الجنوبية منذ عام ١٩٧١م حتى ١٩٨٥م عندما تولاها العطاس لمدة سنة واحدة، قبل أن يصير رئيسًا للدولة، ثم عاد رئيسًا للوزراء بعد الوحدة منذ عام ١٩٩٠م، حتى عام ١٩٩٤م، فيما تولى د.ياسين نعمان رئاسة الوزارة في عدن لمدة ٤ سنوات خلفًا للعطاس بعد أحداث يناير ١٩٨٦م الشهيرة.
هذه النمطية في اختيار رؤساء الوزارات، شكلت أحد وجوه أزمة الأداء الوزاري ولذلك جاء تكليف د.فرج بن غانم خروجًا عن القاعدة المعمول بها.. رغم أنه هو نفسه كان وزيرًا معروفًا قبل الوحدة وبعدها، وعمل بعد الحرب سفيرًا في المقر الأوروبي للأمم المتحدة.
التحدي الأول الذي يواجه رئيس الوزراء يتمثل في مدى قدرته على ممارسة صلاحياته في بيئة تعودت ألا يكون المسؤول التنفيذي الأول هو المحرك الحقيقي للأمور.. وفي الواقع إن رئيس الجمهورية يملك . دستوريًا صلاحيات ربما تتداخل في أحيان غير قليلة مع صلاحيات المسؤولين التنفيذيين الآخرين.
الإصلاحات الإدارية :
ولعل أهم مظهر لحقيقة هذا التحدي الذي يواجه رئيس الوزراء اليمني الجديد يتمثل في مدى قدرته على تنفيذ إصلاحات إدارية حقيقية تمس أزمة الفساد المالي والإداري التي صارت حقيقة يعترف بوجودها الجميع، ويعلنون تبرمهم منها، فليس سرًا أن الخطط التي أعلنت خلال السنوات السبع الماضية لتطبيق إصلاحات إدارية ومالية قد اصطدمت بنفوذ المصالح الحزبية والقبلية والمنطقية التي عملت على حماية المنتمين إليها، وإيقاف أي محاولة لإصلاح الأوضاع، كما وافق ذلك الصراع السياسي بين شركاء السلطة في اليمن بعد الوحدة.. مما أوجد قناعة شعبية بأن كل ما يعلن في هذا الإطار هو من قبيل الاستهلاك الدعائي. ومنذ بدء تطبيق برامج الإصلاح الاقتصادي القاسية في ١٩٩٥م. كانت فكرة الإصلاحات الإدارية ومحاربة الفساد، مقترنة بها. لكن الواضح أن هذه الأخيرة كانت تستخدم كوسيلة لإرضاء المواطنين في مقابل تحملهم إجراءات اقتصادية صعبة.
المؤتمر.. وحيدًا:
وللمرة الأولى منذ سنوات، يقوم حزب واحد بتشكيل حكومة يسيطر عليها كلية، بعدما فضل الإسلاميون العودة إلى مقاعد المعارضة محطمين كل التوقعات والاتهامات التي راجت خلال الأسابيع الماضية، وأكدت أنهم عاجزون عن ترك السلطة بعد أن ذاقوها لمدة ٤ سنوات.
الاستثناء الوحيد في تشكيل الوزارة الجديدة كان تعيين القاضي أحمد الشامي وزيرًا للأوقاف والإرشاد واعتبر مراقبون كثيرون بأن هذه هي المفاجأة في الوزارة، فالرجل هو أحد خصوم تيار الإصلاح اللدودين، وهو يمثل مجموعة من علماء المذهب الهادي الزيدي وهو لا يخفي قناعته المستمدة من تراث بعض الخلافات القديمة، وهو جريء في النيل من بعض الصحابة -رضوان الله عليهم- في محاضراته وخطبه.. لذلك يتوقع كثيرون أن يكون وجوده تمهيدًا لفكرة تحجيم ظهور الإسلاميين في المساجد وافتعال مشاكل بين «السنة» و«الشيعة»، تمهد للسيطرة الحكومية على المساجد وتشغل تيار الإصلاح الإسلامي بخصم جديد قديم لكنه هذه المرة مدعوم من الوزارة المسؤولة رسميًا عن المساجد.
ومع أن الصورة العامة لن تكون سيئة.. لكن في واقع وجود تيار سلفي نشيط وشخصية رسمية تختلف معه، فإن هناك مخاوف من أن تظهر مشاكل متعددة في المستقبل القريب.. ولاسيما أن التيارين السلفي والشيعي -بعيدًا عن تيار الإصلاح- يتبادلان العداء في عدد من المناطق الشمالية ولا سيما «سعدة»، التي تعد معقلًا للتيارين معًا، ومن القضايا التي يتوقع أن تكون محل اهتمام شعبي وحكومي قضايا التقسيم الإداري للجمهورية اليمنية وحل مشاكل الحدود المطلقة وقضية «التعليم» وبالنسبة لقضية «الحدود» فالمتوقع أن تنشط لقاءات القمة اليمنية -السعودية للوصول إلى حلللمشكلة، حيث راجت أخبار عن زيارة قريبة للرئيس علي صالح للسعودية لحلحلة الجمود الذي أصاب المباحثات.
تبقى قضية التعليم، وإلغاء المعاهد العلمية الدينية، إحدى أهم نقاط الخلاف المتوقعة بين المعارضة الإسلامية وحكومة المؤتمر الشعبي.. فضخامة المشكلة تتمثل في انتشار هذه المعاهد حتى بلغ عدد طلابها نصف مليون طالب وطالبة. وهي تحظى بدعم شعبي قوي بالتالي فإن أسلوب معالجة المشكلة وطرق إدماجها أو تخفيض أعدادها ومراحلها سيكون هو المحدد لنوعية الواجهة المرتقبة بين الإسلاميين والسلطة.
وليس سرًا أن هناك تيارًا قويًا داخل المؤتمر الشعبي يعد وجود المعاهد العلمية خطرًا عليه. ويطالب بقوة بإلغائها فورًا ودمجها في التعليم العام.... وفي المقابل فإن هناك تيارًا أقل فاعلية يطالب بالاستفادة من التجربة، وإعادة تقويمها بما يتناسب مع تطورات الأوضاع وحاجة الناس.... وهذا التيار الأخير لا يرى ضرورة لتحويل المشكلة إلى حرب صليبية ضد التيار الإسلامي، في حين يمكن الوصول إلى حل متوسط يجعل هذا النوع من التعليم جزءًا من المرحلة الثانوية فقط.
موقف الرئيس اليمني علي صالح بين هذين التيارين داخل حزبه هو الذي سيحسم المشكلة... ففي الأخير يبقى رأيه هو الأهم وموقفه هو الحاسم والأخير. وهذا الأمر يرتبط بحساباته مع التيار الإسلامي وفي مقدمته الشيخ عبد الله بن حسين الأحمر نفسه.
الملاحظة الأخيرة على تشكيل الحكومة اليمنية الجديدة أنها خلت من أي عنصر نسائي رغم كل الإشارات والتصريحات لعدد من قيادات المؤتمر التي أعلنت أن المرأة ستدخل مجلس الوزراء.. صحيح أن الأمر كان محسوبًا من باب المكايدات السياسية مع الإسلاميين. إلا أن عدم دخول امرأة في الحكومة كشف عن أن حزب المؤتمر الحاكم في اليمن عجز عن التخلص من تقليدية كان يتهم بها شركاءه الإسلاميين ويعيرهم بها في الداخل والخارج.