; الحكومة اليمنية: محاولات إغلاق المعاهد العلمية تطغى على الأزمة الاقتصادية | مجلة المجتمع

العنوان الحكومة اليمنية: محاولات إغلاق المعاهد العلمية تطغى على الأزمة الاقتصادية

الكاتب مالك الحمادي

تاريخ النشر الثلاثاء 24-يونيو-1997

مشاهدات 54

نشر في العدد 1255

نشر في الصفحة 24

الثلاثاء 24-يونيو-1997

لاقت عملية منح الثقة للحكومة اليمنية الجديدة صعوبات داخل مجلس النواب اليمني، مع أن الحكومة تنتمي لحزب المؤتمر الشعبي العام الذي يمتلك أغلبية هائلة تمكنه من تمرير كل ما يريد!

 وكانت الحكومة الجديدة التي يترأسها د. فرج غانم قد تقدمت ببرنامجها لنيل ثقة البرلمان وفق الأصول الدستورية، وتم تشكيل لجنة تضم ممثلين عن جميع الكتل السياسية الموجودة في المجلس، مع هيمنة غالبة لحزب المؤتمر الشعبي، لتقديم تقرير عن البرنامج إلى المجلس.... كما جرت العادة طوال السنوات الماضية... وإن كان رئيس الكتلة النيابية لحزب المؤتمر قد طالب بعدم الحاجة لتشكيل اللجنة طالما أن الحكومة هي حكومة أغلبية ساحقة وبرنامجها هو برنامج الحزب المنتصر في الانتخابات.... داعيًا إلى طرح الأمر للتصويت على الفور.

والحقيقة أن البرنامج لم يكن يتضمن نقاطًا يمكن الاختلاف بشأنها بين الأحزاب اليمنية.. باستثناء قضية قانون التعليم الذي يعترض عليه الإسلاميون بقوة ... وهو القانون الذي فرض الحزب الاشتراكي إجازته عام ١٩٩٢م في ذروة قوته ولاقى احتجاجات شعبية قوية قادها الإسلاميون داخل مجلس النواب وخارجه، وشهدت قاعة المجلس - بسببه - أعنف النقاشات... لكن كون الإسلاميين أقلية في تلك الأيام قد أدى إلى إجازة القانون بدعم ساحق من الحزب الاشتراكي... لكن حساسية الوضع السياسي القابل - آنذاك - للانفجار أدى إلى تجميد العمل بعدد من مواد قانون التعليم وخصوصًا تلك المتعلقة بإلغاء المعاهد العلمية و «الدينية».

ومنذ أعلن المؤتمر الشعبي العام في صيف 1995 م هدفه في السيطرة على الحكم بواسطة الفوز بالأغلبية في الانتخابات شن أنصار المؤتمر حملة ضد وجود المعاهد العلمية مطالبين بتطبيق قانون التعليم الصادر عام ١٩٩٢م .. وليس سرًا أن عددًا كبيرًا من قيادات حزب المؤتمر تعتقد أن الإسلاميين يستقرون بهذه المعاهد التي تعد رديفا شعبيًا كبيرًا يمكنهم من تحقيق مكاسب سياسية في الانتخابات.

الجدير بالذكر أن أزمة سياسية نشبت في ديسمبر الماضي بين حزبي المؤتمر والإصلاح - اللذين كانا مؤتلفين في الحكم - بسبب إقدام المؤتمر على خطوة أولى في إلغاء المعاهد العلمية وإلغاء استقلاليتها المادية أثناء إعداد ميزانية العام ۱۹۹۷م. وعلى الرغم من أنه أمكن احتواء الأزمة حينذاك، وفي أثناء مناقشة برنامج الحكومة الجديدة ثارت النقاط الأخرى لأنها كانت تتميز بعمومية لفظية وتعد بحلول للمشاكل التي لا يختلف عليها أحد.

ويبدو أن حوارات جرت في الكواليس أدت إلى أن تعتمد اللجنة ما جاء في برنامج الحكومة دون تعليق أو إضافة... فيما كان عدد من أعضاء المؤتمر يصرون على أن يلزم مجلس النواب الحكومة بأن تلغى المعاهد العلمية مع العام الدراسي الجديد الذي يبدأ في سبتمبر القادم.

هذه الصيغة الوسط التي اتفق عليها الإصلاح والمؤتمر يبدو أنها لم ترض التيار الأكثر عداء للمعاهد داخل حزب المؤتمر ... لكنه أمام ما يبدو أنه إشارة إلى موافقة من الرئيس علي عبدالله صالح، لم يستطع أن يجاهر برفضه ورتب لأن يفجر القضية في مجلس النواب عند بدء مناقشة تقرير اللجنة.

وبالفعل، وفي اليوم المخصص لحضور الحكومة الجديدة إلى مجلس النواب للاستماع إلى التقرير أثار رئيس الكتلة البرلمانية للمؤتمر ضجة كبيرة واتهم اللجنة بتزوير التقرير المتفق عليه!

كان الاتهام الموجه للجنة قاسيًا ... وأثار ردود فعل عنيفة، وأعلن رئيس اللجنة د. عبد الوهاب محمود عضو هيئة رئاسة مجلس النواب – استقالته من رئاسة اللجنة احتجاجًا على تهمة التزوير.

كان واضحًا أن الموقف الذي تبناه رئيس الكتلة البرلمانية للمؤتمر غير عفوي... وأن التيار المعادي للإصلاح داخل حزب المؤتمر هو الذي رتب تفجير الموقف داخل مجلس النواب بعد أن عجز عن عمل شيء داخل اللجنة، حيث التزم ممثلو المؤتمر بتوجيهات الرئيس اليمني فيما يبدو على أرجح الاستنتاجات.

وبالفعل أدت الضجة واللغط الذي ثار في المجلس إلى اشتعال الخلاف حول التقرير، واضطر الشيخ عبد الله بن حسين الأحمر - رئيس المجلس - إلى الطلب من الحكومة بالانصراف من القاعة حتى تتاح الفرصة للنواب المناقشة الموضوع من جديد، وهو ما حدث، حيث تم الاتفاق على إعادة التقرير للجنة لصياغته من جديد وفق آراء النواب وفي اليوم التالي، ثار خلاف جديد هذه المرة بين نواب الإصلاح ونواب المؤتمر بعد  أن اتضح أن التقرير الجديد تبنى وجهة نظر الجناح المتطرف في حزب المؤتمر.

وكان غياب الشيخ الأحمر عن حضور الجلسة مؤشرًا لذلك، حيث انتقل الأمر إلى الكواليس والاجتماعات بين قيادات الحزبين الكبيرين للوصول إلى صيغة مقبولة من الطرفين، وهو ما حدث يوم الخميس قبل الماضي عندما حصلت الحكومة الجديدة على الثقة بعد أن تم إلغاء فكرة التقرير نهائيًا، وطرح برنامج الحكومة للتصويت مباشرة على النواب، وبذلك فشلت خطة الجناح المتطرف داخل المؤتمر في إلزام الحكومة بتوصيات قاطعة من مجلس النواب... لكن هذا الفشل يعد مؤقتًا .... فلا شك أن هذا الجناح لن يستسلم بسهولة.

وفي المقابل، فإن الجناح المعتدل داخل المؤتمر لا يرغب في أن يجعل من هذه القضية وسيلة التفجير الموقف مع الإسلاميين، وخاصة أن اليمن مقبلة على اتخاذ خطوات تحتاج فيها الحكومة إلى تفهم القوى المؤثرة، أو على الأقل حيادها، وفي مقدمة هذه القوى التيار الإسلامي الذي يعد القوة الشعبية الثانية في اليمن، ثم إن التيار المعتدل لا يزال يرى في تيار الإصلاح الإسلامي رديفًا له وحليفًا أثبت صدقه في الأزمات.

بالإضافة إلى كل ذلك، فإن تيار الاعتدال داخل المؤتمر الشعبي يعلم تمامًا أن هذه المعاهد العلمية ذات وجود شعبي ولا سيما في المناطق القبلية، وأن تصفية هذا النمط من التعليم لن يكون مهمة سهلة، وعلاوة على ذلك، فإن هناك أكثر من سبعمائة معهد تشمل كل المراحل الدراسية وبعض كليات المجتمع، وتضم أكثر من ربع مليون طالب .... ومئات من مدارس تحفيظ القرآن المنتشرة في المدن والمناطق... وكل ذلك يكسب هذا النمط التعليمي تعاطفاً شعبيا مع الازدياد المستمر لعدد حفاظ القرآن الكريم بين الشباب والشابات.

ويبدو أن التيار المعتدل داخل المؤتمر يعد لحل وسط لهذه المشكلة، فقد أوضح وزير التربية والتعليم الجديد في لقاء تليفزيوني أن هناك اتجاهًا لإلغاء المعاهد، في مرحلة التعليم الأساسي... وإبقائها في مرحلة التعليم الثانوي كنوع تعليمي تخصصي.

الإسلاميون من جهتهم، أعلنوا مرارًا أن المشكلة الأساسية هي إصلاح «التعليم» بشكل عام، وهو أمر بحاجة إلى مؤتمر تربوي وطني يناقش كل المسائل المتعلقة بالتعليم ومشاكله وقانونه، وبالتالي الخروج بصيغة علمية بدلًا من حملات المكايدة السياسية التي تتعامل مع قضايا التعليم بروح الانتقام والتدمير.

وفي هذا السياق، فإن الإسلاميين يضربون المثل بعدد من الدول العربية التي لا تمنع هذا النمط التعليمي الذي يركز على دراسة علوم اللغة العربية والإسلاميات رغم أن بعض هذه الدول لا يمكن تصنيفها بأنها ذات أنظمة محافظة، ومع ذلك فهي حريصة على استمرار المدارس التي تهتم بهذا النوع من التعليم.

بينما يؤكد أنصار المعاهد العلمية أن تاريخها خلا من أي شائبة وأن الدولة تعلم أن أحدًا من أجيال المعاهد لم يضر أحدًا، في الوقت الذي كان المتمردون والانفصاليون هم من أعتى أعداء المعاهد مع ما سببوه من أضرار لليمن لا يزال يدفعها ثمن حتى الآن.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 3

298

الثلاثاء 31-مارس-1970

مشاريع كثيرة، ولكن !!

نشر في العدد 105

107

الثلاثاء 20-يونيو-1972

الشباب (105)