العنوان العقوبة في الشريعة الإسلامية (الحلقة الأخيرة)
الكاتب د. عبد الكريم زيدان
تاريخ النشر الثلاثاء 28-ديسمبر-1976
مشاهدات 114
نشر في العدد 330
نشر في الصفحة 30
الثلاثاء 28-ديسمبر-1976
▪ ثانيًا- عقوبات القصاص والديات:
٥٧- عقوبة القصاص تجب فيما يتعمده الإنسان من جرائم القتل والجرح وقطع الأطراف.
وهذه العقوبة مقدرة من قبل الشرع نفسه ووجبت، حقًا للمجني عليه أو أوليائه، والديات أوجبها الشرع وقدرها في الجرائم المذكورة إذا وقعت خطأ، أو إذا وقعت عمدًا ولم تتوفر فيها شروط القصاص.
وما يجب في الاعتداء على أعضاء الإنسان أو على جرحه يسمى الأرش باعتبار أن لفظ الدية يطلق على الدية الكاملة التي تجب في الاعتداء على النفس، إلا أن بعض الفقهاء يطلق اسم الدية على ما يجب في الاعتداء على ما دون النفس من جرح أو قطع لبعض الأعضاء.
٥٨- والقصاص هو أن يفعل بالجاني مثل فعله بالمجني عليه كما قلنا من قبل، وحيث إن القصاص وجب حقًا للعبد أي للمجني عليه أو أوليائه، فمن حقهم أن يعفوا عن القصاص عدا الدية أو يعفوا عن القصاص والدية معًا، وإذا عفوا جاز للقاضي أن يعاقب الجاني على وجه التعزير.
٥٩- والدية تتحملها العاقلة في الجرائم التي ذكرناها إذا وقعت خطأ وهذا عند الإمام الشافعي- رحمه الله- وعند غيره من الفقهاء، تفصيل في القدر الذي تتحمله العاقلة، والقدر الذي يتحمله الجاني، والاتفاق حاصل على أن العاقلة تتحمل الدية الكاملة في القتل الخطأ، والعاقلة هم عصبة القاتل أي أقاربه الرجال المتصلين مع الجاني في النسب من جهة الآباء وإن بعدت درجة قرابتهم به.
▪ تقدير عقوبة القصاص والديات:
٦٠- أن عقوبة القصاص لوحظ فيها أصول الجريمة من العدل والمساواة وكفاية الردع والزجر فهي لهذا تحقق الغرض المقصود من العقوبة وتحفظ مصالح الأفراد والمجتمع، بل إن عقوبة القصاص تظهر فيها المساواة والعدالة ظهورًا لا يمكن أن يخفى على أحد، إذ لا يفعل بالجاني إلا مثل فعله هو ولهذا إذا تعذرت المماثلة وتعذر استيفاء المثل سقط القصاص.
ثم أن العقوبة تخيف من يريد الاعتداء على أرواح الناس لأن القصاص ينتظره ولأنه حق أولياء القتيل فلا يملك أحد حتى ولا رئيس الدولة العفو عن القاتل، كما أن هذه العقوبة حسمًا لمادة الإجرام لأن أهل القتيل يمكنون من استيفاء القصاص فلا يتطلعون إلى الثأر وقتل غير الجاني، أو قتل الجاني بأيديهم.
▪ اعتراض ودفعه:
٦١- وقد يعترض البعض على عقوبة القصاص في النفس من جهتين- الأولى- أنه عقوبة قاسية لأنها تقع على جميع القتلة دون نظر إلى أشخاصهم وظروفهم ودوافعهم و- الثانية- اعتبار القصاص حق لأولياء القتيل مع أن القتل يعتبر اعتداء على المجتمع فيجب أن يكون القصاص حقه لا حقهم.
والجواب، أن قسوة القصاص غير واردة لأن الجاني قتل فيقتل فلا يفعل به أكثر من فعله هو بغيره، وأما إهمال شخصية المجرم فقد قلنا أن الشريعة راعت شخصية المجرم بالقدر الذي تستلزمه هذه الرعاية وشخصية المجرم فما دام الجاني بالغًا عاقلًا مختارًا استحق القصاص إذا ارتكب القتل عمدًا عدوانًا لأن حقه في الرعاية يقف عند حد التأكد من بلوغه وعقله واختياره، أما تجاوز هذه الحدود بحجة ملاحظة نفسيته وميوله وتربيته فإن ذلك من شأنه أن يوقعنا في متاهات الأهواء ويجعل الأحكام قلقة غير منظمة ويؤدي إلى إفلات المجرمين من العقاب ويشجع غيرهم على الإجرام وفي هذا ضرر جسيم يجب توقيه بالقصاص الشرعي.
أما اعتبار القصاص من حق أولياء القتيل لا من حق المجتمع فهذا من حسنات تشريع هذه العقوبة لا من مثالبها، لأن الجريمة تمس القتيل وأهله مباشرة فهم الذين اكتووا بنارها وفقدوا بها عزيزهم، أما تضرر المجتمع فيأتي بصورة غير مباشرة، فمن العدل وإطفاء نار الغضب في نفوسهم تمكينهم من القصاص فإن شاءوا اقتصوا وهذا، مقتضى العدل وإن شاءوا عفوا وهذا مقتضى الفصل وفي الحالتين يقف الأجرام ولا يمتد وتقلع جذوره ولا يمتد إلى الأبرياء ولقد قلنا إن أولياء القتيل إذا عفوا عن الجاني فللقاضي أن يعاقبه بعقوبة تعزيرية.
▪ اعتراض آخر ودفعه:
٦٢- وقد يعترض على عقوبة القصاص فيما دون النفس أي الجروح وقطع الأطراف، وهذا الاعتراض كسابقه مدفوع لأن علة القصاص في النفس وفيما دون النفس واحدة وهي كفاية الردع والزجر بالقصاص مع قيامه على العدل والمساواة، كما أن الجرح أو القطع قد يؤديان إلى إزهاق روح المجني عليه، فإذا وجب القصاص في النفس فيجب أن يجري القصاص فيما دونها.
▪ اعتراض على الدية ودفعه:
٦٣- ويعترض البعض على الدية بأن العاقلة تحملها وهي لم ترتكب جرمًا وهذا خلاف ما تقتضي به خصيصة شخصية العقوبة. وهذا الاعتراض مدفوع بما أجبنا عليه عند كلامنا على شخصية العقوبة، وخلاصة ما قلناه هناك أن إيجاب الدية على العاقلة ليس من باب العقوبة وإنما من باب المعاونة والمواساة، وأن من حق الشرع أن يوجب المواساة في بعض الحالات كما في إيجاب النفقة بين الأقارب.
▪ ثالثًا: عقوبة التعزير:
٦٤- التعزير في اللغة التأديب، وفي الشرع تأديب على معاص لم تشرع فيها عقوبات مقدرة، فالجرائم التي يجب فيها التعزير هي المحظورات الشرعية التي ليس لها عقوبة مقدرة من قبل الشرع الإسلامي، مثل الخلوة بالأجنبية وأكل الربا ومال اليتيم وخيانة الأمانة وأكل الميتة والقذف بغير الزنا، وشهادة الزور والرشوة وغير ذلك من فعل ما حرمته الشريعة أو ترك ما أوجبته.
▪ أنواع التعزير:
٦٥- التعزير يكون بكل ما فيه إيلام من قول أو فعل أو ترك فقد يعزر الشخص بوعظه أو توبيخه والإغلاظ له، وقد يعزر بهجره وترك السلام عليه حتى يتوب أو يقلع عن معصيته كما هجر النبي- صلى الله عليه وسلم- وأصحابه الثلاثة الذين خلفوا وهم الذين تخلفوا عن الجهاد في غزوة تبوك.
وقد يكون التعزير بالعزل من الوظيفة كما كان النبي- صلى الله عليه وسلم- يعزر بذلك، وقد يكون التعزير بالنفي عن البلد الذي يقيم فيه الشخص، أو بحلق رأسه، وقد يكون التعزير بالضرب والجلد والحبس وبتسويد الوجه.
وقد يكون بالعقوبات المالية كما دلت على ذلك سنة النبي- صلى الله عليه وسلم- فقد أمر- عليه الصلاة والسلام- بكسر دنان الخمر وشق ظروفه وأمر أصحابه يوم خيبر بإكفاء القدور التي طبخت فيها لحوم الحمر وإتلاف اللحم وقد يكون التعزير بهدم المكان كما في هدمه- صلى الله عليه وسلم- لمسجد الضرار، وكما في أمر عمر بن الخطاب- رضي الله عنه- بتحريق المكان الذي يباع فيه الخمر، وكما في أخذ الإمام شطر مال مانع الزكاة، وكما في إراقة عمر- رضي الله عنه- اللبن المشوب بالماء المعد للبيع.
▪ أكثر التعزير:
٦٦- القول الراجح في أكثر التعزير أنه ينظر إن كان التعزير فيما في جنسه مقدار معين فيجب ألا يبلغ التعزير فيه ذلك المقدار وإن زاد على حد جنس آخر، مثل التعزير على سرقة ما دون النصاب لا يبلغ التعزير في هذه السرقة قطع اليد وإن جاز ضرب السارق هنا أكثر من حد القذف، والتعزير على فعل دون الزنا لا يبلغ به حد الزنا وإن جاز ضربه أكثر من حد القذف.
▪ التعزير بالقتل:
٦٧- وهل يجوز التعزير بالقتل؟.. ذهب الإمام مالك- رحمه الله- إلى الجواز، ووافقه على ذلك طائفة من أصحاب أحمد بن حنبل- رحمه الله- والإمام الشافعي- رحمه الله- من حيث الجملة وإن اختلفوا في بعض الجزئيات فعندهم مثلًا يجوز قتل الداعية إلى البدع المخالفة للقرآن والسنة، أما قتل الجاسوس المسلم، فقد أجازه الإمام مالك وبعض الحنابلة ومنعه الإمام الشافعي وأبو حنيفة- رحمه الله- يجيز التعزير بالقتل ويسميه الحنفية- القتل السياسي-.
٦٨- والصحيح- إن شاء الله- تعالى، جواز القتل على وجه التعزير كلما كان ذلك ضروريًا وتقتضيه المصلحة، وعلى هذا تدل السنة النبوية المطهرة، فقد جاء في الحديث الشريف: (من أتاكم وأمركم جميع على رجل واحد يريد أن يشق عصاكم أو يفرق جماعتكم فاقتلوه)، وهذا الحديث يدل على أن من لم يندفع فساده في الأرض إلا بقتله جاز قتله وفي حديث آخر، وقد سئل النبي- صلى الله عليه وسلم- عمن لم ينته عن شرب الخمر فقال- صلى الله عليه وسلم- (من لم ينته عنها فاقتلوه)، وهذا يدل أيضًا على جواز التعزير بالقتل.
▪ سلطة القاضي في التعزير:
٧٠- وما قدمناه يوضح لنا أن للقاضي سلطانًا واسعًا في التعزير، فهو الذي يختار العقوبة الملائمة للجريمة من جرائم التعزير، وهو في اختياره هذا لا يخرج عن العقوبات التعزيرية التي نصت عليها الشريعة ابتداء من التوبيخ وانتهاء بالقتل، كما أنه هو الذي يحدد مقدار العقوبة التي اختارها، فإذا اختار الجلد مثلًا فهو الذي يحدد مقدار الجلد ولكن القاضي في اختياره نوع العقوبة التعزيرية وتحديد مقدارها لا يصدر عن هوى ولا عن إرادة الانتقام ولا يخبط خبط عشواء، وإنما يباشر سلطانه في تقدير عقوبات التعزير في ضوء ضوابط معينة منها ملاحظة جسامة الجريمة ومدى ضررها وظروفها وحالة الجاني من كونه من ذوي المروءات أو من ذوي السوابق في الإجرام، كما يلاحظ مدى تهافت الناس على هذه الجريمة ما به يتم انزجار الجاني وردع الآخرين، فإذا كانت الجريمة مما يكثر وقوعها في الناس زاد القاضي في عقوبة التعزير، وكذلك إذا كان الجاني حسن السيرة وأنه ارتكب هذه الجريمة لأول مرة فإن عقوبته أخف من عقوبة العائد فيها وهكذا.
ومعنى ذلك كله أن شخصية الجاني في جرائم التعازير لها اعتبار كبير عند تقدير العقوبة المناسبة لجريمته.
▪ أهمية نظام التعزير في الوقت الحاضر
٧١- إن نظام التعزير يشمل معظم الجرائم لأن الشريعة الإسلامية لم تقدر العقوبات إلا لجرائم الحدود والقصاص والديات وهي قليلة بالنسبة لجرائم التعزير، وفوضت لولاة الأمور ومنهم القضاة تقدير العقوبات التعزيرية في ضوء قواعد الشريعة ومبادئها والعقوبات التي نصت على أنواعها، ولا شك في أن هذا النظام فيه قابلية كبيرة جدًا لمواجهة جميع الجرائم التي لم تقدر الشريعة عقوباتها، فكل الأفعال المخالفة للشريعة يلحقها التعزير وكذلك كل الأفعال الضارة بالجماعة ضررًا محققًا حسب موازين الشريعة يلحقها التعزير وإن كان بعض هذه الأفعال الضارة في أصلها مباحة ولكنها أصبحت ضارة بالنسبة لزمان معين ومكان معين، لأن الضرر مدفوع في الشريعة ومنهي عنه لأنه من الظلم والظلم محرم، فإذا صار الفعل المباح ضارًا لسبب من الأسباب كان منهيًا عنه في الشريعة ووجب تركه ومعاقبة فاعله تعزيرًا.
قال- صلى الله عليه وسلم- «لا ضرر ولا ضرار» ولكن يجب أن يكون التعزير بقدر ما يستحقه من التعسف والظلم، لأن ظلم الظالم حرام وأن يوزن ضرر الفعل بميزان الشرع لا بالأهواء والخيالات الفاسدة والله يقول الحق ويهدينا سواء السبيل وهو حسبنا ونعم الوكيل وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين والحمد لله رب العالمين.
- انتهى
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل