; العقوبة في الشريعة الإسلامية (الحلقة الثانية) | مجلة المجتمع

العنوان العقوبة في الشريعة الإسلامية (الحلقة الثانية)

الكاتب د. عبد الكريم زيدان

تاريخ النشر السبت 20-نوفمبر-1976

مشاهدات 682

نشر في العدد 327

نشر في الصفحة 26

السبت 20-نوفمبر-1976

«٤» خصائص العقوبة الشرعية

۲۰- يقول الفقهاء في تعريف الجريمة في الشريعة الإسلامية «إنها محظورات شرعية زجر الله عنها بحد أو تعزير»، والمحظورات الشرعية هي ما نهى الشرع الإسلامي عن فعله أو تركه، أي هي ترك واجب أو فعل محرم، فلا بد إذن لاعتبار الفعل أو الترك جريمة أن تكون الشريعة الإسلامية اعتبرته محظورًا أي جريمة وكذلك العقوبة يجب أن يكون مصدرها الشريعة الإسلامية أي هي التي قررت العقوبة لهذه الجريمة وتقرير العقوبات في الشريعة الإسلامية جاء على نوعين: «الأول» عقوبات

مقدرة من قبلها ابتداء وهي عقوبات الحدود والقصاص والديات «الثاني» عقوبات فوضت تقديرها إلى القاضي بعد أن بينت أنواعها فالقاضي هو الذي يختار العقوبة الملائمة من هذه الأنواع ويحدد مقدارها. وهذه هي عقوبات التعزير. فالشريعة مثلًا بينت من أنواع التعزير الجلد. والحبس. والتوبيخ. فللقاضي أن يختار نوعًا من هذه العقوبات كالجلد مثلًا وأن يحدد مقداره بعشر جلدات مثلًا أو أقل أو أكثر. واختيار القاضي لنوع العقوبة وتحديد مقدارها لا يكون عن هوى وإنما وفق ضوابط معينة يجب مراعاتها كما سنذكره فيما بعد. ومن الواضح، إذن، أن عقوبة التعزير مصدرها الشريعة الإسلامية، وإن فوضت تعيين نوعها ومقدارها إلى القاضي أو ولي الأمر. وبناء على خصيصة شرعية العقوبة لا يجوز فرض أي عقوبة لم ترد في الشريعة الإسلامية على النحو الذي بيناه. فشرعية العقوبة هي الخصيصة الأولى للعقوبات في الشريعة الإسلامية.

 ۲۱ - والخصيصة الثانية للعقوبة في الإسلام، شخصية العقوبة، ومعناها أن العقوبة لا تصيب إلا من ارتكب موجبها أي الجريمة، والأصل في ذلك قوله تعالى ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ.(سورة فاطر:18) وقوله تعالى﴿مَّنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ ۖ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا (سورة فصلت:46)

وفي الحديث الشريف عن النبي صلى الله عليه وسلم «لا يؤخذ الرجل بجريرة أبيه ولا بجريرة أخيه»

والواقع أن شخصية العقوبة مما يقضي به العدل، فمن الظلم أن يؤخذ القريب بجريمة قريبه والصديق بجريمة صديقه، وقد كان المشركون الأولون يقاتلون النبي صلى الله عليه وسلم ولم يؤاخذ أقرباؤهم المسلمين بإجرامهم. ولا يخدش هذه الخصيصة أو يناقضها فرض الدية في القتل الخطأ على عائلة الجاني. فإن إيجاب الدية عليها ليس من قبيل سحب العقوبة من الجاني إليها ولا من قبيل إشراكها في عقوبة الدية، وإنما هو إيجاب الدية عليها من قبيل المواساة والمعونة ولأن المخطئ من حقه أن يعاون وأولى الناس بعونه أقرباؤه. 

ولا يقال إن المعونة والمواساة لا تكونان واجبة، وحيث أن الدية واجبة على العاقلة فلا تكون من قبيل المواساة؟ وإنما هي من قبيل سحب العقوبة على غير مرتكبها وهذا يناقض شخصية العقوبة، لا يقال هذا لأن المواساة قد يأتي الشرع بإيجابها دون ذنب صادر ممن وجبت عليه، كما في إيجاب النفقة على الغني لقريبه الفقير المحتاج، فالنفقة أساسها المعونة والمواساة والشرع أوجبها على الغني لقريبه المحتاج حتى إنه إذا رفض تقديمها اختيارًا ألزم بها أمام القضاء.

 ثم يقال أيضًا في إيجاب الدية على العاقلة هي من باب قاعدة الغرم بالغنم، فأفراد العاقلة يتوارثون فيما بينهم، والإرث غنم، فليتحملوا الدية فيما بينهم وهي غرم. على أن بعض الفقهاء يذهب في توجيه فرض الدية على العاقلة إلى توجیه آخر خلاصته أن من واجب العاقلة، أي العصبة، أن تراقب أفرادها لئلا يقعوا في الرعونة والإهمال فيرتكبوا الجرائم فإذا أرتكب أحد أفرادها جريمة القتل الخطأ فهذا يعني أن العاقلة قصرت في واجب الرعاية والرقابة نحو هذا الجاني فوقع في الرعونة والإهمال وعدم التبصير فارتكب جريمة القتل الخطأ، ولتقصير العاقلة في واجب الرقابة على الجاني وجبت عليها الدية معه، وبأي التوجيهين أخذنا فإن إيجاب الدية على العاقلة لا يناقض خصيصة شخصية العقوبة.

 ۲۲- والخصيصة الثالثة للعقوبة في الإسلام هي عموم العقوبة. ونعني بذلك أن العقوبات في الشريعة الإسلامية تطبق على الجميع ما داموا قد ارتكبوها، لا فرق بين الحاكم والمحكوم، والشريف والوضيع، والغني والفقير، والرجل والمرأة، والقوي والضعيف، وقد نهت الشريعة الإسلامية عن المحاباة في إنزال العقوبات الشرعية بمرتكبيها، وبينت أن عدم المساواة أمام القانون العقابي سبب لهلاك الأمة، جاء في الحديث الشريف عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال «إنما أهلك الذين من قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد، وأيم الله لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها».

والواقع أن المساواة بين الناس في إقامة العقوبات الشرعية خير رادع للأقوياء الذين قد تسول لهم قوتهم الإجرام لما يظنونه أو يرجونه من محاباة لهم بسبب قوتهم فيفلتون من العقاب لأنهم إذا رأوا هذه المساواة الصارمة في العقاب خنسوا ولم تعد توسوس لهم أنفسهم بهذا الوسواس الباطل لأن قوتهم مهما عظمت لا تخلصهم من العقاب لأن قوة الدولة أكبر من قوتهم، وبهذا يطمئن الضعيف ويأمن على نفسه وماله وعرضه من اعتداء الأقوياء لأنه أقوى من أي فرد قوي لأن الدولة معه.

 ولما كانت المساواة واجبة أمام القانون والعقوبات تطبق على الجميع، فإن الشريعة الإسلامية نهت عن الحيلولة دون إنزال العقاب بمستحقه عن طريق الشفاعة وغيرها، قال تعالى ﴿مَّن يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُن لَّهُ نَصِيبٌ مِّنْهَا ۖ وَمَن يَشْفَعْ شَفَاعَةً سَيِّئَةً يَكُن لَّهُ كِفْلٌ مِّنْهَا (سورة النساء:86) ولا شك أن من يشفع لإسقاط العقوبة عن المجرم يشفع شفاعة سيئة. وفي الحديث الشريف عن النبي صلى الله عليه وسلم «من حالت شفاعته دون حد من حدود الله فقد ضاد الله في أمره وكما لا يجوز الشفاعة السيئة لإسقاط العقوبة الشرعية لا يجوز أيضًا لولي الأمر أن يأخذ من المجرم مالًا لتعطيل العقوبة أو للسماح له بإجرامه ومخالفته للشرع سواء كان هذا المال لبيت المال أو لغيره لأنه مال خبيث وسحت.

۲۳ - ومع أن ما قلناه هو المقرر في الشريعة ، إلا أن هناك خلافًا في إقامة الحدود على الإمام أي رئيس الدولة، وخلافًا آخر في مدى سريان عموم العقوبة الإسلامية من حيث المكان.

والخلاف في المسألة الأولى أي في إقامة الحدود على رئيس الدولة ليس مرده عدم المساواة أمام العقوبات الشرعية وإنما مرده شيء آخر، وتفصيل المسألة أن الحنفية لا يرون إقامة الحدود على رئيس الدولة خلافًا لرأي الجمهور الذين يرون إقامتها عليه، وحجة الأحناف رحمهم الله تعالى عدم إمكان تنفيذ الحد عليه لأنه هو الذي يقيم الحدود ومن المتعذر أن يقيم الحد على نفسه.

 لأن إقامة الحد يكون بطريق الخزي والنكال ولا يفعل ذلك أحد بنفسه.

وإذا امتنع الواجب وهو العقاب لم يعد واجبًا.

 أما غير الإمام الأعظم كالولاة والأمراء فلا خلاف في وجوب إقامة الحد عليهم إذا فعلوا ما يوجبه ونظر الجمهور في مساواة الإمام للرعية في إقامة الحد عليه هو النظر الأرجح والذي ينبغي المسير إليه - فقد كان الرسول صلى الله عليه وسلم يدعو الناس إلى الاقتصاص منه إذا كان قد صدر منه صلى الله عليه وسلم ما يستوجب القصاص، والحدود وهي حقوق الله أولى بالرعاية لأن في رعايتها إصلاح المجتمع وقطع دابر الفساد. ومما يؤيد نظر الجمهور أن نصوص العقوبات في الشريعة جاءت عامة فتشمل الحاكم والمحكوم وأن الجرائم محرمة على الكافة بما فيهم الإمام نفسه. فيصيبه ما يصيب غيره إذا ارتكب موجبها، أما مسألة تنفيذ العقوبة على الإمام فعند الجمهور تنفذ عليه من قبل نوابه لأن التنفيذ له ولهم. 

٢٤- أما مسألة عموم العقوبات الإسلامية من ناحية المكان فهذا العموم قاصر على دار الإسلام فتطبق على جميع من في هذه الدار وإن كانت هذه العقوبات في أصل تشريعها للناس أجمعين لأن الشريعة

الإسلامية شريعة عالمية في أصلها، ولكن لعدم ولاية دار الإسلام على غيرها من بقاع الأرض اقتصر تطبيقها على هذه الدار دون غيرها، وفي هذا المعنى قال الإمام أبو يوسف رحمه الله تعالى «ولأن الأصل في الشريعة هو العموم في حق الناس كافة إلا أنه تعذر تنفيذها في دار الحرب لعدم الولاية وأمكن في دار الإسلام فلزم التنفيذ فيها».

 وعلى هذا فالعقوبات الشرعية تطبق على جميع الجرائم التي تقع في دار الإسلام بغض النظر عن جنسية مرتكبيها أو ديانتهم فتطبق على المسلمين والذميين والمستأمنين وهذه هي القاعدة العامة لعموم الولاية ولأن المسلم بإسلامه ألتزم أحكام الإسلام، والذي بعقد الذمة ألتزم هذه الأحكام وكذا المستأمن بدخوله دار الإسلام مستأمنا ألتزم بها مدة إقامته فيها أو ألزم بهذه الأحكام بدون التزامه لإمكان التنفيذ وعموم ولاية دار الإسلام على إقليمها. ومع أن القاعدة العامة هي ما ذكرناه إلا أن في بعض جزئياتها اختلافًا قليلًا بين الفقهاء بالنسبة للذميين، واختلافًا أكبر بالنسبة للمستأمنين، فأبو حنيفة رحمه الله تعالى وصاحبه محمد رحمة الله لا يريان إقامة الحدود التي هي محض حق الله تعالى على المستأمن فيعاقب تعزيرًا، خلافًا لرأي الجمهور الذين يرون إقامة الحد عليه كما أن جمهور الفقهاء استثنوا الذمي والمستأمن من عقوبة شرب الخمر لأن غير المسلم لا يدين بحرمتها خلافًا للظاهرية إذ عندهم يعاقب شارب الخمر مسلمًا كان أو غیر مسلم.

5- أنواع العقوبة

٢- للعقوبة في الشريعة الإسلامية تقسيمات متعددة بالنظر إلى اعتبارات مختلفة. فالعقوبة أما أصلية وأما بدلية وأما تبعية وأما تكميلية، فالأصلية هي المقررة للجريمة كقطع اليد في السرقة. والبدلية هي التي تكون بدلًا عن العقوبة الأصلية إذا أمتنع تطبيقها لمانع شرعي فالتعزير إذا امتنع قطع اليد في السرقة لعدم توافر شروط القطع. والتبعية هي التي تصيب الجاني تبعًا للحكم عليه بالعقوبة الأصلية كحرمان القاتل من الميراث إذا حكم عليه بعقوبة القتل، والتكميلية مثل الحكم على السارق بعد قطع يده بتعليق يده على رقبته لفترة معينة.

٢٦- والتقسيم الثاني للعقوبة من حيث تقديرها وعدم تقديرها، فالعقوبة المقدرة هي التي حدد الشرع الإسلامي نوعها ومقدراها ولا يجوز للقاضي أن يحكم بغيرها. مثل عقوبة الجلد في جريمة الزنا. وغير المقدرة هي التي أعطت الشريعة للقاضي السلطة في تقدير العقوبة بعد اختيار نوعها كما في عقوبات التعازير.

27- والتقسيم الثالث للعقوبة من حيث المحل الذي تصيبه وهي على هذا الأساس أما عقوبة بدنية تصيب مال جسم الجاني كالجلد، وأما عقوبة نفسية تقع على نفسه وتسبب له ألما نفسيًا كالتوبيخ وإما مالية تصيب الجاني كالدية، وإما مقيدة لحريته كالحبس.

28- والتقسيم الرابع للعقوبة من حيث الجرائم التي فرضت عليها وهي بهذا الاعتبار عقوبة الحدود وعقوبات القصاص والديات وعقوبات التعازير. فالأولى هي المفروضة على جرائم الحدود كالزنا والسرقة، والثانية فرضت على جرائم القصاص والديات كالقتل والجرح والثالثة فرضت على جرائم التعازير مثل جريمة أكل الربا، ويمكن إضافة عقوبات الكفارات إلى هذا التقسيم باعتبارها مفروضة على بعض جرائم التعزير والقصاص والديات.. وهذا التقسيم هو الذي نتكلم عنه عدا عقوبات الكفارات، لأن هذا التقسيم أهم تقسيمات العقوبة.

أولًا: عقوبات الحدود:

٢٩- الحد في اللغة المنع وفي الاصطلاح الشرعي عقوبة مقدرة من قبل الشرع وجبت حقًا لله تعالى، ومعنى أنها وجبت حقًا لله تعالى أي أن هذه العقوبة وجبت لصالح العامة ويدفع الضرر عنهم، فكل جريمة يرجع فسادها وضررها إلى العامة ومنفعة عقوبتها تعود إليهم يسمى العقاب المقرر لها حقًا لله تعالى لتعلق حق العامة به، كما أن هذه النسبة لله تعالى تعني أهمية هذه العقوبة وإنها لا تسقط بالإسقاط من أحد.

وعلى هذا الاصطلاح لا يسمى القصاص حدًا لأن حق العبد فيه هو الغالب وإن كان القصاص مقدرًا من قبل الشرع، وكذلك يسمى التعزير حقًا لعدم تقديره. ومعنى الحد اصطلاحًا كما بيناه هو ما عليه جمهور الفقهاء، وعند بعضهم الحد هو العقوبة المقدرة شرعًا وإن لم تجب حقًا لله تعالى وعلى هذا الاصطلاح يكون القصاص والديات من الحدود لأن كلا منها عقوبة مقدرة من قبل الشرع وإن وجبت حقًا للعبد. 

والحدود، على اصطلاح الجمهور، هي العقوبات المقررة من قبل الشرع لجرائم محدودة هي الزنا والقذف وشرب الخمر والسرقة وقطع الطريق «الحرابة» والبغي والردة.

أولًا: عقوبة الزنا:

٣٠- وعقوبة الزنا هي الجلد والتغريب والرجم، أما الجلد فثبت بقوله تعالى ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ.. (سورة النور:2) وأما التغريب فقد ثبت بقوله صلى الله عليه وسلم «البكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام» ومعنى التغريب نفي الزاني عن البلد الذي زني فيه إلى بلد آخر مدة سنة.

وأما الرجم، ومعناه أن يرجم الزاني بالحجارة أو ما يقوم مقامها حتى الموت. وقد ثبت بالسنة النبوية المطهرة فقد رجم النبي صلى الله عليه وسلم ماعز بن مالك الأسلمي ورجم الفامدية، وأجمع على مشروعية الرجم الصحابة والمسلمون من بعدهم.

 والرجم لا يجب إلا على الزاني المحصن، وللإحصان شروط منها الوطء في نكاح صحيح أي أن يكون الزاني متزوجًا زواجًا صحيحًا ودخل بزوجته، وأن يكون الزاني بالغًا عاقلًا.

أما الزاني غير المحصن فعقوبته الجلد مائة جلدة وتغريب عام.

۳۱- واللواط يدخل في مفهوم الزني عند الجمهور فيجب فيه ما يجب في الزنا. وقال أبو حنيفة رحمه الله لا يدخل في مفهوم الزنا ولا يوجب الحد وإنما في العقوبة التعزيرية وقول الجمهور هو الراجح لأن الثابت عن الصحابة الكرام اتفاقهم على قتل من يرتكب اللواط وقتل المفعول به وقد ورد في حديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال «من وجدتموه يعمل عمل قوم لوط فاقتلوا الفاعل والمفعول به» ولكن يبدو أن قتل اللوطي والمفعول به لا يشترط فيه الإحصان فيقتلان سواء كانا محصنين أو غير محصنين لأن الحديث الشريف لم يقيد قتلهما بالإحصان، ولأن المنقول عن الصحابة الكرام قتلهما أيضًا بدون قيد الإحصان.

وعلى هذا فإن اللواط وان اعتبر داخلًا في مفهوم الزنا إلا أن عقوبته القتل دائمًا.

ثانيًا: عقوبة القذف:

۳۲- القذف في اللغة الرمي، وفي الشرع الرمي بالزنا أي نسبة الشخص إلى الزنا بشروط معينة وهو محرم بنص القرآن وعقوبته الجلد قال تعالى ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا ۚ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِن بَعْدِ ذَٰلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ (سورة النور:4-5).

 والنص وإن ورد في قذف المحصنات ولكن حكمه يتعدى إلى المحصنين أيضًا وعليه الإجماع وترد شهادة المحدود بالقذف إلا إذا تاب فيجوز قبول شهادته عند الإمام مالك والشافعية والحنابلة ومن وافقهم ولا تجوز عند أبي حنيفة وإن تاب.

 

33- وإذا قذف الزوج زوجته وطلبت الزوجة إقامة الحد عليه فعلى الزوج أن يلاعن على النحو الذي ورد في القرآن والسنة المطهرة وفصله الفقهاء.

ثالثًا: عقوبة شرب الخمر:

٣٤- والخمر كل مسكر من أي أصل كان سواء كان من العنب أو غيره فقد تواترت السنة عن النبي صلى الله عليه وسلم وتواترت الأخبار عن الصحابة الكرام، إن كل مسكر خمر، فقد جاء في الحديث الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال «كل مسكر خمر وكل خمر حرام» وقال صلى الله عليه وسلم ما أسكر كثيره فقليله حرام، والحشيشة ونحوها مما يسكر يدخل في مفهوم الخمر ويعاقب متعاطيها. 

وحد الشرب هو الجلد، فقد جاء في الحديث الشريف «من شرب الخمر فاجلدوه ثم إن شرب الخمر فاجلدوه ثم إن شرب فاجلدوه ثم إن شرب الرابعة فاقتلوه» والقتل في هذا الحديث منسوخ عند أكثر العلماء، وعند بعضهم محكم غير منسوخ ويفعله الإمام عند الحاجة على وجه التعزير.

 ومقدار الجلد الذي فعله النبي صلى الله عليه وسلم هو أربعون جلدة وكذا فعل أبو بكر رضي الله عنه، ولكن عمر بن الخطاب رضي الله عنه ضرب فيه ثمانين جلدة، فمن العلماء من قال يجب ضربه الثمانين فهذا هو حد الشرب اتباعا لفعل عمر رضي الله عنه الذي لم ينقل فيه خلاف عن أحد، ومنهم من قال الحد هو أربعون جلدة والزيادة عليه يفعلها الإمام عند الحاجة على وجه التعزير كما لو أدمن الناس على شرب الخمر أو كان الشارب ممن لا تردعه الأربعون.

رابعًا: عقوبة السرقة:

٣٥- السرقة في الاصطلاح الشرعي، كما عرفها الحنفية، «أخذ مال الغير على سبيل الخفية نصابًا محرزًا للتمول غير متسارع إليه الفساد من تأويل ولا شبهة» وحد السرقة قطع يد السارق قال سبحانه وتعالى ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِّنَ اللَّهِ ۗ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (سورة المائدة:38) والقطع لليد اليمني ومن الرسغ كما ثبت في ذلك السنة النبوية، ولا قطع على المنتهب والمختلس والخائن فقد جاء في الحديث الشريف «ليس على المنتهب ولا على المختلس ولا على الخائن قطع» فيجب على هؤلاء التعزير كما يجب التعزير عند توافر شروط السرقة كما لو كان المال المسروق أقل من النصاب الشرعي.

 خامسًا: عقوبة الحرابة «قطع الطريق»:

36- وجريمة الحرابة تعني الخروج على المارة وأخذ المال مجاهرة بالقوة والقهر على وجه يمتنع الناس عن المرور وينقطع الطريق سواء أكان مرتكب هذه الجريمة فردًا أو جماعة بسلاح أم بغيره في العمران أو خارجه أي في داخل المدن والقري أو خارجها. وعقوبة هذه الجريمة هي ما ورد في قوله سبحانه وتعالى ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَن يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم مِّنْ خِلَافٍ أَوْ يُنفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ۚ ذَٰلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا ۖ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِن قَبْلِ أَن تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ ۖ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ (سورة المائدة:33-34)

 فعقوبة قاطع الطريق بناء على هذه الآية وما فهمه الفقهاء منها أن يقتل ويصلب قاطع الطريق إذا قتل وأخذ المال. ويقتل بلا صلب إذا قتل ولم يأخذ مالًا. وتقطع يده ورجله من خلاف إذا أخذ المال ولم يقتل. وينفى من الأرض إذا أخاف السبيل فقط فلم يقتل ولم يأخذ مالًا وعند المالكية إذا أخذ قاطع الطريق المال ولم يقتل كان الإمام مخيرًا فيه بين القتل والصلب والقطع من خلاف، وإذا أخاف السبيل فقط فلم يقتل ولم يأخذ مالًا كان الإمام مخيرًا فيه بين القتل والصلب والقطع من خلاف والنفي.

 والمراد بالنفي الذي ورد في الآية الكريمة هو حبس الجاني في غير بلده وهذا أولى ما قيل في معناه. والمراد من القطع من خلاف هو أن تقطع يده اليمنى ورجله اليسرى.

 والرديء والمباشر سواء في هذه العقوبة لأن المباشر إنما تمكن من جريمته بقوة الرديء ومعونته. وعلى هذا إذا باشر القتل واحد من قطاع الطريق وكان الباقون أعوانا ردءًا له فالجمهور على أن يقتلوا جميعًا ولو كانوا مائة. وهذا هو المأثور عن الخلفاء الراشدين فان عمر رضي الله عنه قتل ربيئة للمحاربين..

سادسًا: عقوبة البغي:

7- البغي خروج جماعة ذات قوة على الإمام بتأويل سائغ وعقوبة البغاة قتالهم إذا أظهروا العصيان للإمام وامتنعوا عن أداء ما عليهم من حقوق وجاهروا بذلك وتهيأوا للقتال سواء نصبوا عليهم أماما أو لم ينصبوا. ويرى الأحناف قتالهم وإن لم يبدأوا بالقتال فعلًا محتجين بأن تجمعهم واستعدادهم للقتال دليل على قصدهم السيء وعزمهم على مباشرة القتال فينبغي أن يقاتلهم الإمام قبل أن يستفحل شرهم ويصعب القضاء عليهم، وينبغي للإمام أن ينذرهم قبل قتالهم فإذا رجع البغاة إلى الطاعة ولزوم الجماعة لم يجز قتالهم، أما إذا لم يستجيبوا فإن الإمام يقاتلهم لقوله تعالى ﴿فَإِن بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَىٰ فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّىٰ تَفِيءَ إِلَىٰ أَمْرِ اللَّهِ. (سورة الحجرات:9) وقتال البغاة، عقوبة لهم، نعني إباحة دمائهم وأموالهم بالقدر الذي يستدعيه ردعهم والتغلب عليهم فاذا كفوا عن القتال وجب الكف عن قتالهم ولكن للإمام أن يعزرهم على بغيهم.

 ويلاحظ هنا أن قتال الإمام للبغاة في الواقع، لا يعتبر عقوبة بالمعنى المألوف للعقوبة التي توقع على الأفراد وإنما هو أشبه ما يكون بالإجراء الوقائي والدفاعي الذي تمارسه الدولة ضد هؤلاء البغاة، ولكن الفقهاء اعتبروه من الحدود باعتباره يتضمن إباحة قتل البغاة، وإن قتلهم هذا وجب على وجه العقوبة لهم حقًا لله تعالى، ووجهة الفقهاء هذه واضحة، ولذلك، لم يخالف أحد منهم في اعتبار قتال البغاة من جملة الحدود.

سابعًا: عقوبة المرتد:

۳۸- المرتد في اللغة هو الراجع مطلقًا وفي اصطلاح الشرع الراجع عن دين الإسلام بأن يصدر عنه ما يخرجه عن دائرة الإسلام كإنكاره ما عرف من الدين بالضرورة أو استهزائه بالإسلام أو أن يسب الله ورسوله.

ويشترط لوقوع الردة أن يكون المرتد عاقلًا مختارًا فلا تعتبر ردة المجنون ولا الصبي الذي لا يعقل ولا السكران الذي زال عقله بالسكر ولا المكره إذا كان قلعه مطمئنًا بالإيمان.

 وليست الذكورة شرطًا لوقوع الردة وكذا البلوغ عند الأحناف خلافًا لغيرهم الذين يرون البلوغ شرطـًـا للردة.

وعقوبة المرتد قتله لحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم - «من بدل دينه فاقتلوه» ويمهل المرتد ثلاثة أيام قبل قتله لعله يرجع عن ردته وهذا الإمهال واجب عند الجمهور مستحب عند الحنفية فإذا رجع عن ردته في مدة الإمهال سقط عنه القتل وإلا قتل.

الرابط المختصر :