العنوان ماذا أصاب القافلة؟ (الحلقة الرابعة)
الكاتب أبو الحارث
تاريخ النشر الثلاثاء 23-نوفمبر-1976
مشاهدات 83
نشر في العدد 326
نشر في الصفحة 16
الثلاثاء 23-نوفمبر-1976
... «واكرب أبتاه».. فقال لها:- «ليس على أبيك كرب بعد اليوم»
فلما مات قالت: «يا أبتاه، أجاب ربًّا دعاه، يا أبتاه جنة الفردوس مأواه، يا أبتاه إلى جبريل أنعاه».
فلما دفن، قالت فاطمة: يا أنس أطابت أنفسكم أن تحثوا «۱» على رسول الله -صلى الله عليه وسلم- التراب «۲».
إن ذلك اليوم كان على القافلة يومًا صعبًا -يومًا شاقًّا، يومًا مؤلمًا، يومًا وقف فيه أفرادها محزونين، باكين- لأنهم ما اعتادوا على ذلك، لقد ترك قائدهم حبه ووده وعطفه في نفوسهم حتى أنهم كانوا يُقبّلون جثته.
ولقد وقف الفتى القرشي اليافع مستلا سيفه يقول: «إن رجالاً من المنافقين يزعمون أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد تُوفي، وإن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- والله ما مات، ولكنه ذهب إلى ربه كما ذهب موسى بن عمران، فقد غاب عن قومه أربعين ليلة، ثم رجع إليهم بعد أن قيل قد مات. ووالله ليرجعن رسول الله صلى الله عليه وسلم كما رجع موسى فيقطعن أيدي رجال زعموا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مات»، ولكن أبا بكر برباطة جأشه وحزمه وقف في وجه عمر حين اعتلى على المنبر قائلاً: من كان يعبد محمدًا فإن محمدًا قد مات، ومن يعبد الله فإن الله حي لا يموت، ثم تلا الآية: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ ۚ أَفَإِن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلَىٰ أَعْقَابِكُمْ ۚ وَمَن يَنقَلِبْ عَلَىٰ عَقِبَيْهِ فَلَن يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا ۗ وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ﴾ (آل عمران: 145)، ثم قرأ أيضا ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُم مَّيِّتُونَ﴾ (الزمر: 30) حتى قال عمر فوالله ما هو إلا أن سمعت أبا بكر تلاها فعقرت حتى وقعت.. ما تحملني رجلاي وعرفت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد مات.
لقد كان أبو بكر في ذلك الموقف الرهيب الحرج أجلد الناس لفراق حبيبه وصديقه -صلى الله عليه وسلم- وأربطهم جأشًا وأقواهم عزيمة، وأشدهم بأسًا.
لقد بكت المدينة وبكى رجالها ونساؤها وأطفالها لأنهم فقدوا زادهم، بل فقدوا حياتهم؛ لأن جبريل لم ينزل إلى الأرض بعد ذلك اليوم؛ لأنهم كانوا يحبون الرسول حبًّا جمًّا، حبًّا صادقًا، ولكن كل مخلوق لا بد أن يزول والله هو الباقي.
آن للقافلة أن تستعد للرحلة من جديد، ولقد بويع أبو بكر بالخلافة والخليفة لا بد أن يفكر ويدبر، لأنه لما مات رسول الله صلى الله عليه وسلم مُني الإسلام بمصيبة عظمى لقد تشتت شمل المسلمين، وارتد بعضهم عن الإسلام، وادّعى بعضهم النبوة، وأصبح الناس بين كافر عنيد ومنافق مفضوح النفاق، ومتماوج تتطارحه الأهواء، يصبح مع هذا ويمسي مع ذاك، لقد رفع النفاق رأسه، وأبدت اليهودية عن ذات نفسها، وأعربت النصرانية عن كظيم غيظها، ويرجع الجفاة من الأعراب إلى مضاربهم في أكنان الصحراء ومنازل الجاهلية يقولون لأنفسهم لو كان نبيًّا ما مات، وتنبأ الكذابون والكذابات، وتجمع الغثاء إلى بعضه جسرًا يمنع تيار الإسلام أن يندفع إلى مهابط الهداية والرحمة من الأرض، حتى أصبح المسلمون كالغنم السائبة في الليلة الماطرة.
ولقد أعد رسول الله -صلى الله عليه وسلم- جيش أسامة للزحف على الروم ردًّا على عدوانهم، وتأديبًا لهم، وكان مثل هذا الرد ضروريًّا جدًّا، من أجل ذلك رأينا رسول الله صلى الله عليه وسلم يلح حتى آخر أيامه في إنفاذ هذا الجيش مهما تكن الظروف، ولكن الأوضاع التي واجهت المسلمين منذ وفاة قائدهم اضطرتهم أن يفكروا في موضوع هذه الحملة على ضوء الظروف والطوارئ.
لكن الصديق واصل تلك الرسالة المجيدة الفريدة بكل حزم وإقبال، ودون تردد مع أن الصحابة كانوا يرون رأيًّا، وهو إبقاء جيش أسامة في المدينة للحماية، وكلّم بعضهم أبا بكر ليحتفظ بهذا الجيش للدفاع ومواجهة الأحداث؛ فغضب أبو بكر وقال قولته التي تفيض قوة وحزمًا وإيمانًا وتصميمًا على اتباع الرسول مهما كلفه الأمر: «والله لا أحل عقدة عقدها رسول الله، ولو أن الطير تخطفتنا والسباع من حول المدينة، ولو أن الكلاب جرت بأرجل أمهات المؤمنين، لأجهزن جيش أسامة ولو لم يبق في القرى غيري، لأنفذنه».
وبعد أن روأ إصرار الصديق على ذلك طلبوا منه تغيير القائد، وتوسط عمر بن الخطاب لمراجعته.. ولكن الصديق كان عنيف الرد.. لقد وثب من مجلسه وأخذ بلحية الفاروق يقول له: «ثكلتك أمك يا ابن الخطاب.. استعمله رسول الله وتأمرني أن أنزعه»..
هكذا كان الصديق يواظب على ما كان يعمله رسول الله وهكذا كان ينفذ أوامره حرفيًّا وبدقة ولو خالفت آراءه.. وحاشا لأبي بكر أن يجري وراء آرائه؛ لأنه آمن حتى يكون هواه تبعًا لما جاء به محمد رسول الله -صلى الله عليه وسلم-.
لقد خرج أبو بكر يشيع جيش أسامة وهو ماش وأسامة راكب؛ فقال له أسامة يا خليفة رسول الله والله لتركبن أولا لأنزلن، فقال أبو بكر والله لا تنزلن والله لا أركب وما عليّ أن أغبر قدمي في سبيل الله ساعة.
لقد تعلم ذلك الأدب والتواضع من معلمه ومن قائده ومن حبيبه فجاء يضرب بذلك مثلا، وأخذ يُري أفراد القافلة أدب الماضي، أدب الذكريات أدب القائد المحنك، أدب الحبيب، أدب رسولهم وأخذ يُرجعهم بذلك إلى الماضي لكي يذكروا زادهم الذي رحل ولكي يفقهوا أن الإنسان مهما كانت منزلته فإنه سيرحل من هذه الدار؛ لذلك قال الشاعر في هذا الموقف الجليل:
فلولاك عُلتَ الأمرَ بعد محمد | لهدُّوا من الإسلام ما كان بانيا |
وأوشك جيش الشام يطوي لواءه | ويصدف عما كان لله ناويا |
وقال رجال للخليفة لذبه | إلى السلم وارفًا بالرجال الحواشيا |
فقال وأيم الله لو أن أذؤبا | تخطفن لحمي أو حَسونَ دمائيا |
لما كنت عن رأي النبي بعادل | ولو أنني وحدي خرجت مغازيا |
أكف ابن عبد الله تقعد راية | وكف أبي بكر تحل الأواخيا |
ذروا عمرًا يفضي إليه بأمرنا | فإنا أبينا أن نطيع المواليا |
فشُقَّ رداء عن أسامة راكبا | يُشيعه فيه الخليفة ماشيا |
أتمشي أبا بكر وإنك أن تشر | لطاولت الأعناق فيك المذاكيا |
هنا يجب أن نقف وقفة المتأمل، المتمعن البصير، وقفة المتفكر في الصديق، ويجب أن تتجلى في أذهاننا أن مدينة القافلة قد أصبحت فريسة حلوة في نظر الأعداء والمنافقين، لقد أظلمت الدنيا والتبست الطرق، ومن بعيد تبدو نقطة من ضياء قد تجمعت حواليها الحشرات والفراشات تريد أن تحجب ضوءها، هكذا كانت المدينة عشية تسلم أبي بكر الخلافة.
وسبحان الله: رجل من الناس في هذا الظلام الشديد، وفي هذا الموقف المحرج يقف وحده في جانب والناس أجمعون في جانب، يقفون منه موقف المخالف قلة منهم تواليه، وتؤمن بما يؤمن، ولكنها تثبطه وتخذل عنه، ويحجزها الفزع عن مجاراته، وكثرة غامرة تناصبه العداء وتتربص به الدوائر وتتأهب لاجتياحه وسحق عصابته، فما هذا الذي أغرى الصديق بهذا الموقف الفذ في تاريخ العظماء؟.. إنه الإيمان، لا شيء غير الإيمان، هو الإيمان وحده الذي هوّن على الصديق أمر الحياة بأسرها في سبيل عقيدته.. ذلك طراز من العزائم ولون من رسوخ العقيدة فوق متناول الآحاد من البشر، فلا يصلح أن نطلب إلى الناس أن يأتوا بمثله إلا بضرب من التحدي؛ لأنه في سلك الإعجاز منظوم، ولكن نعرضه للتأسي.
بعد ذلك سار جيش أسامة وخلف -وراءه المدينة- عاصمة الإسلام وليس فيها إلا العدد القليل من أهل القتال وحملة السلاح. والعرب قد أجمعت كلها على الارتداد وحرب المسملين، ولكن رحلة أسامة لم تدم طويلا حتى جاءت بشارات النصر وهتاف الفرح.. ثم خرج أبو بكر مع بقية الصحابة على أنقاب المدينة يحمونها حتى أن المسلمين ناشدوه وقالوا ننشدك يا خليفة رسول الله أن لا تعرض نفسك فإنك إن تصب لم يكن للناس نظام، ومقامك أشد على العدو فابعث رجلا فإن أصيب أمرت آخر، فقال لا، والله لا أفعل ولأواسينكم بنفسي..
وهكذا كانت شجاعة الصديق، وهكذا كان الصديق وفيًّا لربه ولمعلمه، وهكذا كان إخلاصه وولاؤه لله. لقد غسلته تربية محمد صلى الله عليه وسلم ونظفته نصائح المصطفى، ونصحته تعاليم الإسلام والقرآن حتى استطاع بهذه كلها أن يكون واجهة وذخر للإسلام.
المراجع:
1- صفة الصفوة جـ1 لابن الجوزي.
2- أحسن القصص جـ 3، علي فكري.
3- تهذيب سيرة بن هشام جـ2.
4- مشاهد من حياة الصديق، محمد المجذوب.
5- خالد بن الوليد، محمد الصادق عرجون.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل