; الحلقة "3" الدولة القومية بين الترويج العلماني والتحجيم الإسلامي | مجلة المجتمع

العنوان الحلقة "3" الدولة القومية بين الترويج العلماني والتحجيم الإسلامي

الكاتب عبدالجليل السيد أحمد الغربللي

تاريخ النشر الثلاثاء 18-أكتوبر-1983

مشاهدات 66

نشر في العدد 641

نشر في الصفحة 36

الثلاثاء 18-أكتوبر-1983

  • العلمانيون يقولون: بعد وفاة الرسول أسدل الستار على السلطة الإسلامية
  • في الدولة القومية ليس للمحاكم أن تتدخل لفرض الحدود التي فرضها الله تعالى.
  • الأغلبية هي التي تقرر العقيدة التي تتبناها الدولة القومية.

تناولنا في الحلقات السابقة الأسس النظرية لمفهوم الدولة القومية ومحاولة العلمانيين إصباغ صفة الشرعية على هذا المفهوم، فلقد اتضح لهم أن إنكار الدين وشرائعه من خلال تنظيرهم من شأنه أن يكشفهم أمام الجماهير المندفعة إلى الدين وعلى منابعه تعترف ما يضيء لها طريقها ويخرجها من الظلمات إلى النور من ظلمات الجاهلية إلى نور صراط الله المستقيم، ومع مثل هذه الظروف كان لابد للدعاة العلمانيين أن يعيدوا إخراج أطروحاتهم ليصلوا إلى أن هذه الأطروحات لا تعارض بينها وبين الدين بل تتماشى معه، مستشهدين ببعض الحجج التي سرعان ما نكتشف

أن الرد عليها لا يتطلب مجهودًا خاصًا لاكتشاف عقمها، ولتلقي الضوء الآن على تلك الحجج.

أولًا: السلطة الإلهية للرسول -صلى الله عليه وسلم- والسلطة الدنيوية للخلفاء الراشدين

يذهب دعاة الدولة القومية إلى أن الرسول في إحداثه للتغييرات اللازمة في حياة المجتمع الإسلامي إنما استمدها من الله تعالى لإخراج الناس من الظلمات إلى النور ولم يكن الرسول ملكًا، بل كان نبيًا رسولًا.

وبعد وفاة الرسول أسدل الستار على السلطة الإسلامية المستمدة من الله تعالى، وجاءت خلافة الصحابة لكي يستمدوا سلطتهم من الناس وليس من الله، وفي هذه المرحلة يدخل الحكم الإسلامي مرحلة مختلفة عن المرحلة الأولى وكأن الله في المرحلة الأولى هو المختص بالتشريع بينما الناس في المرحلة الثانية يصبح التشريع من اختصاصهم وبما أن الحاكم يستمد سلطته من الناس فإنهم تبعًا لذلك هم مصدر التشريع فيقولون:

«السلطة التي منحها الرسول عليه السلام ليدير بها شؤون المجتمع الإسلامي كانت سلطة إلهية،

هذه السلطة الإلهية انقطعت بموت النبي عليه السلام فهو آخر الأنبياء والمرسلين ولا نستطيع أن نقول إن السلطة الإلهية وجدت عند رئيس دولة من الدول الإسلامية بعد النبي عليه السلام. والتاريخ يخبرنا على أن البشر هم الذين بايعوا الخلفاء ومعنى ذلك أن سلطة الخلفاء الراشدين كانت مستمدة من الناس وليست من الوحي الإلهي.

الخلافة إذن سلطة مصدرها الشعب وليس مصدرها الله ومن أجل هذا لا نستطيع أن نقول إن الخلفاء الراشدين كانوا يمارسون الحياة في مجتمعاتهم ويديرون شؤون الحياة في هذه المجتمعات بسلطة دينية من عند الله، ونحن حين نقول الآن الدولة القومية يستمد رئيس الدولة فيها سلطته من الناس وليس من الله تكون في وضع يشبه إلى حد كبير وضع الخلافة في ذلك الوقت من حيث استمداد السلطة من الناس وليس من السماء وعلى هذا الأساس لا يصح أن نرفض الدولة القومية لأنها تستمد سلطتها من المواطنين ومن جانب آخر.

الدولة القومية إذن لا تعارض إطلاقًا نصًا من نصوص القرآن».

ثانيًا: حقوق الله وحقوق عباده

وتبعًا لما سبق فإن الشريعة الإسلامية لا تصلح لتكون مصدرًا للتشريع عندهم إنما مصلحة الناس التي تقررها الأغلبية تصبح هي الأساس لقرارات الحاكم وجميع أمور الناس تخضع لما يسمى

بمصلحة الأغلبية، فيصنف دعاة الدولة القومية سلوكيات العبد المسلم إلى سلوك خاص بالله -عز وجل- وهو حق الله ويتمثل في العبادات وليس للإنسان أن يغير فيها فهي من حقوق الله، أما حقوق العباد فالمصلحة العامة وليس شرع الله هو الأساس في استصدار القوانين المنظمة لهذه الحقوق.

*«المهم في تشريع المعاملات هو مصلحة للناس فكل ما كان فيه مصلحة الناس هو الذي يقدم على غيره حتى لو أدى هذا إلى تعطيل النص فتصبح المصلحة هي الأساس إذا كانت المصلحة لا تزال قائمة على أساس من النص القائم ولم تتبدل بحكم الزمن فنحن ملتزمون بها وحين تتغير المصلحة ونرى أن مع تغيير المصلحة يجب أن يتغير القانون أو المبدأ لنا الحرية في هذا فعلاقة العبادات هي حق الله وليس لنا أن نعدل في هذا الحق وليس لنا أن نزيد من عدد الصلوات أو نجعل الحج إلى غير الكعبة كل هذه الأشياء ليس من حقنا أن نلجأ إليها لأنها حق الله على عباده أما حق الناس بعضهم ببعض فمرتبط بمصلحة الناس وهي دينية وليس ضد الدين».

ثالثًا: سلطة الأغلبية

يعطي دعاة الدولة القومية ثقلًا كبيرًا للأغلبية، فهي تختار العقيدة التي يرتضيها الناس ولما كانت أغلبية الناس من المسلمين فإن العقيدة الإسلامية هي التي سيتم اختيارها من بين العقائد وتبعًا لذلك فعلى كل فئة لها أن تروج للعقيدة التي تريد أن يصوت عليها الناس فالنصارى واليهود مثلًا لهم الحق في الترويج لعقائدهم في المجتمع الإسلامي إلى أن يتم التصويت وتختار الأغلبية المسلمة العقيدة التي ترتضيها فيقولون في أطروحاتهم *«الأغلبية هي التي تقرر العقيدة التي تتبناها الدولة القومية، فالدولة القومية حينما تكون في العالم العربي ديمقراطية وأغلبية العالم العربي من المسلمين وعند الاختيار ديمقراطيًا فسيكون الاختيار للعقيدة الإسلامية، فالدولة القومية دولة ديمقراطية والدولة الديمقراطية ستؤدي إلى أن تكون العقيدة الإسلامية في الكون هي الشائعة لأنها عقيدة وتبعًا لهذا التنظير العلماني إذا ارتأت أغلبية الناس ولأي سبب من الأسباب اختيار عقيدة غير إسلامية متى ما حكمت أهواءها مثلًا أو إذا ما استخدمت حملات إعلامية مكثفة للترويج عن عقائد أخرى فلها الحق في التصويت لعقيدة غير العقيدة الإسلامية.

وحسب هذا المبدأ يعطي العلمانيون الحق لأصحاب العقائد الأخرى أن تقوم بالترويج وتسويق مفاهيمها الدينية في وسط المجتمع المسلم، ولهم أن يستخدموا تبعًا لذلك جميع الأساليب الدعائية للوصول إلى الأغلبية.

رابعًا: مفهوم الحرية الشخصية

يتسع مفهوم الحرية الشخصية لدى المنظرين العلمانيين المنتشرين في الساحة الإسلامية، فيروجون لأفكارهم اليسارية بعد أن ركبوا الموجة الإسلامية.

فيغلفون مفاهيمهم بغلاف من التقوى سرعان ما يذوب ويسيح أمام إشراقة شمس الإسلام فتتعرى تلك المفاهيم وتنكشف عن حقيقتها اللا إسلامية.

 نقول أن مفهوم الحرية الشخصية عندهم تنصب على العقيدة فللفرد المسلم أن يصلي أو لا يصلي، يصوم أو لا يصوم وليس للحاكم أن يتدخل لفرض الحدود التي فرضها الله تعالى من قتل وسجن وتعزير و يقولون *« في النظام الديني في الإسلام أن المسألة التي يكون فيها الحساب لله وتكون المسؤولية مسؤولية فردية طلب إلى النبي ألا يتخذ خطوة في سبيل محاكمة هؤلاء الناس إنما يتركهم إلى الله فالحرية هنا إلى جانب المسؤولية متكاملتان فهي حرية شخصية وإنما تترتب عليها مسؤولية يعني حين لا تصوم أو لا تصلي ما شأن الدولة في هذا إنما حين تعتدي على آخر أو تسلب حق آخر هنا تتدخل الدولة».

هذه هي أطروحاتهم التي يطرحونها لمفهوم الدولة القومية ولنا وقفة أخرى تقدم لهم الدليل الشرعي على افتراءاتهم على الدين وعلى الناس، ولابد أن نكشف حقيقة هذه المفاهيم وتعريتها وتعرية من يقف وراءها من يساريين يحاولون هذه الأيام أن يركبوا الموجة الإسلامية.

*محاضرة بعنوان الدولة القومية والتيارات الدينية 

د. محمد خلف الله ألقاها في جمعية الأدباء الكويتية.

الرابط المختصر :