; في الدولة الإسلامية | مجلة المجتمع

العنوان في الدولة الإسلامية

الكاتب حامد عبد الماجد

تاريخ النشر الثلاثاء 14-يوليو-1998

مشاهدات 77

نشر في العدد 1308

نشر في الصفحة 48

الثلاثاء 14-يوليو-1998

  • مفهوم الدولة الإسلامية هو البلورة النهائية لترابط عضوي بين الحقيقة العقيدية المطلقة والحقيقة البشرية

  • إقامة دولة العقيدة محور رئيس في كل رسالات السماء وتمثل جوهر المثالية السياسية في الإسلام

بقلم: د. حامد عبد الماجد ([1])

الواقع أن أي تفكير علمي بصدد الدولة الإسلامية، ونظريتها السياسية يفرض التعرض لمتغيرات ثلاثة أساسية بكل ما تثيره من قضايا وتطرحه من تساؤلات.

المتغير الأول: مفهوم الدولة الإسلامية، ومصطلحها في التنظير والخبرة.

المتغير الثاني: نشأة الدولة الإسلامية وتطورها، وهو ما يقع في إطار خبرتها السياسية، أي تاريخها العام والإطار الذي يحكم هذا التاريخ وينظمه.

المتغير الثالث: وظائف الدولة الإسلامية، أي الأهداف التي تسعى أو يجب أن تسعى هذه الدولة لتحقيقها في العالم الواقع.

يقود كل متغير من هذه المتغيرات الثلاثة عند تناوله للمتغير الآخر، وتعطينا جميعها -ولو في الخطوط العامة- تصورًا عن نظرية الدولة الإسلامية.

وقبل الدخول في استعراض هذه المتغيرات نتناول الإطار العام الذي نتحرك فيه والذي يتكون من مجموعة من البديهيات السياسية الأساسية.

1– إن الدولة القومية Nation-stat لیست سوى أحد أشكال الدولة وصورها التاريخية التي عرفتها الخبرة الأوروبية، وهي أيضًا إحدى تلك الصور والأشكال التي تم استيرادها في واقعنا وبالتالي فدولتنا الحالية  «وافدة»، «مستوردة» وهي أيضاً «متغربة، ولكنها «قطرية» مترسخة! الخبرة الأوربية ذاتها عرفت أشكالًا أخرى للدولة، غير نموذج الدولة القومية، على سبيل المثال نموذج الدولة الذي تقدمه الخبرة الحضارية اليونانية والرومانية والذي يدور حول القيم الحضارية و«الحقيقة الفكرية»، و«التقاليد الثقافية» بأوسع ما تثيره هذه المعاني من دلالات وخبرتنا التاريخية عرفت أشكالًا أخرى أيضًا للدولة هناك الدولة الإسلامية الشرعية الدولة السلطانية الدولة الملوكية ... إلخ.

۲ – يتجه العالم المعاصر في الوقت الراهن -وإن كان بدرجات متفاوتة- إلى تجاوز مفهوم الدولة القومية، ورفضه، وبالتالي إعادة النظر في كل ما ارتبط به من مبادئ فكرية وظواهر سياسية فمبدأ العلمانية، أو اللا دينية الذي ارتبط بمفهوم الدولة القومية بدأ يتراجع مع تراجع المفهوم ذاته وأزمته، حيث يتحدث بعض علماء التحليل السياسي عن «الدولة الإقليم»، و«الدول الحضارية» التي تؤمن بوظيفة حضارية اتصالية أي وظيفة معنوية –للدولة تعبر عن إنسانيتها حتى ولو من قبيل الادعاء، كما أن ثمة ظواهر سياسية بالغة الأهمية لا يمكن فهمها إلا في إطار أزمة مفهوم الدولة القومية وعدم قدرتها التفسيرية  على عمليات التكوين الفكري والتربية السياسية التي تقوم بها بعض الدول لإعداد «المواطن الصالح» ازدياد ظاهرة الإرهاب الدولي، بروز الدور السياسي للبابا على المستوى الدولي ازدياد تأثير القوى الكنسية الكاثوليكية والمنظمات التابع لها ... إلخ.

٣- تعاني الدولة القائمة –في عالمنا العربي والإسلامي– من أزمة شرعية متعددة الأبعاد، لعل أهم جانبين لهذه الأزمة هما:

أ- مشروعية الدولة ذاتها، فيما يتعلق بعمليات تأسيسها ولحظة ولادتها، إذ ترافقت أزمة مشروعيتها مع عملية بنائها وتكوينها فهي نتاج عملية التحديث على النمط الأوربي الغربي أي أنها امتداد للمنطق الاستعماري واستجابة له بشكل أو بآخر، الأمر الذي جعل منها من ناحية إطارًا مركبًا على قمة المجتمع يضبطه ويحكمه وهو منفصل عنه في آن، ومن ناحية أخرى أضحى «دولة محدثة» تمثل بدرجة من الدرجات انحرافا عن عقيدة المجتمع السياسي وقيمه الأساسية وكان يفترض أن تكون تعبيرًا عنها، وأداة لهذا المجتمع في تحويلها إلى واقع حيوي. 

ب- شرعية الأنظمة السياسية الحاكمة، تلك التي فشلت في تحقيق تلك الدعاوى التي رفعتها منذ الاستقلال السياسي وحتى الآن من قبيل تحقيق الوحدة والعدالة الاجتماعية، وبناء الديموقراطية عبر المشاركة السياسية، وتحرير فلسطين وهزيمة الكيان الصهيوني الغاصب... إلخ، وبدا واضحًا أن جميع مفردات هذا الفشل هي مجرد أعراض للحقيقة المتأصلة ألا وهي انفصال هذه الأنظمة الحاكمة عبر المجتمعات المحكومة وقيمها الأساسية وما ترسمه من سياسات وقواعد.

هذه الاعتبارات تفرض علينا ضرورة التعرض للدولة الإسلامية، فهي ليست شعارًا سياسيا خاليًا من المضمون، ولكنها حقيقة موضوعية تضرب بجذورها في المرجعية الإسلامية، وضرورة واقع أضحى يدلنا على أن الدولة المعاصرة هي تلك التي تنطلق من مثالية سياسية محددة، وتعد أداة الجماعة السياسية ووسيلتها في تحقيق عقيدتها، وتمثل أساسًا لشرعيتها ومبررًا لوجودها، ومحورًا لتعاملها الداخلي والخارجي.

أولًا: الدولة الإسلامية المصطلح، المضمون، والمحتوى

لم تعرف الكتابات السياسية المعبرة عن الخبرة الإسلامية مصطلح «الدولة» بالمعنى الذي تقدمه خبرة «الدولة القومية» Nation-stat والذي يعني لفظيًا الوضع الثابت المستقر، ولكنها عرفته بمعنى الدوران، والتحول والغلبة ... إلخ. وهو أمر ألصق به الأسر والعصبيات الحاكمة أو تجاوزًا بـ «الأنظمة السياسية» منه بـ«الدولة»، وإن تم التعبير عنه بهذا المفهوم كالدولة الأموية والعباسية، والمملوكية، والعثمانية في كل الكتابات تقريبًا، ولعل المصطلح بالتحديد الذي يجعله تعبيرًا عن وضع ثابت مستقر لم يرد إلا في إطار الاجتهادات السياسية التي قدمها رواد الحركة الإسلامية المعاصرين من أمثال الشهيدين سيد قطب، وعبد القادر عودة، والأستاذ المودودي.

أما مضمون مفهوم «الدولة» ومحتواه وبخاصة إذا تساءلنا عن محور وجودها السياسي، فإننا نستطيع أن نؤكد على الحقائق التالية: 

۱– تستوفي الدولة الإسلامية الأركان والمقومات التي يذكرها الفقه السياسي للدولة الحديثة وهي: الإقليم، والشعب، والسلطة الحاكمة أو (الحكومة)، بالإضافة إلى فكرة الاستقلال أو السيادة، هذا الأمر يعد من قبيل البدهيات السياسية بالنسبة للدولة عمومًا، إذ الدولة أعمق من ذلك، فهي –كما يقول جورج بوردو– عبارة عن فكرة، وأن توافر العناصر الموضوعية الأركان والمقومات ليس كافيًا لتفسير ولادة دولة ما أو وجودها، فالدولة هي أكثر وأبعد من أن تكون اجتماع هذه العناصر المكونة، فالدولة ليست إقليمًا، أو شعبًا، أو مجموعة من القواعد الملزمة هذه العناصر لا تكون الدولة، بل إن أقصى حدودها وفعلها هو التجسيد لها، فالدولة بالمعني الكامل «فكرة» ضمن عالم الأفكار، وفي نفس الوقت  –معطي موضوعي– من المستحيل التنكر لحقيقته دون الامتناع في الوقت نفسه عن فهم الوقائع المنظورة. 

٢– تأسيسًا على ما سبق فإن الدولة الإسلامية هي دولة الفكرة والعقيدة ليست دولة قطعة من أرض –أي إقليم– نعم كان لها هذا الإقليم ولكنها لم ترتبط به أو تقتصر عليه، فقد كان من الممكن أن تقوم في أي مكان يقبل بالدعوة ويتبنى الفكرة التي تجد لها وطنًا في كل مكان يوجد به عقل إنسان»... فالدولة الإسلامية لها إقليم هذه حقيقة واقعية أسماه الفقهاء: دار الإسلام فيما بعد، ولكن معيار تحديده هو الفكرة والعقيدة.

٣- والدولة الإسلامية لها أيضًا سكانها من أمة الإجابة، إذ إن سكانها المقيمين فيها من قبل والمهاجرين الوافدين إليها هم سواء في الاعتبار الإنساني والحقوق القانونية، والعقيدة معروضة على كل إنسان بحكم إنسانيته أياً كان موطنه، وأياً كانت عشيرته فهي دولة مفتوحة، وهكذا فإن محور الوجود السياسي لهذه الدولة وفكرتها الأساسية هي «العقيدة»، و«المنهج» الذي ينبثق عنها وتقوم عليه ويصبغ بصبغته كل مقوماتها، ويضعها كإدراك ذهني في إطار عالم الأفكار، ويمكن تفصيل -ما سبق- في أن مفهوم الدولة الإسلامية، من حيث المحتوى والمضمون هو البلورة النهائية لترابط عضوي وبنائي بين حقيقتين:

الأولى: الحقيقة العقيدية المعنوية المطلقة التي تشكل الجوهر الثابت، إذ لا تكتسب الدولة صفتها، ولا تصبح مصدراً للالتزام السياسي بكل ما يرتبه من حقوق والتزامات إلا إذا كان ذلك نابعاً من القيم الدينية المنبثقة من جوهر العقيدة التوحيدية وهكذا يتم الربط بين مفهوم «الدولة» وحقيقة العقيدة بحيث تكون الأولى ما هي إلا حقيقة معنوية وتجسيداً للثانية في شكل نظامي.

الثانية: الحقيقة البشرية، أو الجسد السياسي للدولة الإسلامية، وهي ثلاثة مستويات:

أ– الأمة: جماعة المسلمين ومن في ذمتهم وينطبق عليهم رعايتها السياسية، وتعد الأمة وجودًا متحدًا يتكون من عناصر أربعة تتنوع بنائيًا وتتكامل وظيفيًا فيما بينها وهي:

- جماعة تؤمن بالمقومات الأساسية للدين الإسلامي التي تتأسس عليها الدعوة الإسلامية.

- تمتلك هذه الجماعة إدراكاً متحداً بصدد كل ما له صلة بالعقيدة الإسلامية، وتخضع لذلك المنهج الذي ينبثق عنها كنظام للسلوك الفردي والجماعي.

- يترابط أفراد هذه الجماعة المقيمين داخل إقليمها على أساس قيمة الولاء النابعة من قيمة التوحيد، أما المقيمون تحت سلطان غير إسلامي فلهم واجب النصرة، كما أن هذه الجماعة تتمايز عقيديًا من خلال قيمة «البراءة» عن المخالفين عقيديًا.

إن منطلق وظائف هذه الأمة عقيدي يتعلق بإقامة الدين والحفاظ عليه في الداخل والدعوة إليه في الخارج؛ إذ أن الأمة ذات وجود ورسالة عالمية إنسانية شاهدة على الأمم وراعية لأعضائها.

ب- الإمام: رمز وحدة الأمة والجماعة وطاعته من طاعة الله ورسوله إذ أطاعهما، وثمة تمییز دقيق بين مفاهيم الخليفة الإمام الحاكم الأمير... إلخ.

ولن نفيض في المسائل المتعلقة بكيفية توليه السلطة، والشروط الواجبة فيه، وكيفية ممارسة السلطة والرقابة عليه، ومعارضته، وتغييره إلخ. إذ إن هذه المسائل البالغة الأهمية موضعها دراسات الأنظمة السياسية، وليس هنا مجال التعرض لتفاصيلها.

جـ- أهل الحل والعقد: مجموعة من أهل كل فن وعلم نطاقهم أوسع من العلماء بالمعنى الفقهي الدقيق، وبلغة الواقع السياسي يمكن اعتبارهم القوى السياسية والاقتصادية والفكرية الأساسية في المجتمع الإسلامي، وهم يلعبون أدوار الهيئات الوسيطة -إذا جاز التعبير- ويتخذون أشكال هذه التنظيمات الوسيطة ويقومون بالوظائف الاتصالية بين الأمة والإمام فهم في عمل المسلمين، تبقي مسألتان تنظمان عمل هذا المحتوى وهما:

الأولى: أن هذه المكونات الثلاثة تترابط بالممارسة السياسية التعاقدية فيما بينها فالإمام لا تنعقد له ولاية شرعية سليمة ابتداء إلا بعد بيعتين الكبرى «بيعة الأمة»، والصغرى بيعة «أهل الحل والعقد» وهؤلاء الأخيرين يرتبطون مع الأمة – بموجب قيامهم بوظائفهم، ويعلو الجميع الرابطة العقيدية التي تصبغ الجميع بصبغتها وتدور معها كل المقومات وجوداً وعدمًا.

الثانية: بالإضافة إلى الممارسة السياسية التعاقدية، فهناك مبدأ «الوحدة» باعتبارها حقيقة نظامية شاملة، تبدأ من ممارسة الشعائر العبادات، لتنتهي إلى ممارسة الشرائع «الأحكام»، وفي الانتقال بينهما تصبح الأولى أداة العبور من الوحدة الوجدانية إلى الوحدة النظامية، ويشير النظام القانوني وحدة الشرائع إلى تحقيق مستوى تنظيمي يعبر عن وحدة الجماعة بأسرها، فالخلافة الإسلامية هي البلورة النهائية لوحدة الجماعة المسلمة، ولا توجد دولة إسلامية إذ لم تجعل منطلق السلطة داخلها مفهوم الخلافة الإسلامية، وفي إطار هذا المبدأ قبلت الممارسة السياسية مبدأ التنوع الوظيفي، فقد قبلت بوجود السنة والشيعة، وفي إطار السنة قبلت مذاهب أربعة رئيسة، كما رفض الفقهاء الكبار مبدأ الاحتكار المذهبي، فها هو الإمام مالك يرفض طلباً للمنصور بأن يجعل مذهبه من خلال كتابه الموطأ هو منطلق الممارسة في الدولة، ومحوراً لحركتها السياسية، ويقول: «إن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم تفرقوا في الأمصار ولدى كل علم، فلا تقصر الناس على معين واحد فتحدث فتنة».

ثانيًا: نشأة الدولة الإسلامية وتطورها

نمیز بهذا الصدد بين أمرين رغم الصلة بينهما وهما:

الأمر الأول: نشأة دولة تشكل واقعة تاريخية محددة زماناً ومكاناً، وهي دولة المدينة التي أقامها الرسول صلى الله عليه وسلم وما تلاها ابتداء من دولة الخلافة الراشدة.. إلخ، ومجرد مطالعة في الوثائق والسير يتضح كيفية قيام هذه الدول، وأنماطها، وأشكالها وطبيعتها ... إلخ، تتعدد التفسيرات وفقاً لمنهج النظر لهذه الدول وتحليلها في سياقاتها المختلفة.

الأمر الثاني: الرؤية الإسلامية التي يمكن استخلاصها من الأوامر المنزلة لكيفية نشأة فكرة الدولة –بشكل عام– فهي تقدم تنظيراً لكيفية نشأة الدولة، وتطورها، وطبيعتها انطلاقاً من الفهم الكلي لمنطلقها، وسوف نركز على هذا الأمر على النحو التالي:

أ- هناك ارتباط سببي وزمني بين نشأة الدولة ومولد الرسالات السماوية، فالفترة الزمنية من عمر الإنسانية والتي شهدت مولد ظاهرة الدولة هي نفسها التي شهدت مولد الرسالات السماوية، وكان الرسل هم أول من أقاموا دولة العقيدة -وفق منطق الدعوة- التحقيق رسالة السماء في تنظيم بشري واقعي

ب– إن هذه الدولة في حقيقتها المؤسسية النظمية ليست ثيوقراطية، وإنما هي منظمة بشرية، فالقواعد التي تنظم حركتها السياسية داخلياً وخارجياً هي قواعد إلهية سماوية ينفذها بشر في إطار معطيات واقعهم وظروفهم الموضوعية، وقد نشأت هذه الدولة بجهد الرسل البشري، المؤيد من السماء، ثم بجهد اتباع الرسل المؤيد باتباعهم لمنهج الرسل المنبثق من العقيدة ويلاحظ في هذا المقام مسألتين:

المسألة الأولى: أن كل دين سماوي رسالته توحيدية هو «إسلام» -بمعناه العام- يسعى إلى تحويل الحياة إلى «عبادة الله تعالى» ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ (النحل: ٣٦)، وبهذا المعنى فكل دين -منهج حياة- ينشأ عليه حضارة ذات قواعد قيمية ونماذج سلوكية، وبالتالي يستلزم وجود «دولة» و «نظام سياسي» على منهجه، أو شرعته المنبثقة من العقيدة، فالدولة جزء لا يتجزأ من كل رسالات السماء.

المسألة الثانية: فهم أدوار الرسل ووظيفتهم في التربية، والبلاغ، والحكم بين الناس ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ ۖ وَأَنزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ ۚ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ (الحديد:٢٥) ومن أهم أدوارهم إقامة الدولة، وتحدثنا كتب السيرة أن الكثيرين استشهدوا دون تحقيق غايتهم في تأسيس أمة على العقيدة، ودولة تحكم الأرض بمنهج السماء.

والخلاصة: أن إقامة دولة العقيدة والتوحيد هو جزء أساسي من كل رسالات السماء –وتقدم الرؤية القرآنية تأصيلًا لهذه النشأة انطلاقًا من قوله تعالى: ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ وَأَنزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ ۚ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِن بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ ۖ﴾ (البقرة: ۲۱۳)، وبناء هذه الدولة -وفق التصور الذي تقدمه هذه الآية الكريمة- يتم في المرحلة الأخيرة من ثلاثة مراحل عرفها التاريخ البشري هي:

۱- مرحلة كان فيها الناس «أمة واحدة».

٢- مرحلة الاختلاف.

٣- مرحلة إرسال الرسل، ونشأة الدولة ودون إسهاب في هذه المرحلة فإن الرؤية تقدم نموذجين للدولة وهما:

أ– النموذج الأول: دولة التوحيد والعقيدة وهي الدولة الإسلامية بمعناها العام.

ب– النموذج الثاني: دولة الشرك والجاهلية، وهي كل ما عدا الدولة الإسلامية بمعناها العام.

ولقد كانت حركة التاريخ البشري في الرؤية القرآنية ترجمة لعملية التدافع، ومن ثم التداول بين هذين النموذجين للدولة فعندما يتسرب إلى دولة التوحيد والعقيدة نقائضها –سواء في مثاليتها السياسية، أو في نظمها الواقعية، أو في حركتها وممارساتها– حتى تصير إلى «النموذج الثاني» تتدخل السماء بإرسال الرسل و تأييدهم للقضاء على هذه الدولة «النموذج الثاني»، وهكذا باستمرار، إلى أن أوكلت هذه العملية في هذه الرسالة الخاتمة «الإسلامية» إلى الأمة وشرعت الدعوة والجهاد لهذا الغرض، واعتبر من جوهر مثاليتها السياسية بوجه عام.

دلالات مفهوم الدولة في الأصول المُنزلة

۱– وردت مادة «دول» بصيغة الفعل المضارع «نداولها» في قوله تعالى: ﴿وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ﴾ (آل عمران: ١٤٠)، بمعانٍ متعددة حسب اجتهادات المفسرين أولها: تصريف أيام النصر والهزيمة وتقليبها بين المسلمين والكافرين، كما حدث يومي بدر وأحد، (انظر جامع البيان عن تأويل أي القرآن، حققه وخرج أحاديثه محمود محمد شاکر، القاهرة، دار المعارف، ١٩٥٤، ج ۳، ص ٦٨ و ٦٩). 

٢– كما وردت مادة «دول» في صيغة «دولة» بضم الدال مفردة، وعلى هيئة الجمع «دول» في بعض النصوص المنزلة، أما المفردة ﴿كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ﴾ (الحشر: ۱۷)، بمعنى تصريف الفيء، ومداورته وتبادله وتنقله من يد إلى أخرى بين الأغنياء، وهو مما نهى القرآن عنه.

٣– وردت مادة «دول» في صيغة «دولة» بفتح الدال، في حديث النبي صلى الله عليه وسلم : «إذا ظلم أهل الذمة كانت الدولة دولة العدو، وإذا كثر الزنى كثر البلاء.

وإذا كثر اللوطية رفع الله عز وجل يده عن الخلق، فلا يبالي في أي واد هلكوا» (رواه الطبراني عن جابر بن عبد الله)، ويبدو أن المعنى المتبادر من لفظ الدولة في الحديث هو إدالة أعداء المسلمين عاقبة للمسلمين على ضمهم، أي غلبتهم وانتصارهم على المسلمين السابق، إذ يكشفان عن سنة الله سبحانه في تحول الدولة -الغلبة والنصر- عن المسلمين حين يفقدون -بفعل أنفسهم- شرائطهما، في الوقت الذي يمتلك فيه أعداؤهم هذه الشرائط.

٤– أخيراً وردت مادة «دول» على هيئة الفعل المبني للمجهول «أديل» في الحديث النبوي: «السلطان ظل الله في الأرض يأوي إليه كل مظلوم من عباده، فإن عدل كان له الأجر، وكان على الرعية الشكر، وإن جار، أو أخاف، أو ظلم، كان عليه الوزر، وعلى الرعية الصبر، وإذا حورب الولاة قحطت السماء، وإذا منعت الزكاة هلكت المواشي، وإذا ظهر الزنى ظهر الفقر والمسكنة، وإذا أخفرت الذمة أديل الكفار» (رواه البزار عن ابن عمر)، ويبدو أن معنى الإدالة في هذا الحديث قريباً من معنى الدولة في الحديث الشريف .

[1] قسم العلوم السياسية كلية الاقتصاد جامعة القاهرة.

الرابط المختصر :