العنوان في السياسة الشرعية- الحلقة 48 ... الموقف الإسلامي من النظرية الماركسية «الخماسية التاريخية»
الكاتب د. عبد الله فهد النفيسي
تاريخ النشر الثلاثاء 29-مارس-1983
مشاهدات 99
نشر في العدد 614
نشر في الصفحة 21
الثلاثاء 29-مارس-1983
خلاصة
الخماسية التاريخية عند ماركس أن المجتمعات البشرية قد سجلت خمسة أطوار أو
مراحل: المشاعية البدائية والرق والإقطاع والرأسمالية والشيوعية. هذه المراحل
هي حتمية الوقوع.. أي أن التطور من المشاعية البدائية مرورًا بمرحلة الرق
والإقطاع والرأسمالية وصولًا إلى الشيوعية.. هذا التطور أو الانتقال من طور إلى
طور هو أمر حتمي ومربوط بعوامل اقتصادية خارجة عن إرادة الإنسان. إذن فحسب
الخماسية التاريخية -كمفهوم أيديولوجي- كل المجتمعات البشرية مرشحة
للتحول نحو الشيوعية في يوم من الأيام.
يتساءل
الأخ أحمد العوايشة -ونحن نضم صوتنا إليه- في كتابه القيم الذي أشرنا
إليه في الحلقة السابقة: ما هو الدليل العلمي على هذه الحتميات؟ (حتمية
التطور عبر الأشكال الاجتماعية الخمسة المذكورة) وقد لاحظنا أن تاريخ الإسلام لم
يمر بمرحلة الرق والإقطاع. ثم إن الرأسمالية لم تكن حتمًا ستصل إلى ما وصلت
إليه من سوء لولا تدخل اليهود في الصناعة الرأسمالية واحتكارها بواسطة القروض
الربوية... ثم على فرض أن تفسير أطوار البشرية- كما فسرها أصحاب التفسير المادي
للتاريخ كلها صحيحة -وهي ليست بصحيحة- فكيف تكون هذه الأطوار مستقلة عن إرادة
الإنسان؟ أليس الإنسان هو الذي امتلك الأرض وأدوات الإنتاج بعد إذ لم يكن يملك من
قبل؟ هل الأرض هي التي فرضت عليه ملك نفسها؟ أم هو الذي امتلكها برغبته في
الامتلاك؟ ومن الذي اخترع الآلة؟ أليس هو الإنسان؟ ولماذا اخترعها بإرادته؟ أم
فرضت هي نفسها عليه فرضًا وأمسكته من خناقه وهزته وقالت له اخترعني؟ أوليست
رغبته هو في تحسين إنتاجه -الرغبة الفطرية الكامنة فيه- هي
التي جعلته يتعلم ويبحث وينقب حتى اخترع الآلة. فعلى فرض أن هذه الآلة
هي التي تكتب تاريخ البشرية أليس فيها إرادة الإنسان؟ فكيف تكون الأطوار
«الخمسة» إذن خارجة عن إرادة الإنسان ومستقلة عنها؟
ولنبدأ
بالأطوار الخمسة طورًا بعد آخر ونسأل حول المشاعية البدائية:
ما
هو الدليل العلمي على أن البشرية مرت بالفعل بمرحلة المشاعية البدائية؟ ثم كيف
يمكن الحصول على هذا الدليل العلمي ما دمنا نتكلم عن الإنسانية قبل عصور التاريخ؟
ثم ما هو الدليل العلمي على أن نزعة التملك الخاص ليست فطرية وأن الملكية الخاصة
لم تكن موجودة في طور المشاعية البدائية؟ خاصة وأن أنجلز وهو من المصادر الهامة
للنظرية الماركسية يقول في كتابه الشهير حول الأسرة: ما أكثر تناقض الروايات
التي في حوزتنا حتى عن القبائل البشرية المتوحشة وما أحوجها إلى الفحص الدقيق
والغربلة. أنظر (أصل الأسرة) - ص 50.
لذلك
نستطيع أن نقول إن النظرية الماركسية لم تطرح دليلًا علميًا واحدًا يثبت طور
المشاعية البدائية وذلك لعدم توافر المعلومات التاريخية الدقيقة التي تجزم بذلك
كما أكد ذلك أنجلز نفسه في النص المشار إليه أعلاه.
ويعقب
طور المشاعية البدائية طور آخر وهو طور الرق الذي ظهر مع بروز الملكية الخاصة
نتيجة لتطور القوى المنتجة.. مصادر الرق كانت الحروب بين القبائل حيث القبيلة
المنتصرة تستعيد أفراد القبيلة المهزومة، ثم بعد تطور الزراعة توسعت دائرة
الرق وأصبحت تشمل المدينين نتيجة لظهور الإقراض الربوي وعجز المدين عن
السداد. وقد يكون هذا ينطبق على تاريخ أوروبا والمجتمعات الأوروبية
ولكنه حتمًا لا ينطبق على تاريخ الإسلام.. فمن يدرس تاريخ الإسلام يلحظ أنه
ألغى هذه «الحتمية» التي تسطرها النظرية الماركسية.. لقد كان الرق
قبل الإسلام مشروعًا بين الأمم ومشروعًا في القوانين الوضعية «القانون
الروماني» ومشروعًا حتى في بعض العقائد الدينية.
وكان
الرق عدة أنواع: رق الأسر في الحرب، ورق السبي في غزوات القبائل، ورق البيع
والشراء، وكانت اليهودية تبيحه، وظهرت النصرانية وهو مباح فلم تحرمه، أما الإسلام
فقد حظر جميع أنواع الرق وجففها ولم يبق للرق إلا منبع واحد وهو رق الحرب الشرعية؛
وذلك معاملة بالمثل؛ لأنه ليس من مصلحة المسلمين أن يسترق أبناؤهم دون أن يردوا
على أعدائهم بالمثل؛ لذلك تستطيع أن تقول إن الإسلام -عبر تاريخه- لم
يمر بطور الرق -كما هو موصوف في النظرية الماركسية- بل سبق العالم في
مرحلة ظهوره في اتخاذ موقف متقدم للغاية من هذه القضية بغض النظر عن الحتميات
الاقتصادية التي كانت سائدة آنذاك في العالم أجمع. ولماذا لم ينعكس بذلك
الوضع الاقتصادي العالمي على موقف الإسلام من الرق؟
وفي
الحلقة القادمة نواصل مناقشة الموقف الإسلامي من الإقطاع والرأسمالية
كمراحل حتمية وتاريخية بإذن الله تعالى.