العنوان إشارات.. المعادلة الصعبة
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 04-مايو-1976
مشاهدات 51
نشر في العدد 298
نشر في الصفحة 23
الثلاثاء 04-مايو-1976
بقلم: ع
لا نأتي بجديد إذا قلنا: إن النظرية الماركسية بدأت منذ سمي تطبيقها الأولى تشهد تحويرًا وتغييرًا وتبديلًا في هذا الجانب أو ذاك من بنيانها الأيديولوجي، من أجل جعلها أكثر ملائمة للواقع وأقدر على النزول من سماء النظريات والأحلام إلى أرض العمل والآلام..
فمنذ قيام- لنين - بعد سنوات قلائل من ثورة تشرين ۱۹۱۷ بإعادة تمليك الأرض من أجل إنقاذ روسيا من كارثة زراعية محققة، وانتهاء بإعادة نظام الادخار الشخصي والتوريث وغيرهما، مرورًا بإجراءات التحفيز المستجرة للوازع الذاتي عن طريق مزيد من التمايز في الأجور على المستوى الاقتصادي.. ومنذ قيام ستالين بإعادة إحياء الروح- الوطنية- والأرثوذكسية الروسية بمواجهة تحديات النازية، وانتهاء بالانفتاح الكامل على الغرب وزعيمته أمريكا فيما يسمى بسياسة- الانفراج- مرورًا بتضاؤل الاهتمام بمسألة الثورة العالمية، يقابله تزايد مستمر صوب إنشاء العلاقات الدبلوماسية الودية مع شتى نظم العالم، بغض النظر عن بعدها أو قربها من الاشتراكية.. على المستوى السياسي.
منذ ذلك الحين وحتى الآن أرغمت الماركسية، في أكثر من جانب على أن تتقبل المزيد من التغيير والتحوير والتبديل من أجل أن تكون أكثر- واقعية-.. حتى أن هذا الأسلوب- المرن- في التعامل مع النظرية أعتمد سلاحًا مضادًا يتراشق به المتصارعون في الساحة الماركسية نفسها بين صيني وروسي ويوغسلافي والباني باسم- التحريفية-..
ولا يدري المرء ما الذي ستشهده الماركسية في مستقبل السنين من تغييرات أخرى، لا ريب وأنها ستجيئ أكبر حجمًا وأكثر واقعية من كل ما سبقها من محاولات بحيث إننا- على سبيل المثال- صرنا نجد إمبراطورًا ذا ولاء هائل لأمريكا- كشاه إیران-، يزور موسكو فيتلقى هناك بالحفاوة والإكرام، ويدعو- كوسيجين- ليزور طهران حيث ترفرف رايات الدولتين الجارتين.. إنها الضرورات الدبلوماسية كما يقولون.. ولكن من قال بأن هذه الضرورات ليست من ضغوط- الواقعية المتزايدة؟ إن الصين الشعبية نفسها تفخر اليوم بدخولها هيئة الأمم المتحدة، وصداقتها للولايات المتحدة الأمريكية، وتحزن لسقوط- نیکسون- في أعقاب فضيحة ووترجيت خوف أن يعقبه على الرئاسة زعيم لا يرعى الصداقة في الدولتين حق رعايتها..
هل نستطيع أن نقول، على ضوء هذا کله، أن- كارل ماركس- وقد اتهم محاولات الاشتراكيين الفرنسيين والإنكليز- سان سيمون، لوی بلان، روبرت أوين.. وغيرهم- بالطوباوية- المثالية وعادت نظريته نفسها لكي تتهم بالصفة نفسها، ما دامت لا تستطيع أن تلامس أرض الواقع إلا بعد عشرات من محاولات التبديل والتغيير.
إن التخطيط لمدينة فاضلة كما فعل- الفارابي- أو جمهورية مثالية كما فعل- أفلاطون- أو مدينة مقدسة كما فعل القديس- أوغسطين- أو عالم ساحر كما فعل- توماس مور-.. أمر يسير، يمكن أن يتم بتوفر عوامل الذكاء والطموح والقدرة على التخيل، وغيرها من القدرات النفسية والذهنية.. لكن المشكلة ليست في التخطيط بقدر ما هي في- إمكانية التنفيذ-..
وتلك هي- المعادلة الصعبة- التي سعى الإسلام إلى حلها بإعجاز كبير..
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل