العنوان قصة قصيرة (الحلم)
الكاتب عبد العزيز عطايا
تاريخ النشر الثلاثاء 04-يوليو-1978
مشاهدات 85
نشر في العدد 402
نشر في الصفحة 32
الثلاثاء 04-يوليو-1978
جو مشتعل بنار الشمس، متأجج بلهب لا يطاق، نتج منه ارتفاع في درجة الحرارة؛ فكان الهواء الساخن يهب ويلسع وجوه الواقفين لصق جدار المسجد، تحت ظل كخط ضئيل لا يكاد يثبت؛ بيد أن الوقوف في هذا المكان -مهما كان- أرحم لهم بكثير من الوقوف تحت الشمس نفسها. حقًّا إنها للحظات رائعة ممتعة بالنسبة للجميع، ولكن الحر الشديد يريد فيما يبدو أن يحرم هؤلاء القوم من لذة اللقاء بعد صلاة الجمعة. من المعروف أن بعضهم لا يرى البعض طوال الأسبوع إلا مرة واحدة، هي تلك الفرصة التي ينبغي أن تستغل، والتي تسنح وتسمح لهم بالوقوف قرب المسجد. ولذلك كان الكل حريصًا على أن يكون موجودًا هناك، ما عدا أحدهم بدأ من بينهم مستعجلًا متململًا. كان يضع يده على بطنه بين اللحظة والأخرى. طلب أن يذهب في الحال، ظنوا أنه يشكو من شيء ما. انصرف يجري نحو سيارته. جرى خلفه شخص آخر بعد أن استأذن ملوحًا لهم بيده، ركب معه وقال وهو يغلق باب السيارة:
- كما جئت معك يجب أن أعود معك، كدت تنساني يا يوسف. أدار يوسف المحرك وقال:
- بصراحة نسيت.. لا أكذب عليك.
- ما دفعك إلى الانصراف بهذه العجلة؟
- بدأت أحس بالجوع.. قرصتني معدتي.
- لمحتك تضع يدك على بطنك عدة مرات.
- ضبطتني إذن متلبسًا بالسبب!
- أعتقد أن الحر هو السبب.. نار كما ترى.
- نار جهنم أشد وأقسى.. أعوذ بالله.
- ربنا يرحمنا يوم القيامة.
- اللهم آمين.
- ولكن يجب يا يوسف أن يقدم الإنسان ما يستحق عليه الرحمة.. وإلا فجهنم أولى به.
- هذا صحيح.. صدقت.
- ألن تمر على المخبز؟
ابتسم يوسف ساخرًا من نفسه، قال ولا تزال الابتسامة طافية فوق فمه:
- لولا أنك نبهتني لنسيت.. مع أني في حاجة إلى خبز.
- ومع أنك جائع.
تضاحك الصديقان، واتجه يوسف إلى ناحية المخبز وقال:
- جوع وصداع.. وفي الحقيقة هناك سبب ثالث للنسيان.
- ما هو يا يوسف؟
- فيلم سيذاع في التلفزيون بعد العصر.. يقال إنه فيلم مرح.. من النوع الاستعراضي الراقص.
أطرق صديقه مفكرًا، وكست وجهه سحابة قاتمة وقال:
- من الغريب أننا نصلي الجمعة.. ونتقرب إلى الله.. ونخاف عذابه.. ونطلب النجاة من جهنم.. وفي نفس اليوم نسمح لأنفسنا أن نتفرج على مشاهد متناقضة مع الحقيقة.. أي سخف نعيشه؟!
- لا تكن جامدًا جادًّا إلى هذا الحد.
- أأنت الذي تقول ذلك؟!.. آه يا يوسف من السراب الذي تظنه زينة الحياة.. حياتنا لا تنسجم مع نفسها؛ نعتنق أعز دين ولسنا بمسلمين.
- قد وصلنا إلى المخبز. انتظر سآتيك بما تريد..
هبط يوسف هاربًا من حديث صديقه، أسرع إلى المخبز ولما رجع لزم الصمت كاستمرار للهروب، وانطلق بالسيارة في طرق خلت من حركة السيارات.
لم يطل صمته فقد تذكر منظرًا رآه داخل الفرن، فقال:
- لمحت رجلًا واقفًا قدام النار.. ويستحم في العرق.
نقل صديقه الحوار إلى حديثه السابق حين قال:
- أمثل هذا الرجل يفكر في فيم بعد العصر؟
لم يرد يوسف، سكت تمامًا، وأجاب صديقه كأنه كان يسأل نفسه، ولا يتوقع الإجابة من أحد:
- لا.. لا يفكر في الفيلم الفاضح إلا أصحاب الحياة الخالية من المفهوم السليم لمنطق الدين وروحه.
رماه يوسف بنظرة حائرة، وسأله:
- هل أفهم من ذلك أنك لن تشاهد العرض؟
- نعم.. وبكل وضوح.. حياتنا مصابة بمرض خطير.. ونحن أطباء أنفسنا.. فالعلاج موجود.. وأنت تعرفه.. فليكن يوم الجمعة أكثر الأيام عبادة.. أليست حياتنا كلها عبادة؟!
وفي تلك اللحظة التي ختم فيها صديقه كلامه، وقفت السيارة على جانب الطريق، أمام منزل الصديق فنزل شاكرًا حاملًا خبزه، وأقلع يوسف بذهن مشحون بحديثه، ظل يوسف يفكر فيه إلى أن جاء وقت إذاعة الفيلم، وكان قد تناول طعامه بنفس شغلها التفكير، ولكنه قد استطاع أن يتغلب عليه، بل زاد عن الذي قبل من شدة التفكير.
طفا سؤال خطير على سطح الذهن، لا يجد للسؤال إجابة، أو هو يهرب منه، صيغة السؤال كما وضح له: هل حياته سليمة؟ هز رأسه في النهاية بالنفي، كأنه يعترف في محكمة الذات بأنه متهم. وأحس بمعدته قد تحجرت وتوقفت عن هضم الطعام، وغلبه ذلك الإحساس فشمل نشاطه كله، كأن شيئًا مات في الأعماق يتمنى أن يتوقف ذهنه عن العمل أيضًا لكن هيهات.
صب في جوفه قدحًا من القهوة كمنشط لعله يدرك ما حوله. تنبه إلى أن وقت العصر قد حان، فنهض إلى الصلاة، مر وقت الصلاة كهدنة من التفكير الشديد المشتت. رغب في أن يطول ذلك الوقت، فلجأ إلى تلاوة القرآن. وما كاد ينتهي منها حتى قرر أن يقلع عن شاطئ الشيطان إلى بر الأمان، وأن يوجه حياته من جديد نحو نهج قويم. لا شك أن أشياء كثيرة، وقد تكون صغيرة، في حاجة إلى إعادة نظر، منها على سبيل المثال مشاهدة فيلم بعد العصر، ومنها الجدل في أمور صدر فيها الحكم النهائي من الله.
زال عنه إحساسه بالخمول والكسل، وبدأ جسمه يسترد نشاطه وقدرته على العمل، وكذلك الصداع رحل، وقام يمشي في أرجاء الشقة وجد أبناءه يتفرجون على الفيلم.. استعراض للجنس على مسرح اللهو. لم يأمرهم بمغادرة المكان، وبغلق جهاز التلفزيون، فليبدأ بنفسه أولًا. وهذا أول خطوة فوق الطريق. والخطوات التالية حين ينصح أولاده.. قال أصغرهم:
- أبي.. تعال.. إنه فيلم رائع ومضحك.
وصرح آخر بجنون:
- بطني أوجعتني من كثرة الضحك.
وقالت أمهم الجالسة بينهم:
- أفسحت لك مكانًا يا يوسف.. تعال.. لماذا أنت واقف هكذا.. ألم تسأل عن هذا الفيلم قبل صلاة الجمعة؟
انصرف دون أن ينبس، كأنه صائم عن الكلام، ذهب إلى حجرة نومه، وأغلق بابها حتى لا يصل صوت الممثلين إلى أذنيه، استلقى على فراشه، ولم يلبث أن غرق في نوم هادئ عميق، ورأى يد الصديق فمد يده إليه، وسارا معًا في طريق طويل، متجهين صوب أفق مشرق، وكان الحلم صورة صادقة لواقع حي.. ونام يحلم.
تمت