; المصطفى صلى الله عليه وسلم.. والتربية الأخلاقية (3) العدل والصبر | مجلة المجتمع

العنوان المصطفى صلى الله عليه وسلم.. والتربية الأخلاقية (3) العدل والصبر

الكاتب د. جمال نصار

تاريخ النشر الخميس 01-أبريل-2021

مشاهدات 70

نشر في العدد 2154

نشر في الصفحة 64

الخميس 01-أبريل-2021

تربوي

العدل كان خُلقاً من أخلاقه العظيمة في تعامله مع ربه ومع نفسه والآخرين

لم ينشغل بالدولة وقيادتها والغزوات وكثرتها عن ممارسة العدل بين زوجاته أمهات المؤمنين

صبر على اليُتم والجوع كما صبر على الدنيا بزينتها وزخرفها فلم يتعلق منها بشيء

كان مضرب المثل في سعة الصدر وجليل الصبر وعظيم التجمّل وثبات القلب

أستاذ فلسفة الأخلاق بجامعة إسطنبول صباح الدين زعيم

تناولت في المقالة السابقة بعض الصفات الأخلاقية لسيد البشر سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم (الشجاعة، والحلم)، التي تمثل نموذجاً ربانياً في التعامل مع الآخرين، لتكون لنا نبراساً في حياتنا.

 وفي هذه المقالة نستكمل بعضاً من هذه التربية الأخلاقية التي تربى عليها الحبيب صلى الله عليه وسلم.

خامساً: عَدْله صلى الله عليه وسلم: 

كان العدل ملازماً للرسول صلى الله عليه وسلم في حِلّه وترحاله، فهو يكره التميز على أصحابه، بل يحب العدل والمساواة، وتحمل المشاق والمتاعب مثلهم، فعن عبدالله بن مسعود رضي الله عنه، قال: «كنا يوم بدر كل ثلاثة على بعير، وكان أبو لبابة وعليّ بن أبي طالب زميلي رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: وكانت عقبة (دور) رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالا: نحن نمشي عنك، فقال: «ما أنتما بأقوى مني، ولا أنا بأغنى عن الأجر منكما»(1). 

وكان العدل خلقاً من أخلاقه، ضمن شمائله العظيمة، وصفاته الجليلة، فكان صلى الله عليه وسلم عدلاً في تعامله مع ربه جل وعلا، وعدلاً في تعامله مع نفسه، وعدلاً في تعامله مع الآخرين، من قريب أو بعيد، ومن صاحب أو صديق، ومن موافِق أو مخالف، حتى العدو المكابر، كان له نصيب من عدله صلى الله عليه وسلم، وكيف لا يعدل من خوطب بقول واضح مبين: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُونُواْ قَوَّامِينَ لِلّهِ شُهَدَاء بِالْقِسْطِ وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُواْ اعْدِلُواْ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُواْ اللّهَ إِنَّ اللّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ) (المائدة: 8)، فكان يمتثل أمر الله عز وجل في كل شأن من شؤونه، مع أصحابه وأعدائه، آخذاً بالعدل مع الجميع.

ويعترض عليه القوم ويخطئ في حقه أناس، فلا يتخلى عن العدل، بل يعفو ويصفح، كما في حادثة يرويها أبو سعيد الخدري قال: بعث علي رضي الله عنه وهو باليمن بذهبة في تربتها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقسّمها رسول الله صلى الله عليه وسلم بين أربعة نفر؛ الأقرع بن حابس الحنظلي، وعيينة بن بدر الفزاري، وعلقمة بن علاثة العامري، ثم أحد بني كلاب، وزيد الخير الطائي، ثم أحد بني نبهان، فغضبت قريش، فقالوا: أتعطي صناديد نجد وتدعنا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إني إنما فعلت ذلك لأتألفهم»، فجاء رجل كث اللحية مشرف الوجنتين غائر العينين ناتئ الجبين محلوق الرأس، فقال: اتقِ الله يا محمد، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «فمن يطع الله إن عصيته، أيأمنني على أهل الأرض، ولا تأمنوني؟»(2).

ولم ينشغل النبي صلى الله عليه وسلم بالدولة وقيادتها، والغزوات وكثرتها، عن ممارسة العدل في نطاق الأسرة الكريمة، وبين زوجاته أمهات المؤمنين، فقد "كان يقسم بين نسائه فيعدل ويقول: اللهم هذه قسمتي فيما أملك فلا تلمني فيما تملك ولا أملك"(3)، ومعنى قوله: "لا تلمني فيما تملك ولا أملك" أي: الحب والمودة القلبية.

وعن عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم قالت: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أراد أن يخرج سفراً أقرع بين نسائه، فأيتهن خرج سهمها خرج بها"(4). 

وكان، صلى الله عليه وسلم، لا يرضى تعطيل حدود الله، التي شرعها سبحانه لإقامة العدل بين الناس، ولو كان الجاني من أقربائه وأحبابه، ففي حادثة المرأة المخزومية التي سرقت لم يقبل شفاعة أسامة بن زيد، وقال مقالته المشهورة: "أيها الناس، إنما أهلك الذين قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد، وايـم الله لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها"(5).

وبهذا الخلق العظيم، والأدب الرفيع، استطاع النبي صلى الله عليه وسلم أن يلفت الأنظار نحوه، ويحرك المشاعر والأحاسيس إلى مبادئه العظيمة، ويرسم منهاجاً فريداً لخير أمة أخرجت للناس، تحمل العدل إلى الناس أجمعين، وتبدد به ظلمات القهر والظلم.

سادساً: صبره صلى الله عليه وسلم: 

لقد صبر الرسول صلى الله عليه وسلم وبلغ صبره مبلغاً عظيماً، صبر على اليُتم والفقر، والعوز والجوع، والحاجة والتعب، والحسد والشماتة، وغلبة العدو أحياناً، وصبر على الطرد من الوطن والإخراج من الدار، والإبعاد عن الأهل، وصبر على قتل القرابة والفتك بالأصحاب، وتشريد الأتباع وتكالب الأعداء، وتحزّب الخصوم واجتماع المحاربين، وصلف المغرضين وكبر الجبارين وجهل الأعراب، وجفاء البادية ومكر اليهود، وعتوّ النصارى وخبث المنافقين وضراوة المحاربين، وصبر على تجهّم القريب وتكالب البعيد، وصولة الباطل وطغيان المكذبين. 

صبر على الدنيا بزينتها وزخرفها وذهبها وفضتها، فلم يتعلق منها بشيء، وصبر على إغراء الولاية وبريق المنصب وشهوة الرئاسة، فانصرف عن ذلك كله طلباً لمرضاة ربه، فهو، صلى الله عليه وسلم، الصابر المحتسب في كل شأن من شؤون حياته، فالصبر درعه وترسه وصاحبه وحليفه، كلما أزعجه كلام أعدائه تذكّر (فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ) (طه: 130)، وكلما بلغ به الحال أشدّه، والأمر أضيقه تذكّر: (فَصَبْرٌ جَمِيلٌ)(يوسف: 18)، وكلما راعه هول العدو وأقضّ مضجعه تخطيط الكفار تذكّر: (فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُوْلُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ) (أحقاف: 35).

وعن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: «يا رسول الله، هل أتى عليك يوم كان أشد من يوم أحد؟ فقال صلى الله عليه وسلم: «لقد لقيت من قومك ما لقيت، وكان أشد ما لقيت منهم يوم العقبة، إذ عرضت نفسي على ابن عبد ياليل بن عبد كُلال فلم يجبني إلى ما أردت، فانطلقت وأنا مهموم على وجهي فلم أستفق إلا بقرن الثعالب، فرفعت رأسي فإذا بسحابة قد أظلتني، فنظرت فإذا فيها جبريل، فناداني فقال: إن الله قد سمع قول قومك لك وما ردوا عليك، وقد بعث إليك ملك الجبال لتأمره بما شئت فيهم فناداني ملك الجبال، فسلم عليَّ، ثم قال: يا محمد، إن الله قد سمع قول قومك لك، وأنا ملك الجبال، وقد بعثني ربك إليك لتأمرني بأمرك فما شئت؟ إن شئت أن أطبق عليهم الأخشبين، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: بل أرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله تعالى وحده لا يشرك به شيئاً»(6).

وقد مات عمه فصبر، وماتت زوجته فصبر، وقتل حمزة فصبر، وأبعد من مكة فصبر، وتوفي ابنه فصبر، ورميت زوجته الطاهرة فصبر، وكُذّب فصبر، قالوا له: شاعر كاهن ساحر مجنون كاذب مفتر فصبر، أخرجوه، آذوه، شتموه، سبّوه، حاربوه، سجنوه.. فصبر، فكان، صلى الله عليه وسلم، مضرب المثل في سعة الصدر، وجليل الصبر، وعظيم التجمّل، وثبات القلب، وهو إمام الصابرين وقدوة الشاكرين، صلى الله عليه وسلم.

وللحديث بقية إن كنا من أهل الدنيا.

الهوامش

(1) مسند أحمد، حديث رقم (3901).

(2) صحيح مسلم، حديث رقم (1064).

(3) مسند أحمد، حديث رقم (25111).

(4) صحيح البخاري، حديث رقم (4141).

(5) صحيح مسلم، حديث رقم (1688).

(6) صحيح مسلم، حديث رقم (1795).

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 471

113

الثلاثاء 26-فبراير-1980

باختصار (العدد 471)

نشر في العدد 402

85

الثلاثاء 04-يوليو-1978

قصة قصيرة (الحلم)

نشر في العدد 1117

175

الثلاثاء 20-سبتمبر-1994

استراحة المجتمع- العدد 1117