; الحلم الجميل.. هل يمكن أن يكون واقعًا؟ | مجلة المجتمع

العنوان الحلم الجميل.. هل يمكن أن يكون واقعًا؟

الكاتب أ. د. سمير يونس

تاريخ النشر السبت 15-سبتمبر-2012

مشاهدات 60

نشر في العدد 2019

نشر في الصفحة 58

السبت 15-سبتمبر-2012

جاءتني رسالة عبر بريدي الإلكتروني من فتاة وصفت نفسها بأنها حائرة، تقول فيها: أنا فتاة أبلغ من العمر ثمانية عشر عامًا شغف قلبي حبًا بطبيب أسنان كان يعالجني وأفراد أسرتي، وكانت علاقته قوية بوالدي برغم أنهما لا يربطهما عمل ولا مصلحة. كان يهتم بنا اهتمامًا كبيرًا.. وأصارحك بأنني أحببته حبًا شديدًا، بل قل تعلق قلبي به تعلقًا كبيرًا.. ومنذ عام وأنا أدعو أن يكون زوجي، ولكن زواجي منه أعتقد أنه صعب، لأنه خليجي يقيم ببلده، وأنا وافدة على بلده برفقة أسرتي، كما أنه طبيب وأنا أحمل شهادة الثانوية العامة، وبرغم الفارق المادي والاجتماعي والثقافي، فإنني أعيش حلمًا جميلًا واسعًا كبيرًا، أسبح فيه وأرجو أن يتحقق، أنا في حيرة شديدة، وأرجو أن تساعدني بإسداء نصحك، وأن تجيب عن بعض أسئلتي، وهي:

هل أنا مخطئة في حبي لهذا الطبيب؟ وهل هذه الفوارق التي بيننا وعدم التكافؤ الذي وضحته في رسالتي يمكن أن يؤدي بزواجنا إلى الفشل؟ وهل أنا مخطئة في دعائي بأن ييسر الله لي زواجي من هذا الطبيب؟ وإن كنت أخطأت فماذا أفعل كي أصوب خطئي؟

 إلى هنا انتهت رسالة الفتاة، وواضح من رسالتها أنها حائرة، وأن العاطفة تسيطر عليها وهذه مشكلة لدى كثير من شبابنا وبناتنا فالعلاقة العاطفية هنا غير محسوبة، والقرار الصحيح - وإن كان في أمور عاطفية - ينبغي أن يضبط بالعقل وببعض المعايير المنطقية. ولهذه الفتاة ومثيلاتها أقول:

 بينك وبين الطبيب الذي وقع حبه في قلبك ثلاثة فوارق:

 الفارق الأول: فارق اقتصادي - على ما أظن - لأن الجنسية لا تعد فارقًا، فالعرب جميعًا سواء، بل الناس جميعا سواسية - كما أكد الله - تعالى في كتابه الكريم: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ (الحجرات:13). وكما بين رسول الله ﷺ: «ألا لا فضل لعربي على عجمي، ولا لعجمي على عربي، ولا الأحمر على أسود، ولا لأسود على أحمر إلا بالتقوى، إن أكرمكم عند الله أتقاكم» (رواه البيهقي، وصححه الألباني). 

إذن فالفارق هنا اقتصادي، لأن الطبيب كما ذكرت من أسرة ثرية، ووالدك يكدح ويعمل خارج بلده لينفق على أسرتين حيث ورد في رسالتك أن والدك له زوجة غير والدتك. والمشكلة هنا أن الفارق الاقتصادي الصالح الطبيب وليس لصالحك، ومن ثم فلو أن الوضع كان معكوسًا لما وجدت المشكلة، بمعنى أنه لو كان الطبيب هو الأقل منك في المستوى الاقتصادي، وأحبك فهنا لا توجد مشكلة، لكن المشكلة تكمن هنا في أنك أنت التي أحببتيه وهو الأعلى اقتصاديًا، والقرار ليس بيدك الآن، بل أنت لا تدرين للآن إن كان يحبك أم لا، وليس معنى أنه يعاملكم برقي، ويهتم بكم أنه يحبك، فربما كان ذلك بدافع من خلقه الكريم، وربما كان تعاطفًا.

والفارق الثاني: ثقافي فهو طبيب، وأنت حاصلة - كما قلت في رسالتك - على الثانوية العامة، وجاء كلامك مبهمًا، فلا أدري هل أنت مستمرة في دراستك وستلتحقين بالجامعة؟ أم أنك اكتفيت بهذا القسط من التعليم لظروف والدك وثقل أعبائه وعلى أية حال أستطيع القول: إن كنت مستمرة في تعليمك فيمكنك أن تحققي نجاحا بحسن توكلك على الله، ثم بإرادتك، وفي حالة حصولك على مؤهل عال تكونين بذلك مكافئة للطبيب الذي تتمنينه. أما إن كنت اكتفيت بشهادة الثانوية العامة فقرار الزواج هنا من الطبيب ليس قرارك وليس لك فيه أي نصيب، إنما هو قرار الطبيب وزواج الرجل بزوجة أقل منه ثقافة وتعليمًا لا بأس به دينيًا، ولكن واقع الحياة الاجتماعية ينبئ بفشل أكثر حالات الزواج التي على هذه الشاكلة، فالواقع أن هذا الطبيب ربما يرى رفاقه بعد ذلك وقد تزوجوا بطبيبات أو بزوجات ذوات مستوى ثقافي عال، فربما يندم، أو يحاول تعويض ذلك بإعادة الاختيار، ويتزوج بزوجة ثانية، وهنالك تعيش الزوجة الأولى أزمة نفسية أو اجتماعية.

والفارق الثالث نفسي، على ما أعتقد: وإن كنت لم تنتبهي أنت إليه، وهو فارق يغيب عن ذهنك وتفكيرك، ولا تعلمين عنه شيئا لأن صاحبه لم يفصح عنه لك ولا لغيرك وصاحبه هو الطبيب الذي شغفت به حبًا - على حد قولك - والتكافؤ النفسي من أهم مقومات نجاح الزواج، برغم أنه يظل خفيًا على عكس التكافؤ الاقتصادي والاجتماعي والعمري والثقافي والتكافؤ النفسي قوي التأثير، لدرجة أنه أحيانًا يغني الزوجين عن التكافؤات الظاهرة المذكورة آنفًا. وهذا التكافؤ النفسي - كما أشرت أنا من قبل - لا يمكن أن نطلع عليه إلا من خلال التصريح الصادق من قبل الطبيب بأنه يحبك، شريطة أن يرافق هذا التصريح مشاعر وأحاسيس وسلوكيات وتصرفات وتضحيات صادقة من الشريك الثاني.

التوافق المطلوب

الزواج شراكة حقيقية بين شريكين، ويفضل أن تقوم هذه الشراكة على قبول كلا الشريكين للآخر، وأن يرضى كل منهما بالآخر، ويكون مقتنعًا به والتكافؤ لا يعني التطابق بين الزوجين، ولكنه يعني التقارب في الرأي والفكر، والتفكير والوجدان، والعواطف والمشاعر، وتقارب الأهداف والالتزام بالعبادات والطاعات والعلاقة بالخالق سبحانه وتعالى والعلاقات الاجتماعية والعادات والتقاليد والأمور الاقتصادية والوضع المهني. 

فتطابق الزوجين في هذه الأمور كلها ضرب من المستحيل، ومن ثم فينبغي لكلا الشريكين أن يقنع بالتقارب لا التطابق بينه وبين شريكه.

والتكافؤ في الدين والخلق هو الذي ينبغي أن يحرص عليه الشريك في شريكه، لقوله ﷺ: «إذا خطب إليكم من ترضون دينه وخلقه فزوجوه إلا تفعلوا تكن فتنة في الأرض وفساد عريض» (رواه الترمذي وابن ماجه والطبراني والحاكم وابن حبان. وهو وإن كان ضعيفًا لكن معناه قوي ومعلوم).

وكذلك لقول النبي ﷺ: «تنكح المرأة لأربع: لمالها، ولحسبها ولجمالها ولدينها، فاظفر بذات الدين تربت يداك». (رواه البخاري ومسلم).

التوافق المجهول

رسالتك لم توضح موقف الطبيب منك ومدى تحقق التكافؤ - من وجهة نظره - بينكما، ومن هنا يصعب الحكم على مدى نجاح الزواج بينكما، لأن التوافق بينكما من وجهة نظره لا يزال مجهولًا لديك ولدي كذلك. وبالإضافة إلى ذلك هناك أمر مهم ينبغي أن تضعيه في حسبانك، وهو أن رؤيتك أنت الآن لزواجكما وقناعتك به ربما تتغير في المستقبل القريب أو البعيد. فقناعات الإنسان منا تتغير بتغير الزمن والظروف المحيطة بالإنسان صاحب هذا القرار، فما يرضيك اليوم وتقتنعين به ربما لا ترضين به غدًا، وكلما كبرت وازددت من خبرات الحياة ومهاراتها أدركت أن كثيرا من قراراتك - أو بعضها - اتخذت في عجالة، وربما قلت في نفسك لو استقبلت ما استدبرت لتغيرت قراراتي، فالإنسان لا يعرف أين الخير، وقد يتوق إلى شيء ظنا منه أنه له خير وتكون الحقيقة عكس ذلك، وذلك لأن الإنسان كان عجولًا. قال تعالى: ﴿وَيَدْعُ الْإِنسَانُ بِالشَّرِّ دُعَاءَهُ بِالْخَيْرِ ۖ وَكَانَ الْإِنسَانُ عَجُولًا﴾ (الإسراء:11).

كما لم تشيري في رسالتك إلى سن الطبيب الذي تحبينه، وهو من عناصر التكافؤ المهمة، فقد يرضى الشريك بشريكه رغم فارق السن الكبير بينهما في وقت ما، ويضحي من أجله ثم بعد حين من الزمن تبرز الاختلافات والتباينات والتفاوتات في الميول والحاجات والمتطلبات والرؤى والتوجهات مثلما يحدث بين زوج مسن وزوجة صغيرة، فقد يصل الزوج المسن إلى مرحلة تكمن فيها رغباته ونزواته بينما تكون الزوجة في أوج حيويتها، وتلح عليها رغباتها وحاجاتها العاطفية والجسدية كي تشبعها، فتودع مرحلة التضحيات والتنازلات وتدخل مرحلة أخرى تتعارض فيها حاجات كل من الزوجين، ويدخل الزوجان مرحلة حسابات الأرباح والخسائر، ويبدو كل منهما أمام الآخر معوقًا لحياته وسعادته نظرًا لتفاوت الحاجات، والميول، والمتطلبات، والرغبات.

الآثار السلبية لعدم التكافؤ

يبدأ صراع جديد بين الزوجين، وقد يشعر الطرف الأعلى بالتعالي، بل يعير شريكه بأنه أفضل منه، سواء أكان ذلك تلميحًا أم تصريحًا، وربما لا يتعالى الطرف الأعلى ولكن الطرف الأقل تكون لديه حساسية، ويبالغ في تفسير أقوال شريكه وتصرفاته، نتيجة نقص الثقة بالنفس لدى الطرف الأقل من حيث الكفاءة. 

عدم التكافؤ والحرب الزوجية الباردة

فهناك تصرفات وتلميحات ونظرات قد تكون طبيعية من قبل الزوج الأعلى مستوى ولكنها تقابل بردود فعل نفسية خطأ من قبل الطرف الأدنى، فقد يتصور أن شريكه الأعلى مستوى يسخر منه، أو يتعالى عليه وقد تصل ردود الفعل لأمراض نفسية تصيب الطرف الأدنى، مثل حب الانتقام للكرامة والكبرياء، وهنالك تفشل الحياة الزوجية وربما تنتهي بطلاق بل تنعكس سلبًا على الأولاد الأبرياء، بعد أن تتحول الحياة الزوجية إلى حرب باردة بين الزوجين.

 الإجراءات العملية لاتخاذ قرارك

بنيتي الغالية، أنت الآن أمام طريقين أضعهما أمامك لتختاري ما يناسبك حتى تستريحي من عناء التفكير في أمرك، وحتى لا تندمي في المستقبل على فقدان هذه الفرصة ولا تتهمي نفسك بتضييعها. 

المسلك الأول: أن تفاتحي والدك في الأمر أو والدتك، وما دامت العلاقة قوية بين والدك وبين الطبيب فيمكن لوالدك أن يستطلع وجهة نظر الطبيب في ذلك، ولا عيب في ذلك، فقد كان الصالحون قديمًا يختارون أزواجًا لبناتهم، ويعرضونهن على الرجال الذين يتوسمون فيهم الصلاح، كما على والدك هنا أن يتعرف على أسرة الطبيب لأن الزواج لا يقتصر على ارتباط فردين واقترانهما كزوجين، بل يتجاوز ذلك فيصير مصاهرة بين أسرتين.

والمسلك الثاني: أن تتركي هذا الأمر وتريحي نفسك من عناء التفكير فيه، لعدم التكافؤ بينكما، ولتفريغ ذهنك وجهدك لإكمال دراستك، وخاصة أن التكافؤ بينكما غير موجود، وخاصة التكافؤ العاطفي الذي به نتغلب على جوانب التكافؤ الأخرى، فأنت للحين لا تدركين: هل الطبيب يحبك أم لا؟ هل يريدك ويرغب فيك أم لا؟ غير مفيد أن تكوني متيمة به وهو لا يشعر بك ولا يبادلك هذه المشاعر. وهذا المسلك هو ما أفضل أن تسلكيه في ظل المعطيات التي وردت في رسالتك، مع تمنياتي لك بالسعادة في دنياك وآخرتك.

الرابط المختصر :