العنوان الحملة الأمريكية على العراق.. والأهداف التي غيرت قواعد اللعبة
الكاتب إبراهيم علي درويش
تاريخ النشر الاثنين 16-ديسمبر-2002
مشاهدات 60
نشر في العدد 1527
نشر في الصفحة 38
الاثنين 16-ديسمبر-2002
- ماذا لو سارت الأمور بعكس ما تخطط له إدارة بوش كأن تبدأ الحرب ثم تتحول إلى استنزاف للقوات الأمريكية على المدى الطويل؟
تطورات هذه الأزمة مازالت بين شد وجذب بين تسخين وتبريد للمواقف، بين اصطفاف وراء أمريكا وانفضاض عنها .. تحالفات تقام وتهدم أخرى.. تخلق ذرائع أو تبدد.. إنها باختصار تغير قواعد اللعبة السياسية بين القط والفار، أو بين الذئب المتربص والحمل.. ولكن يبقى للولايات المتحدة هدف واحد هو الهيمنة والمزيد من الهيمنة!
إدارة الرئيس بوش تتباكى على الشرعية الدولية، وحقوق الإنسان وحقوق الأقليات في العراق ومصير المفقودين، وبناء عالم يسوده السلام، وينتقي منه الإرهاب والإرهابيون.
وهي تسعى إلى القضاء على مصادر التهديد للأمن القومي الأمريكي ولأمن الشرق الأوسط والعالم، والتهديد يتمثل في وجود صدام حسين في هرم السلطة في العراق، بالرغم من أن الواقع الذي يدركه الناس أن ما يجري الحديث عنه لا وجود له على صعيد الواقع، وإنما هي قنابل دخانية يراد من ورائها تحقيق جملة من الأهداف فما هي يا ترى؟
لتبسيط العرض، يمكن تقسيم هذه الأهداف إلى أهداف داخلية وإقليمية وعالمية:
أ. الأهداف الداخلية:
- التغطية على الفضائح المالية التي كشفت عن فساد الإدارة المالية وسوء إدارة الشركات الاستثمارية وزيف الأرباح التي تحققها، وما نتج عنها من إعلان شركات عملاقة عن إفلاسها و اهتزاز ثقة أصحاب رؤوس الأموال في إمكانية استثمار أموالهم في الولايات المتحدة.
- صرف الأنظار عن تورط كبار مسؤولي الإدارة الأمريكية في تلك القضايا، لا سيما نائب الرئيس ديك تشيني.
- محاولة إنعاش الاقتصاد الأمريكي الذي يعاني من الركود وتدهور قيمة الدولار، ومن ازدياد نسبة البطالة
- إعادة الاعتبار لهيبة أمريكا التي اهتزت كثيرًا، من جراء الإخفاق في تحقيق أهدافها في افغانستان والفلبين وغيرهما.
- العمل على كسب أصوات الناخبين في الانتخابات النصفية بتحقيق انتصار سهل وسريع وهو ما حدث بالفعل قبل أيام.
ب. الأهداف الإقليمية:
- ضمان أمن إسرائيل، والقضاء على كل ما من شأنه تهديد وجودها واستقرارها وسيطرتها بل تفوقها النوعي على دول المنطقة مجتمعة.
- ضمان تدفق النفط إلى الأسواق الغربية بالسعر الذي تحدده الولايات المتحدة، والقضاء على كل تهديد لهذا التدفق الأمن والمستمر.
- السيطرة المطلقة على الإرادة السياسية والثروات في المنطقة، والقضاء على كل صوت معارض للهيمنة الأمريكية.
- إضعاف العراق وتهميش دوره في الصراع العربي - الإسرائيلي بالعمل على تقسيمه إلى كيانات طائفية وقومية هزيلة، أو إبقائه في وضع مهلهل مضطرب يربط بين أجزائه وأقاليمه نظام فيدرالي أو كونفيدرالي فضفاض.
- فرض اتفاقية «سايكس بيكو» جديدة على المنطقة، بهدف الإمعان في تمزيقها وشرذمتها.
- العمل على حل المشكلة الفلسطينية من جذورها بإسكان الفلسطينيين في الأردن وتحويله إلى الوطن البديل لهم، أو في بعض مناطق العراق.
- العمل على حل المشكلة الكردية بإيجاد صيغة ترضي طموحات الأكراد - إلى حد ما – من جهة ولا تهدد الأمن القومي لتركيا حليفة الولايات المتحدة من جهة ثانية وربما تعمل السياسة الأمريكية على إقامة دولة كردية تابعة لها تكون مصدر قلق وصراعات بين دول المنطقة على مدى عقود مقبلة، لاسيما وأن معظم أنهار المنطقة - الشريان الحيوي وعصب الحياة لشعوبها - تنبع من کردستان، وهذا الاحتمال وارد بقوة إذا ما ترجح لدى الولايات المتحدة وصول التيار الإسلامي في تركيا إلى سدة الحكم بقصد خلق متاعب سياسية له، واستخدام مشكلة المياه سلاحًا ضد سورية والعراق خلال السنوات القادمة.
- تطويق سوريا وتحجيم دورها وتركيعها أمام السياسات الأمريكية الصهيونية، ودفعها باتجاه توقيع ما يسمى باتفاقية السلام مع إسرائيل، وإجبار القوات السورية على الانسحاب من لبنان، وربما محاسبة رموز السلطة في سورية على دعم حزب الله والمنظمات الفلسطينية المعارضة لاتفاق أوسلو، التي تتخذ من دمشق مقرًا لها، وما «مشروع قانون محاسبة سورية»، الذي يبحث في هذه الأيام في الكونجرس الأمريكي إلا الخطوة الأولى في هذا الاتجاه، لاسيما وأن التهم جاهزة وأهمها: دعم المنظمات الإرهابية، وتمكين العراق من بيع نفطه عبر الموانئ السورية خارج إطار اتفاق النفط مقابل الغذاء وتهريب أسلحة إلى العراق عبر الموانئ السورية أيضًا، ومحاولة تطوير أسلحة الدمار الشامل.. إلخ من الاتهامات المفبركة.
- إحكام تطويق إيران من الغرب، بعدما تطوقت من مختلف الجهات بحيث يصبح مفاعل بوشهر النووي الإيراني تحت أنظار الأمريكيين وفي مرمی مدفعيتهم، وإيجاد الذرائع للتدخل في شؤون إيران الداخلية ودعم اتجاهات ضد أخرى إلى أن ترتمي إيران في أحضان الأمريكيين أو تتهيأ الظروف المناسبة لاجتياحها هي أيضًا أسوة بجارتيها العراق وأفغانستان وبذلك تتم السيطرة الأمريكية على منابع النفط في الخليج والعراق وإيران وحوض بحر قزوين وأسيا الوسطى، وهذا ما تعمل له الولايات المتحدة، سواء أعلنت ذلك أم موهت على هذا الهدف بقضايا أخرى للاستهلاك الإعلامي، مثل مكافحة الإرهاب والقضاء على الدول الداعمة له أو منع انتشار أسلحة الدمار الشامل.
- العمل على الإطاحة بأنظمة وإحلال أنظمة ووجوه جديدة.
- العمل على تدجين التيارات العربية والإسلامية وتقليم أظافرها وتفويت الفرصة لتحقيق أهدافها وبرامجها السياسية، بجعلها تنخرط في لعبة التنافس على الكراسي والمناصب المؤقتة، ومن ثم استهلاكها وإنهاء دورها.
- قولبة شعوب المنطقة بالقالب الأمريكي من حيث بث القيم والثقافة والعادات والتقاليد الأمريكية بينها.
ج. الأهداف العالمية:
- القضاء على أي منافس أو معوقات لسياساتها الدولية بعد إحكام القبضة على الشرق الأوسط، وتهميش دور الدول الأخرى – لاسيما الکبرى منها أو تجاوزه.
- التحكم في العالم الصناعي، من خلال الحكم بموارد النفط في المنطقة واحتكار هذا العنصر الاستراتيجي، بما يتلائم وعدم تفوق الدول المنافسة لها، مثل اليابان والاتحاد الأوروبي وغيرهما.
- فرض الرؤية الأمريكية لحل الأزمات والمنازعات ومصادر التهديد على العالم، وتهميش أو تجاوز دور الأمم المتحدة ومجلس الأمن إذا تعارض هذا الدور مع الأهداف والسياسات الأمريكية كما هو الشأن مع المسألة العراقية.
ولكن ماذا لو.؟
ماذا لو جرت رياح الحرب بما لا تشتهي أمريكا؟ وسارت الأمور بعكس ما تخطط لها إدارة بوش كأن تطول الحرب وتتحول إلى استنزاف للقوات والقدرات الأمريكية على المدى الطويل أو أن يلجأ صدام إلى استخدام كل ما لديه من أسلحة بما فيها أسلحة الدمار الشامل - ضد إسرائيل والقوات الأمريكية الغازية، ومن ثم تتكبد القوات الأمريكية خسائر في الأرواح، وتقع خسائر بشرية في صفوف المدنيين العراقيين، وتلحق بالعراق خسائر فادحة أو تدمر بنيته التحتية كلها دون تحقيق نصر حاسم وسريع، وما يترتب على ذلك من تحرك شعبي عربي وإسلامي، يقلب الحسابات والمعادلات ويهز أنظمة حليفة؟ أو أن تلجأ إسرائيل إلى استخدام أسلحة الدمار الشامل - وبخاصة النووي - ضد العراق، وانعكاسات ذلك على العراق ودول المنطقة، بل على الدول البعيدة أيضًا مثل روسيا وباكستان والهند وغيرها.
هل تكتفي هذه الدول بموقف المتفرج؟ أم أن ذلك سيجر إلى حرب أوسع؟ أسئلة كثيرة ينبغي أن ترد على بال الاستراتيجيين والمخططين لعدوان كهذا ويهينوا لها إجابات شافية مقنعة.
ولا مبالغة فيما نذهب إليه من توقع رد فعل عراقي قوي على الهجوم المتوقع، فقد منحت سياسة بوش الإعلامية والدعائية بهذا الصدد النظام العراقي فرصة تاريخية للاستعداد للحرب واستكمال استحضاراته لها، إذ يجري التحضير لها وتحديد الهدف منها منذ أشهر إن لم نقل منذ نحو سنة، وهذا الأمر بحد ذاته يثير التساؤل حول مغزى إطالة فترة التهيؤ للحرب من جانب الخصم. مع أن المباغتة والمفاجأة والحيلولة دون تمكين الخصم من الاستعداد وبناء قدراته الدفاعية.. من أهم عوامل النصر!
صراع دبلوماسي
وسط هذه الظروف المشحونة بالترقب والتوتر والحرب النفسية تلجأ كل من الولايات المتحدة والعراق إلى كسب المؤيدين أو تحييد فرقاء أو التقليل من المعارضين من أجل كسب المعركة الدبلوماسية والسياسية والرأي العام العالمي فقد لجأت الولايات المتحدة ومعها بريطانيا وإسرائيل إلى التضخيم المبالغ فيه إلى حد الغثيان من قدرات العراق العسكرية، لا سيما في مجال إنتاج وتطوير أسلحة الدمار الشامل، وأن النظام العراقي يهدد دول المنطقة بل يهدد العالم أجمع بالرغم من أن الجميع يعلم أن لجان التفتيش الدولية خلال ثماني سنوات متواصلة( ۱۹۹١ – ۱۹۹۸) نبشت أرض العراق شبرًا شبرًا ، ودمرت كل ما بحوزته من أسلحة كيماوية وبيولوجية والمعدات التي لها صلة بإنتاجها، كما يعلم الجميع بمن فيهم بوش وبلير، أن لجان التفتيش أنجزت ۹۸٪ من مهامها في العراق أي أن العدل والإنصاف يقتضيان أن تبادر الأمم المتحدة، إلى رفع ما نسبته ۹۸٪ من الحصار المفروض على العراق أيضًا، ولكن من قال إن العدل والإنصاف هما اللذان يحكمان العلاقات الدولية!
تفويت الفرصة
إزاء هذه العنجهية الأمريكية ولا مبالاتها بالشرعية الدولية قبلت دول كثيرة بالابتزاز الأمريكي، وأبدت استعدادها لتأييد قرار شن حرب على العراق إذا جاء القرار من مجلس الأمن الدولي لا سيما أن الدول الدائمة العضوية في المجلس وبخاصة فرنسا وروسيا والصين، غير مستعدة لاستخدام حق الفيتو، ضد التوجهات والرغبات الأمريكية والبريطانية أو التصرف بما يضر بمصالحها.
إزاء ذلك لم يكن أمام العراق الذي اصطف العالم كله - نظريًا - ضده إلا أن يوافق على دخول المفتشين الدوليين أراضيه واستئناف عملهم، الأمر الذي خلط الأوراق السياسية الأمريكية وأصاب «صقور» البيت الأبيض بصدمة، وجعلهم يصرحون بأنهم سيبذلون قصارى جهدهم في سبيل ألا تستأنف لجان التفتيش الدولية عملها، وأنه سواء وافق العراق على استئناف اللجان عملها بدون قيد أو شرط أم لم يوافق، فإن واشنطن ماضية في خططها الرامية إلى ضرورة تغيير النظام السياسي العراقي.
العراق بموافقته غير المشروطة على عودة لجان التفتيش استطاع كسب المعركة السياسية وخلخلة «التحالف الدولي» ضده، بل وإعادة القضية إلى المربع الأول من لعبة الشد والجذب، وجعل فرنسا وروسيا وغيرهما تعتقد أن لا حاجة لإصدار قرار آخر من مجلس الأمن إزاء العراق، مما جعل بوش يهدد ويتوعد ويعلن أن مجلس الأمن إن لم يصدر قرارًا يخوله ضرب العراق، فإن حكومته ستتصرف منفرد.
سيناريو الأزمة في ضوء المعطيات
في ضوء المعطيات الحالية للأزمة وتطوراتها ونتيجة للضغط الأمريكي الهائل. ربما يصدر قرار أممي يؤكد حرية لجان التفتيش، وعلى الصلاحيات الواسعة الممنوحة لها، وضرورة تمكينها من دخول أي موقع في العراق وفي أي وقت مع التحذير الشديد للعراق في حال تلكنه أو تبرمه أو عدم تعاونه الكامل مع هذه اللجان من مغبة شن حرب عليه دون إنذار مسبق.
وخلال عمل هذه اللجان، ويوحي وتحريض من الحكومة الأمريكية ستعمل هذه اللجان أو بالأحرى بعض أفرادها، إذا كانت على غرار اللجان السابقة مرتبطة بالمخابرات الأمريكية ستعمل على افتعال أزمات وإيجاد ذرائع ومسوغات للإدارة الأمريكية التي ستستمر في حشودها لضرب العراق، بذريعة تنفيذ قرارات مجلس الأمن ذلك لأن الإدارة الأمريكية بانت تدرك أن أي هجوم خارج إطار الأمم المتحدة معناه عدم حصوله على تأييد دول المنطقة وفتح بوابة جديدة من بوابات العداء لها وكراهيتها في العالم، الأمر الذي قد يؤدي إلى قيام تحالفات معادية لها.
كما أن هجومًا -خارج إطار الأمم المتحدة- يمكن تفسيره في العالم العربي والإسلامي على أنه حرب صليبية صهيونية ضد العرب والمسلمين لاسيما إذا دخلت إسرائيل طرفًا فيه وبالتالي ازدياد احتمالات تحول قطاعات واسعة من شعوب المنطقة إلى قاعدة لشن هجمات على المصالح الأمريكية والغربية كما أن مثل هذا الهجوم سيجعل حكومات عربية وإسلامية على مفترق طرق! إما السير وراء أمريكا علانية في مواجهة شعوبها، أو الالتحام بشعوبها. أم أن ثمة خيارًا آخر يقوم على إعادة النظر في قرار الحرب التي إن عرفت بدايتها، فإن أحدًا لا يستطيع أن يتكهن بما ستسفر عنه من خراب ودمار على امتداد العالم.