; الحملة على الإسلام في أنجولا .. الدوافع وطرق المواجهة | مجلة المجتمع

العنوان الحملة على الإسلام في أنجولا .. الدوافع وطرق المواجهة

الكاتب محمد سعيد باه

تاريخ النشر الأحد 01-ديسمبر-2013

مشاهدات 102

نشر في العدد 2066

نشر في الصفحة 50

الأحد 01-ديسمبر-2013

  • ما يواجهه المسلمون في أنجولا هو تتويج لسلسلة ممتدة عبر تاريخ طويل من الاضطهاد كان أبرزها في عام٢٠٠٦م
  • الخلفية الماركسة للنظام السياسي التي ترتكز على رفض الأديان تعد سببًا رئيسًا لتلك الحملة

تناقلت وسائل الإعلام العالمية ما اعتبر حملة شرسة ومفاجئة على الوجود الإسلامي في جمهورية  »أنجولا»، متركزة على أهم رموز الإسلام المتمثل في المساجد، مع تصعيد هذه الحملة إلى مستوى حظر الإسلام في كافة تراب البلاد(1)، وهي الحملة التي اثارت غضبًا عارمًا، وقوبلت بردود فعل واسعة في العالم الإسلامي، شاركت فيها كبرى المنظمات الإسلامية، مثل: الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين، ومنظمة التعاون الإسلامي.

رغم التصريحات المكذبة لما ورد في هذه التقارير الإعلامية، فإننا نملك الآن من المعطيات الميدانية ما يمكن الاعتماد عليه أولًا، لاعتبار هذه الأخبار المتداولة صادقة، وبالتالي إمكانية بناء مواقف عليها، ومن أهم المصادر الموثوقة التي اثبتت وجود حملة تستهدف الإسلام والمسلمين في أنجلا، من خلال عدد من المؤشرات، التصريح الذي ادلى به السيد  »داود البرت جا». رئيس  »الجالية الإسلامية في انجولا«

(o pais angola) الموقع الناطق بالبرتغالية، واكد فيه هدم بعض المساجد، ثم اشار إلى وجود مخطط لهدم نحو(٦٠) مسجدًا.

لفهم أبعاد هذه القضية، وبالتالي الوصول إلى تصور لمواجهة هذه الحملة التي يمكن أن تشكل سابقة خطيرة على مستوى القارة ما لم تجابه بحزم، نحتاج إلى جمع بعض خيوطها، من خلال عرض صورة عن الوضع العام للإسلام في أنجولا، والملابسات الإقليمية التي لها تأثير فيما يجري، ليس في أنجولا وحدها، وإنما في بلدان مجاورة، أو قريبة كذلك، مثل: ناميبيا، ورواندا، والكونغو الديمقراطية(٢).

الوجود الإسلامي..تاريخه وروافده من الناحية التاريخية، تعتبر أنجولا من البلدان الأفريقية التي تأخر وصول الإسلام إليها، رغم أنه كان منتشرًا في العديد من بلدان المنطقة التي نجد فيها أقليات إسلامية معتبرة، مثل: الكونغو، وجنوب أفريقيا، وزامبيا، فضلا عن عراقة الوجود الإسلامي في بعض هذه البلدان والذي يعود إلى مئات السنين.

وفقًا لمصادر مطلعة وذات مصداقية عالية، استطعنا الاتصال بها، فإن أول دخول معتبر للإسلام إلى أنجولا يعود إلى الستينيات من القرن الميلادي المنصرم، بفضل الأنجوليين العائدين من جمهورية الكونغو الديمقراطية »زائير سابقًا« الذين جاؤوا يحملون العقيدة الجديدة التي اعتنقوها في أرض اللجوء، ثم طفقوا ينشرونها، ولكن بصورة محدودة، بسبب قلة معرفتهم بالإسلام، وعلى أيدي هؤلاء تم بناء أول مسجد في العاصمة »لواندا.«

لكن عامل الهجرة هو الذي سيشكل الرافد الرئيس لدخول الإسلام بقوة إلى أنجولا لأكثر من سبب؛ أولًا باعتبار أن أغلبية المهاجرين الذين توافدوا، حتى أيام كانت حرب التحرير على أشدها، هم مواطنو دول غرب أفريقيا عمومًا، والسنغال، وغينيا كونا كري، ومالي، على وجه الخصوص، وهي الدول التي تتميز بالكثافة الإسلامية، وعندما وضعت الحرب أوزارها، تسارعت وتيرة الهجرة إلى البلاد، وقبل ذلك، كانت الثروات الطبيعة تشدهم وعلى رأسها الماس.

رغم القيود الشديدة التي فرضتها الحكومة جوزيه إدوار دو سانتوش» رئيس أنجولا الأنجولية المركزية لضبط حركة الهجرة، فإن المهاجرين قد استطاعوا التسلل إلى البلاد قادمين من جمهورية الكونغو الديمقراطية المجاورة، حيث كانوا يسكنون منذ عقود.

تعثر محاولات تعميق الوجود الإسلامي شكلت هذه الموجة من المهاجرين المسلمين، الرافد الأساس لدخول الإسلام إلى أنجولا وانتشاره فيها بسرعة كبيرة قبل أن تأتي روافد أخرى من مهاجرين آخرين من بلدان أفريقية أخرى ومن آسيا، ثم بدأ الأنجوليون يعتنقون الإسلام على نطاق أوسع وبوتيرة أسرع كذلك، كما يدل على ذلك عدد من المؤشرات، مثل اتساع تيار بناء المساجد التي قفز عددها في العاصمة من مسجدين في عام (٩٤) إلى (٢٠) مسجدًا اليوم، مع ملاحظة أنها في الواقع بمثابة مراكز إسلامية، لما تضمه من نشاط متنوع، من تعليم، ورعاية اجتماعية، في الوقت الذي بلغ فيه تعداد المسلمين حوالي مائة ألف نسمة على أقل تقدير، وهو ما جعل المسلمين أكثر الطوائف الدينية نموا في أنجولا .

في الوقت الذي كان فيه الوجود الإسلامي يتقوّى في أنجولا، حاول عدد من القيادات الإسلامية التي أفرزها الواقع الاجتماعي تنظيم حياة الجالية الناشئة ببناء المساجد، والاهتمام بتعليم أبناء الأنجوليين، إما محليًا، وإما بإرسالهم إلى البلدان الإسلامية في أفريقيا والعالم العربي وخاصة السودان، حيث استقبل المركز الأفريقي الذي تحوّل إلى الجامعة الإفريقية الإسلامية عددًا منهم .

وقد حاول المسلمون استخلاص بعض الحقوق العامة، كما واكب ذلك جهد لتأطير المسلمين ضمن هيكل يحظى بصبغة رسمية، ويستطيعون من خلاله مخاطبة المسؤولين، والدفاع عن مصالحهم المشتركة.

بدأت هذه المحاولات بتأسيس عدد من التجمعات، كان من أبرزها جمعية إسلامية أطلقوا عليها اسم «سس لانج»  »المجموعة المسلمة في أنجولا«، وفي مرحلة تالية تم إنشاء «كويا»  »الجالية الإسلامية في أنجولا«، وقد تأسست في عام ٢٠٠٦م، والتي يرأسها السيد «داود ألبرت جا»، الذي ينتمي إلى الأنجوليين الأصليين الذين اعتنقوا الإسلام، ومن كبار الموظفين في وزارة الداخلية، ضمن عدد بدأ يتنامى من الكوادر الإسلامية في السلكين المدني والعسكري.

جذور الحملة على الإسلام فيما يتعلق بالدوافع الكامنة وراء هذه الموجة من العداء السافر للمسلمين في هذا البلد، الذي استفاد كثيرًا - ماديًا ومعنويًا - من دعم عدد من البلدان الإسلامية خلال صراعه مع البرتغال، نشير هنا إلى كل من ليبيا، والجزائر، والسنغال. لكن ثمة عددا من العوامل تضافرت لتخلق المناخ المناسب لشن هذه الحملة من المداهمات، واتخاذ القرارات التعسفية، التي لا شيء يبررها على الإطلاق، وقبل عرض أهم هذه العوامل، نشير في عجالة إلى أن هذه الحملة ليست وليدة اليوم، وإنما جاءت لتتوج سلسة طويلة من الممارسات العدائية ضد الإسلام وأهله في أنجولا، وصل في بعض الحالات إلى مستوى الاضطهاد الديني، من قبيل منع المسلمين من ممارسة شعائرهم الدينية وعلى رأسها الصلاة، فضلًا عن رفض إعطاء تراخيص لبناء مساجد لهم في بعض الأماكن، وصولا إلى ترحيل بعضهم من البلاد لدوافع دينية بحتة.

وفي فترة سابقة، وبالتحديد في العام ٢٠٠٦م، بلغت هذه الممارسات القائمة على التمييز الديني ضد المسلمين، درجة جعلت المفوضية السامية الأمم المتحدة لحقوق الإنسان تصدر تقارير حول ما يتعرض له المسلمون في أنجولا من انتهاكات لحقوقهم.

وقد أسفرت الحملات الإعلامية التي شهّرت بهم في تأليب خطير ضدهم، كما زعمت الأبواق الدعائية- التي تقف خلف هذه الحملة المركزة - وجود علاقة بين الجالية والإرهاب، وهي دعوى ارتكزت على عدد من المعطيات تم تحويرها لتخدم غرضا في نفوس من لفق هذه التهمة، من أهمٍ ذلك، دخول مجموعة من الصوماليين البلاد مؤخرًا، مع ربط ذلك بالهجوم الذي تعرّض له المركز التجاري في «نيروبي» منذ أسابيع خلت.

أما أبرز العوامل وراء تغذية روح العداوة المتأججة هذه، فنجدها في العوامل الرئيسة التالية:

أولًا : الخلفية الماركسية للنظام السياسي القائم في أنجولا، والتي تقوم على ركيزة معاداتها للدين عمومًا والإسلام على وجه الخصوص، وهو التوجه الذي كان واضحًا في سياسات وأدبيات حركة «أمبيلا» التي جاءت بالرئيس الحالي «جوزيه إدوار دو سانتوش» إلى سدة الحكم.

ثانيًا: النحل الكنسية المختلفة التي ترى في تنامي الوجود الإسلامي، واتساع دائرته إلى مناطق جديدة، عامل تهديد لهيمنتها على الحياة العامة في أنجولا منذ عدة قرون، منذ أن جاءت إلى القارة ومهّدت للاحتلال المسلمون لا تتجاوز نسبتهم، حسب أعلى التقديرات ٢٪ من إجمالي السكان، بينما تنزل إحصاءات أخرى تقديرية بالرقم إلى النصف أي حوالي ١٠٠ ألف نسمة من السكان البالغ حوالي١٨ مليونًا، لكن الوضع الديني أعقد من هذا بكثير، حيث تتحدث الأرقام الرسمية بوجود حوالي ٢٠٠ طائفة دينية في البلاد.

الموقع الجغرافي

تقع أنجولا في الجزء الجنوبي من وسط القارة الأفريقية، وبمساحة إجمالية تصل إلى ١٩٦٧٢٣ كلم ٢ (٧٦) ألف ميل مربع، وتحيط بها كل من جمهوريات الكونغو الديمقراطية شمالًا وشرقًا، و«ناميبيا » شرقًا، و«زامبيا «جنوبًا، بينما يحدها المحيط الأطلسي من الجهة الغربية.

الخارطة الدينية

التركيبة السكانية في أنجولا تتميز بتعدد المكونات العرقية، وأهم مجموعة عرقية هي ال: » بانتو» الذين يمثلون أغلبية سكان هذه المنطقة، وتقدر نسبة أكبر قبائلها «أفبندو« بحوالي ٣٥٪، ثم تأتي بعدها قبيلة «البند » التي تمثل نسبة ٢٥٪ من إجمالي السكان، كما توجد في البلاد أقليتان، هما أقلية «الخلاسيين»، والأقلية الأوروبية التي استوطنت البلاد والأغلبية الساحقة منهم من البرتغاليين.

الطائفة الكاثوليكية تقدر أعداد أتباعها اليوم بأكثر من ٥٠٪ من إجمالي السكان، وتأتي بعدها من حيث العدد نحل مسيحية ذات مضمون أفريقي ونسبتها مجتمعة لا تتجاوز٪٢٥ الأوروبي عمومًا، والبرتغالي منه على وجه خاص، وهو ما يمكن أن نسميه بالموروث البرتغالي الذي يتسم بالتشدد الديني، مع استبطان عداوة خاصة للإسلام، كما قامت باستخدام الأجهزة الأمنية التي لها نفوذ واسع في مؤسسات الدولة.

ثالثًا: الأخطبوط الصهيوني، قد يكون هذا العنصر، رغم تأخر بروزه في الساحة الأنجولية، هو الأشد ضررًا، والأكثر تأثيرًا في المنحى الخطير الذي اتخذته الأوضاع في أنجولا، فيما يخص الموقف الرسمي من الإسلام، وهو دور يندرج في الخطة الإستراتيجية الجديدة التي يتبناه الكيان الصهيوني، الذي يستغل الوضع القائم بالمنطقة، حيث تجري محاولات إعادة صياغة الأوضاع على ضوء الفرص الاقتصادية الهائلة التي توفرها المنطقة.

وقد اتضح هذا الدور في كل من سيراليون، وليبيريا، حيث وصل الأمر إلى قيام حروب أهلية، استغلوها لطرد »الفلان» المسلمين الذين كانوا يشاركون إلى درجة كبيرة في التنقيب عن الماس وتسويقه في الأسواق العالمية، إلى جانب قيامهم بدور مشهود في تقوية الوجود الإسلامي، وثمة خشية اليوم أن يتكرر هذا الدور في غينيا كونا كري، رغم اختلاف الظروف، كما نجد مؤشرات ذلك في قيام اليهودي الإسرائيلي - الفرنسي «بني ساب» بالاستيلاء على جزء كبير من منجم «سِمَنِ» بثمن بخس(٢.٥) مليون دولار، ثم باعه بمبلغ (٢,٥) مليار دولار.

استراتيجية المواجهة

لكن هذه العوامل التي شاركت في تأجيج العداوة الموجهة ضد المسلمين لم تكن لتؤثر لو أن الجالية الإسلامية في أنجولا كانت على مستوى عال من الوعي بما يمكنها من استغلال الإقبال الملحوظ الذي يحظى به الإسلام في صفوف الأنجوليين، واستطاعوا بالتالي المناورة للحفاظ على ما حققوه من مكاسب، من خلال إيجاد مرجعية إسلامية موحدة، ظلت السلطات الأنجولية تطالبهم بها.

ويقودنا هذا إلى محاولة تلمس الطريقة المثلى، ليس فقط للخروج من هذا المأزق بأقل قدر من الخسائر وإنما الوصول إلى تبني رؤية مشتركة، لحماية ما حققه إخواننا من مكتسبات للوجود الإسلامي في أنجولا، وبالتالي تمكينهم من ممارسة حياتهم الدينية، وفق الأعراف والشرائع، باعتبارهم مواطنين كاملي الحقوق، أو مقيمين يتم احترامهم واحترام معتقداتهم، أسوة يبقية الطوائف الدينية الأخرى، دون اعتبار لعامل القلة أو الكثرة، على أن يتمحور الجهد حول تحقيق الهدف المركزي المتمثل في استصدار اعتراف رسمي بالإسلام دينًا من الأديان الموجودة في أنجولا، مع ملاحظة بأننا نملك كثيرًا من الأوراق لمحاصرة هذه الفتنة التي أطلت برأسها، والمرشحة للتمدد إذا لم تحاصر بقوة وفاعلية، على غرار المأساة التي عاشها المسلمون في العصر الحديث في البلقان وغيرها من بقاع العالم؛ وأكثر من ذلك، فنحن قادرون على تحويل هذه النقمة إلى نعمة للأسباب التالية:

أولًا : النظام الأنجولي الحالي مهتم جدًا بتلميع وجهه على المستوى الدولي، ما يعنى السعي إلى تجنب أية دعاية سيئة يمكن أن تشوّه صورته في المنتديات الدولية، وهنا تكمن أهمية الحملة الإعلامية التي اندلعت بصورة تلقائية دفاعًا عن المسلمين، ويمكن أن يكون لها صداها الإيجابي.

ثانيًا: تستطيع بعض الدول الإسلامية الأعضاء في منظمة الدول المصدرة للنفط «أوبيك»، ومنها السعودية التي ساعدت أنجولا للحصول على العضوية فيها، أن توظف الدبلوماسية الهادئة على أعلى المستويات المحاصرة الموضوع قبل الاستفحال، وخاصة أن الرئيس الأنجوولي الحالي قد أبدى تعاطفًا مع القضايا الإسلامية في مناسبات مهمة، كما جاء في كلمته التي ألقاها أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة عام ٢٠٠٦م، وأثنى فيها على الإسلام، كما دعا الدول الخليجية إلى الاستثمار في بلاده للمشاركة في إعادة بنائها، وانتهاز الفرص التي توفرها، وذلك في قمة «أوبيك» التي حضرها في الرياض عام ٢٠٠٧م.

ثالثًا: أن تتحرك المنظمات الإسلامية العالمية، ضمن خطة منسقة لمساعدة مسلمي أنجولا على تنظيم صفوفهم وتوحيد جهودهم، لإيجاد مرجعية إسلامية ذات شرعية، تستطيع مخاطبة الجهات الرسمية والدفاع عِن مصالح المسلمين.

رابعًا : تنظيم حملة مكثفة للتعريف بالوجه الحقيقي للإسلام، لمواجهة الحملات المغرضة التي أدت إلى هذه النتائج الوخيمة، مع التركيز على اتخاذ اللغة البرتغالية وسيلة للوصول إلى المستهدفين.

خامسًا: إعطاء عناية خاصة للطلاب الأنجوليين المسلمين الذين يتابعون دراستهم في المعاهد والجامعات الإسلامية، بحيث يعودون، بعد تأهيلهم علميًا وفكريًا ودعويًا، سفراء خير، يحملون رسالة الإسلام، وبرؤية حضارية راقية.

الهامشان

(١) في الواقع لا يتعلق الأمر بالحظرِ، لأن الإسلام ليس مرخصًا به في أنجولا باعتباره دينا، وذلك ضمن حوالي (٢٠٠) نحلة ليس لها وجود معتبر على الأرض، علمًا بأن معظم ما يسمّى بالطوائف مجرد نحل محلية صغيرة، توصف أحيانا بالفرق الدينية.

(٢) سنتناول الوضع المتفاقم في هذا البلد في مقال قادم بإذن الله.

 

الرابط المختصر :