العنوان حطم القيود (14).. الحياة فرصة واحدة
الكاتب د.عبدالحميد البلالي
تاريخ النشر الجمعة 25-يونيو-2004
مشاهدات 78
نشر في العدد 1606
نشر في الصفحة 46
الجمعة 25-يونيو-2004
إدراك أن الحياة فرصة واحدة لا تتكرر هو الخطوة الحادية عشرة من خطوات التحرر من القيود للانطلاق إلى عالم الحرية. فمن البديهيات التي يجب على المسلم الذي يبحث عن القوة الالتفات لها وعدم إغفالها أبدًا أنه لن يعود إلى الحياة على هذه الأرض ثانية، وأن حياة الدنيا لن تدوم لأحد، كائنًا من كان، وأنه لو كان أحد يستحق هذه الميزة لنالها أحب الخلق إلى الله وهو نبينا محمد ﷺ، ولكن الله قضى ألا يعود أحد بعد الممات إلى الحياة على الأرض، ليعلم الجميع أن الحياة فرصة واحدة.
إن الشعور بهذا الأمر وإدراكه والعيش الدائم بهذا الإحساس يدفع المرء لمسابقة الساعات والدقائق لإدراك الوقت قبل انتهاء دقات الساعة ومغادرة هذا المكان.
العمر محدود
فكل منا له عمر محدود لن يزيد ولن ينقص، كما بين ذلك نبينا صلى الله عليه وسلم عندما قال: «ما لي وللدنيا؟ ما أنا في الدنيا إلا كراكب استظل تحت شجرة ثم راح وتركها» (١). فما منا من أحد إلا وله فترة استظلال تطول أو تقصر، لكن أحدًا منا لن يخلد في الأرض. ومهما طال بك العمر، فإنك حتمًا ستغادر يومًا هذه الحياة.
ويبين الرسول ﷺ صغر هذه الحياة بقوله: «ما الدنيا في الآخرة إلا مثل ما يجعل أحدكم إصبعه في اليم، فلينظر بم يرجع» (٢).
انظر إلى قطرات الماء القليلة التي بللت إصبعك بعدما غمسته في البحر، كم نسبتها لمياه البحار والمحيطات؟ هكذا هي نسبة الدنيا للآخرة، أفتستحق أن نفني أعمارنا من أجلها وننسى ما خلقنا من أجله؟!
أقصر أنواع الحياة:
يقول النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي رواه الترمذي عن أبي هريرة رضي الله عنه: «أعمار أمتي ما بين الستين إلى السبعين، وأقلهم من يجوز ذلك» (٣).
قال الإمام الطيبي: «هذا محمول على الغالب؛ بدليل شهادة الحال، فإن منهم من لم يبلغ ستين، وهذا من رحمة الله بهذه الأمة ورفقةً بهم؛ أخرهم في الأصلاب حتى أخرجهم إلى الأرحام بعد نفاد الدنيا، ثم قصر أعمارهم لئلا يلتبسوا بالدنيا إلا قليلًا؛ فإن القرون السابقة كانت أعمارهم وأبدانهم وأرزاقهم أضعاف ذلك» (٤).
وهذا يعني أن متوسط أعمار أمة محمد صلى الله عليه وسلم ستون عامًا. فإذا كان العلماء المعاصرون يقولون إن ثلث أعمارنا نقضيها بالنوم والثلث الآخر نقضيه في الطعام وقضاء الحاجات، فيبقى عندنا ثلث واحد إما أن نستغله في إنقاذ أنفسنا من النار أو تركها فيكون مصيرنا إلى النار. فلنفكر جديًّا بم نفعله خلال عشرين عامًا لنصنع من أنفسنا أقوياء نحطم القيود التي تمنعنا من الانطلاق إلى عالم القوة الذي يوصلنا إلى النجاح في الدنيا والآخرة.
إدراك قصر الحياة:
يقول تعالى في كتابه الكريم: ﴿حتّى إِذَا جَاء أَحَدُهُم المَوْت قَالَ رَبِ ارجَعُون* لعلِّي أَعْمَل صَالِحًا فيما ترِكت كلا إنّها كَلِمَة هو قَائِلهَا ومِن وَرائِهم بَرْزَخ إُلَى يَومَ يُبْعَثُون﴾ (المؤمنون).
يقول سيد قطب رحمه الله: «إنه مشهد الاحتضار، وإعلان التوبة عند مواجهة الموت، وطلب الرجعة إلى الحياة، لتدارك ما فات، والإصلاح فيما ترك وراءه من أهل ومال، وكأنما المشهد معروض اللحظة للأنظار، مشهود كالعيان! فإذا الرد على هذا الرجاء المتأخر لا يوجه إلى صاحب الرجاء، إنما يعلن على رؤوس الأشهاد ﴿كلّا إنَّها كَلِمَة هُو قَائِلهَا﴾ كلمة لا معنى لها، ولا مدلول وراءها، ولا ينبغي العناية بها أو بقائلها، إنها كلمة الموقف الرهيب، لا كلمة الإخلاص المنيب، كلمة تقال في لحظة الضيق، ليس لها في القلب من رصيد!» (٥).
في هذه اللحظات يدرك الإنسان حقيقة قصر الدنيا وأيامها السريعة المتلاحقة، ويدرك زوال الفرص كلها، وأنه لا فرصة بعد ذلك ولا رجعة، وها هو يطلب من الجليل بعد أن أدرك وتذكر تضييع الفرص كلها، أن يعيده للدنيا كي يختار طريق القوة لينجو مما هو مقبل عليه من جزاء على ما ضيع من الفرص، ونتيجة ما اختاره من طريق العبودية لغير الله، والأسر للمعصية والشيطان، ولكن فات الأوان، فلا رجعة ولا واسطة.
البصري يناديهم: وها هو الإمام التابعي الجليل الحسن البصري ينادي المضيعين لفرصة الدنيا الواحدة، ويذكر بتلاحق أيام الدنيا، وسرعة انقضائها فيقول: «يا بن آدم، إنما أنت أيام، فإذا ذهب يومك ذهب بعضك». فما الإنسان إلا كتلة من الأيام والساعات والدقائق، فما ينقضي يوم إلا وقد نقص من عمره شيء، وقرب أجله إلى الزوال، فمن یتعظ؟
انقطاع الأعمال: يقول الرسول صلى الله عليه وسلم: «إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له» (٦). فبمجرد موت الإنسان ينقطع العمل، وتتوقف الفرص التي تنقذه من النار، إلا أولئك الذين كانوا يستعدون ويعدون العدة لهذه اللحظة التي تغادر فيها الروح أجسادهم، وكانوا يخططون بذكاء لما بعد انتهاء آخر الفرص ليستمر أجرهم وهم أموات، وليستمر عملهم وقد تلاشت الأجساد، ذلك لأنهم أدركوا أن الحياة فرصة واحدة، فدفعهم هذا الإدراك للعمل ولاستكمال عناصر القوة التي تضمن لهم الأجر وهم أموات.
أبو حازم يبين السبب: الأقوياء الذين كانوا يستغلون أوقاتهم ودقائق حياتهم، والذين كانوا يسابقون الوقت من أجل ملء كتبهم، لإدراكهم أن الحياة فرصة واحدة لن تتكرر، لا يهابون الموت لأنهم قد استعدوا لهذه اللحظة، وإنما يخاف الموت من فرَّط وترك الحبل على الغارب، ولم يستعد للحظات الفراق.
لقد تساءل الخليفة سليمان بن عبد الملك عن سر خوفه من الموت وكراهيته له، فقال لأحد أبرز أطباء القلوب آنذاك الإمام سلمة بن دينار «أبو حازم»: ما لنا نكره الموت؟ فقال له طبيب القلوب: «لأنكم عمرتم الدنيا، وخربتم الآخرة، فتكرهون أن تنتقلوا من العمران إلى الخراب».
هذا هو السر في كراهية الموت؛ إنه انعدام الإحساس بأن الدنيا فرصة واحدة.
الهوامش
(١) رواه الترمذي (٢٣٧٨) وهو حديث صحيح.
(٢) رواه مسلم.
(٢) رواه الترمذي وصححه الألباني ص ج ص ١٠٧٣.
(٤) فيض القدير ١١/٢.
(٥) في ظلال القرآن ٢٤٨٠/٤ - الشروق.
(٦) رواء مسلم (مختصر مسلم ١٠٠١).
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل