; الحياة.. والتعاليم | مجلة المجتمع

العنوان الحياة.. والتعاليم

الكاتب ا. د. عماد الدين خليل

تاريخ النشر السبت 22-أكتوبر-2011

مشاهدات 53

نشر في العدد 1974

نشر في الصفحة 66

السبت 22-أكتوبر-2011

في رواية «سدهارتا» للروائي الألماني المعروف «هيرمان هيسه» إيغال في الخبرات الدينية والروحية في الساحة الهندية، ووقفة طويلة عند البوذية.. ونلتقي بطل الرواية وهو ينتقد ذلك الانفصال المحزن بين التعاليم وبين التجربة الحية.. التجربة المعيشة في واقع السلوك اليومي دقيقة بدقيقة ولحظة بلحظة.. وهو من أجل ذلك ينهي انتماءه للبوذية باعتبارها سبيلا للخلاص، ويتحول للبحث عن خبرة روحية أكثر إقناعًا.. خبرة تتناغم فيها التعاليم مع التجربة. مع الحياة.

ونتذكر كيف أنه في الإسلام استطاع رسول الله صلى الله عليه وسلم وصحابته الكرام رضي الله عنهم التحقق بأقصى درجات الوفاق بين التعليم والتجربة.. بين الذات والسلوك.. بين إعادة صياغة الحياة بالحياة وبين صياغتها بالتعاليم إنها أعلى صيغ الحكمة على الإطلاق ﴿وَمَن يُؤْتَ الحكمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا﴾ (البقرة: ٢٦٩). 

حتى أسلوب تنزل القرآن الكريم سورًا ومقاطع وآيات على فترات ومراحل كان أحد أغراضه الأساسية، هو أن يتشرب المسلمون التعاليم القرآنية يوما بيوم ودقيقة بدقيقة.. أن توغل في مكوناتهم الذاتية، وأن تصبح جزءًا من سلوكهم، وأن تتعاشق مع الحياة بكل ما تنطوي عليه الكلمة من معنى وقرانا ﴿فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَلْنَاهُ تَنزِيلاً﴾ (الإسراء:106). 

وهذه القراءة «على مكث» هي التي جعلت كل واحد منهم في نهاية الأمر «قرآنًا يمشي على الأرض». 

ليس ثمة ازدواجية على الإطلاق بين التعليم والتجربة.. بل إن ممارسة كهذه كان أصحابها يدانون، بل قد تصل بهم في أقصى درجات حدتها إلى «النفاق»!

ونحن نقرأ - على سبيل المثال - ومن بين حشود من الآيات، هذا الوعيد القرآني لأولئك الذين انفصلت عندهم التجربة عن التعاليم، واكتفوا بالأخيرة، دون أن يبذلوا أي جهد لتحويلها إلى ممارسة.. إلى سلوك مشهود: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ كَبُرَ مَقْتًا عِندَ الله أَن تَقُولُوا مَا لا تَفْعَلُونَ (الصف:2-3). 

«كبر مقتا».. وهل ثمة أكثر تنديدًا ووعيدًا من المقت الكبير الذي يحيق بهؤلاء؟! ونحن نتابع - على سبيل المثال كذلك - ومن بين حشود من الأحاديث النبوية هذا التحذير: «من لم تنهه صلاته وصيامه عن الفحشاء والمنكر لم يزدد من الله إلا بعدًا».

إنها الدعوة الملحة - إذن - للتحقق بالوفاق المرتجى بين القطبين التعليم والتجربة، وبدون ذلك لن يكون المسلم مسلمًا بحق، وبأي معيار من المعايير. هذا الوفاق الذي لا يتحقق عرضًا، ودونما بذل جهد حقيقي.. أبدًا.. إنما هو ثمرة كفاح موصول مع «الأنا» ومع «الخارج».. كفاح ذو اتجاهين أحدهما عمقي يوغل في الداخل لملاحقة كل قوى الشد، وعناصر الانفصال في الذات الإنسانية والآخر يمضي إلى الخارج لتذليل العوائق والصعاب، ومجابهة الضغوط والتحديات، وتعبيد الطريق للخبرة الإسلامية كي تصبح أمرًا واقعًا وسلوكًا منظورًا.

ولشدة ما تنطوي عليه المحاولة من معاناة باهظة سماها الرسول صلى الله عليه وسلم: «الجهاد الأكبر»، ودعا أتباعه إلى تمحيص أنفسهم لمطالبه وضروراته، بل إنه وضع لهم سلما ترتقي درجاته صوب القمة، ويجتاز قطاره محطات الإسلام، والإيمان والتقوى والإحسان.. ها هنا حيث يكون التطابق الباهر والكامل بين التجربة والتعاليم وحيث يقف المسلم قبالة الحضور الإلهي متجردًا للحق في أقصى درجات عطائه وتألقه معتقدًا أن الله سبحانه يراه في كل خلجاته وسكناته، فيسعى لأن يمتثل لأمره سبحانه.

 ها هنا - فعلًا - تتحول كلمات الله إلى سلوك منظور.. إلى خبرة حية معاشة تخترق العظم واللحم والأعصاب، وتتمركز في العقل والروح.. ها هنا - فعلا - يصير المسلم «قرآنا يمشي على الأرض».

 ويطل الإنسان من هذه القمة السامقة إلى كل المذاهب والأديان الأخرى فيرى الفارق كبيراً كبيرًا بين دين يعيشه الإنسان من الداخل ومذاهب وأديان تنفصل فيها الحياة عن التعاليم.

(*) مفكر إسلامي- أكاديمي عراقي 

الرابط المختصر :