; الحِجَاب وَالقُرآن | مجلة المجتمع

العنوان الحِجَاب وَالقُرآن

الكاتب أمين أحسن الإصلاحي

تاريخ النشر الثلاثاء 04-يناير-1977

مشاهدات 81

نشر في العدد 331

نشر في الصفحة 38

الثلاثاء 04-يناير-1977

فضيلة الشيخ الأستاذ أمين أحسن الإصلاحي صاحب هذه المقالة القيمة من كبار علماء الهند وباكستان ومشاهيرهم، وهو من تلامذة ترجمان القرآن الإمام عبد الحميد الفراهي الهندي وكان الإمام الفراهي من أعلام المفسرين في الهند، وهو صاحب تفسير نظام القرآن وتأويل الفرقان بالفرقان وإن لم يتيسر له أن يكمله، وقد ألف سوی التفسير كتبًا متعددة قيمة في العلوم القرآنية من بينها: الإمعان في أقسام القرآن.

الرأي الصحيح في من هو الذبيح، مفردات القرآن- جمهرة البلاغة- دلائل النظام- التكميل في أصول التأويل- أساليب القرآن- القائد إلى عيون العقائد- وهذا غيض من فيض وبعض مؤلفات الإمام. وهي كلها بالعربية لما اتخذ الإمام اللغة العربية لغة التأليف والكتابة.

وتلميذه الشيخ أيمن أحسن الإصلاحي من أفذاذ علماء هذه القارة لا سيما في العلوم القرآنية فحذا حذو أستاذه الشيخ الفراهي ونسج على منواله فأتى بمؤلفات ممتازة كلها تدور حول القرآن وعلومه ومعارفه من بينها: حقيقة الشرك، حقيقة التوحيد، حقيقة الصلاة، حقيقة التقوى، تزكية النفس، الدعوة إلى الدين ومنهاج القيام بها- وهو الآن في باكستان منقطعًا إلى تأليف تفسيره وتكميله الذي أسماه- بتدبر القرآن- وقد تم طبع أربعة أجزاء من التفسير عدا المقدمة فإنها في صورة رسالة مستقلة باسم مبادئ تدبر القرآن وهذه الأجزاء الأربعة تحتوي على تفسير سور من سورة الفاتحة إلى سورة القصص والجزء الخامس تحت الطبع.

أما هذه المقالة- الحجاب والقرآن- فقد كتبها الشيخ الإصلاحي أيام 48- 49 م أيام كانت الصحافة الباكستانية ميدانًا للمعارك القلمية حول الحجاب من مؤيد له ومعارض- ولما رأى الأستاذ أن لهذه المسألة- مسألة الحجاب- من الأهمية والخطورة ما يجعلها أساس لجميع مسائل المجتمع وعمادًا لسرور الحياة العائلية ورفاهيتها ولها دور كبير في ضعف الحكومة وقوتها فضلًا عن صلاح الأفراد وفسادهم فالانحراف عن جادة الحق فيها والتهاون في أمرها يأتي ذلك بالداهية على المجتمع والدولة وجميع الأقدار الخلقية على سواء.

ولما رأى أن كلًا من هؤلاء المعارضين والمؤيدين لا يعرفون محل الآيات التي جاءت فيها أحكام الحجاب ويؤولونها غير تأويلها فلم ير بدًا أن يبين الموقف القرآني الصحيح من ذلك ولئلا يكون عذر لمن أراد أن يصر على مخالفته بعد ذلك ولئلا يكون أهل الحق في حيرة وتردد بل يكونوا على نور وبصيرة ويقين وثقة ليهلك من هلك عن بينة ويحيى من حيى عن بينة.

▪    أحكام الحجاب في القرآن تنقسم إلى ثلاثة أقسام:

1- القسم الأول يشتمل على أحكام أمر بها أزواج النبي- صلى الله عليه وسلم- أو أمر بها المسلمون بهذا الخصوص ولكن قد أجمعت الأمة على أنها ليست بمختصة بأزواج النبي وكفى، بل هي عامة لنساء الأمة من أزواج وأخوات وبنات فهي أحكام تعم نساء الأمة، وإن كان الخطاب موجهًا إلى أزواج النبي وحدهن وإنما خوطب أزواج النبي لأن هذه الخطوة الخطيرة الأولى لإصلاح المجتمع لما كانت صعبة شاقة بدأ بها القرآن من بيت النبي ولما كانت أزواج النبي قدوة لجميع المسلمات كن جديرات أن يتكلفن هذه الأحكام ويحملن مسئوليتها بكل قوة وشدة وهذه الأحكام قد وردت في آيات ۳۲، ۳۳، و٥٤ و٥٥ من سورة الأحزاب.

2- القسم الثاني وفيه أحكام خوطب فيها أزواج النبي وعامة المؤمنات وهذه الآيات تصرح أن امرأة مؤمنة إذا أرادت الخروج من بيتها لشأن من شئونها فما هي من القيود والآداب التي يجب أن تتقيد وتلتزم بها وهذه الأحكام ذكرت في آيات ٥٩ و٦٠ من نفس هذه السورة.

3- القسم الثالث وفيه أحكام خوطب بها المسلمون والمسلمات في أمر دخول الدار، وهي تفصل أن مسلمًا إذا دخل بيت أخ مسلم فما هي الشروط والآداب التي يلتزم بها هذا وبجانب آخر ما هي القيود التي يجب على النساء التقيد بها وقد ذكرت هذه الأحكام في سورة النور.

▪    والآن نفصل أحكام الأقسام الثلاثة فيما يلي:

أحكام القسم الأول: خاطب القرآن أزواج النبي وأمرهن بأحكام الحجاب فيما يأتي من الآيات، ﴿يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ﴾- إلى- ﴿وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾ (سورة الأحزاب: 32 و33).

ثم خاطب المؤمنين وأرشدهم إلى الآداب التي يجب عليهم الالتزام بها إذا مستهم الحاجة إلى دخول بيت من بيوت النبي- صلى الله عليه وسلم: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَدْخُلُواْ بُيُوتَ ٱلنَّبِىِّ﴾ إلى ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدًا﴾ (سورة الأحزاب: ٥٣ و٥٤ و٥٥).

▪    الأحكام التي تتضمنها تلك الآيات:

تلك الآيات تضع لنا أحكام آتية:

أ- لا ينبغي للنساء أن يكلمن رجالًا غير محارم لهن على العموم إلا أن تمسهن الحاجة إلى ذلك في أمر خاص فإذا فعلن فلا يخضعن في القول ولا تخرج من أفواههن كلمة تثير في نفوس السامعين وتوقعهم في طمع.

ب- بيت المرأة المسلمة هو مكانها الأصيل- وقرن في بيوتكن- فلا تخرج إلا إذا مستها حاجة أما خروجهن متبرجات للتنزه والتفرج والتجول فهو جاهلية وليس لمسلمة حرة أن تتبع طريقة الجاهلية.

ج- إذا دعا مسلم أخًا له، إلى الطعام فلا يدخل بيته إلا بعد ما استأذنه ويدخل في وقت حضور الطعام لا أن يصل قبل موعد الطعام بساعات يرتقب نضجه ثم إذا طعم خرج فلا يمكث فيه للسمر والأخذ بأطراف الحديث فإن ذلك يخل بحرية أهل البيت واهتمامهن بالحجاب.

د- وإذا أراد أحد أن يسأل أهل بيت شيئًا فله أن يسأل من وراء الحجاب لا أن يهجم عليهن هجمًا وهذه القيود على ذوي القرابة أيضًا إلا أن يكونوا محارم من آبائهن وإخوانهن وأبناء أخواتهن أو ما ملكت أيمانهن، أما النساء فلا يدخلن إلا وهن محجبات عفيفات فإن الخبيثات والمنافقات منهن ربما أثار اختلاطهن بالنساء المؤمنات فتنًا شديدة وفي نفس العهد النبوي قصة زينب أكبر شاهد وأعظم دليل على ذلك.

▪    الحجاب خارج البيت

يتضح جليًا بالآيات السابقة أن الإسلام يرضى للمرأة في الأحوال العامة أن تقر في البيت ولا تخرج منه إلا إذا مستها حاجة شديدة وإنما أذن لها بالخروج لأمر خاص وإذا خرجت لمثل ذلك الأمر فليست بحرة أن تخرج كيفما شاءت بل لها أن تخرج وقد ألقت عليها جلبابها وأرخت شيء منه على وجهها ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لِّأَزْوَاجِكَ ﴾- إلى- ﴿فَلَا يُؤْذَيْنَ﴾ (الأحزاب: 59)، المنافقون بالمدينة في قوة وتجاسر وكأن نزلت هذه الآية في وقت كان في الآية كلمة الجلباب والجلباب كما نصت المعاجم ملاءة واسعة ضافية وكانت الحرائر في العرب لا يخرجن إلا وقد تجلبن بها لهن من الجلابيب كما هو المعتاد عندنا في الهند وباكستان في الأسر الشريفة فيتغطين بملاءات واسعة وقت الخروج يؤثرنهن على البراقع الجديدة العصرية اللماعة التي تشف وتجذب الأنظار، وإني أيضًا أعتقد أن هذه الملاءات الواسعة الضافية أشد سترًا للأجسام من البراقع وأحفظلها من سوء النظر- فهذا الجلباب هو الذي قد حل محله البرقعة في عصر التقدم فلا مانع من الخلاف والنقاش حول البرقعة هل هي تفي في صورتها الجديدة الراقية بالغاية المنشودة التي أرادها الإسلام من إدناء الجلابيب وإرخائها على الوجوه ولكن لا مبرر لأحد أن يقول إن البرقعة صنيع العلماء الرجعيين ولا تمت للإسلام بصلة.

▪    الحجاب داخل البيت

لنا أن نتدبر الآن الآيات التي وردت في سورة النور في أمر الحجاب داخل البيت ولكن هناك أمورًا يجب عليها الالتفات قبل تدبر تلك الآيات.

أ- إن هذه الآيات في ذوي القربى والأرحام وخدمة البيوت من الموالي والتابعين وأهل الثقة من الأصدقاء ومما لا يخفى أن الحياة الاجتماعية بلذتها ونعمتها ورفاهيتها وسهولتها صور تقتضي ألا يحول شيء دون تودد أهل العلاقة إليهم ومخالطتهم ومؤاكلتهم مجتمعين وفرادى هذا بجانب آخر يطلب الإسلام وما فيه من الاهتمام والمحافظة على القيم الخلقية أن يقيد هؤلاء بقيود التزامات لئلا يتطرق إلى الحياة البيتية سوء النظر وفساد السلوك ولما كان الإسلام دين الفطرة تعتني بهذين الأمرين بكمال الاعتدال والاتزان.

ب- وليكن منك على ذكر أن العرب في عهد البعثة ما كانت أسرهم وبيوتهم مجتمعة موحدة.

وكان أحدهم إذا تزوج امرأة يفرد له قوة القيم عليه بيتًا خاصًا فالأب في بيت والعم في بيت والأخ في بيت والأخت في بيت وهو نفسه في بيت تفرد به هكذا تنتزع من أسرة واحدة بيوت متعددة تكون منفصلة بعضها عن بعض بجانب ومتصلة بعضها ببعض بجانب آخر بالعلاقات الفطرية والاجتماعية.

ج- كان العرب في بداوتهم على سذاجة العيش وبساطته فلم تكن على الأبواب بيوت معدة للضيافة منفصلة عن السكن وأن الدور لم تكن يومئذ عليها ستور، لك أن تضع بين عينيك هذه الأمور الاجتماعية والمدنية ثم تتلو هذه الآيات التالية من سورة النور ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ إلى ﴿لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ (سورة النور: ۲۷ -۳۱).


▪    الحجاب في داخل البيت وأحكامه الأساسية

في الآيات المذكورة أحكام لمن أراد أن يدخل بيتا من بيوت المسلمين- وهي فيما يلي ليس لمؤمن أن يدخل بيتًا من بيوت المسلمين المسكونة إلا بعد أمرين:

الأول أن لا يكون لأهل البيت غريبًا عنهم بل يكون بينهما أنس وائتلاف وارتباط والثاني: أن يستأذنهم للدخول بأن يسلم عليهم- أما الأنس فله صور وأشكال منها أن يكون هو من ذوي أرحام أهل البيت ومن أهل قرابتهم ومنها أن يكون من أصدقائهم الموثوق بهم ومنها أن يكون من خدامهم ومواليهم.

أما التسليم فهو خير طريق للاستئذان وجامع للأدب والبركة وطريقته المذكورة في الحديث أن يقوم لدى الباب ويسلم على أهل البيت ثلاث مرات فإن لم يرد إليه ولم يؤذن فليرجع.

2- وإن لم يكن في البيت صاحبه فلا يدخله حتى يؤذن له وإن قيل له ارجع فليرجع بغير تلكؤ ولا انتظار من غير أن يشعر بغضاضة في نفسه.

3- والبيوت غير المسكونة فليس لدخولها شرط ذلك الاستئذان مثل البيوت التي تكون خاصة للرجال فهي خارجة عن أمر الاستئذان فلهم أن يدخلوها من غير استئذان.

4- وعلى الداخل للبيوت المسكونة أن يغض بصره ويحفظ فرجه.

5- والمؤمنات اللاتي كن في البيوت عليهن «أ» أن يغضضن من أبصارهن «ب» وأن يحفظن فروجهن «ج» وأن لا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها «د» وأن يضربن بخمرهن على جيوبهن «ه» وألا يضربن بأرجلهن ليعلم ما يخفين من زينتهن.

٦- هذه أحكام يجب العمل بها على جميع ذوي القرابة سواء كانوا من أهل المحارم أو غيرهم وعلى جميع أهل الخدمة وأما الذي نهيت عنه المرأة من إبداء زينتها، فالأزواج والمحارم من الآباء والإخوان وأبناء الأخ وأبناء الأخت فقد استثناهم وليسوا من هذا النهي في شيء، ووصف الخادمين بغير أولي الإربة بأن الخادم إذا كان شابًا فليس لها أن تبدي له زينتها ولما كان ذكر الخادم والمولى في الآية ذكرًا مستقلًا فلا مبرر لأحد أن يقيس الخادم على المولى وشتان بين خادم ومولى، فإن هناك أمورًا اجتماعية ونفسية تفصل بينهما فصلاً- وهكذا قد استثنى الأطفال الذين لم يبلغوا الحلم كما استثنيت الأخوات المؤمنات الصالحات وهذا يعني أنه يجب عليهن أن لا يبدين زينتهن للعواهر والمريبات منهن لئلا يوقعنهن في فتنة.

▪    توضيحات وتبيينات لأمور هامة

هذه أحكام أساسية للحجاب الداخلي نزلت في سورة النور وقد مرت بك ثم نزلت آيات تبيينًا وتوضيحًا لهذه الأحكام بعد ما نشأ فيهم وجرى على ألسنتهم من الأسئلة حول هذه الأحكام وها هي ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾، ﴿سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ (سورة النور: ٥٨-٦٠).

▪    في تلك الآيات ذكرت ثلاثة أمور:

1- ليس للمولى والأطفال الذين لم يبلغوا الحلم شرط الاستئذان للدخول إلا في ثلاثة أوقات: من قبل صلاة الفجر وفي الظهيرة ومن بعد صلاة العشاء لا يكون فيها تفسير أهل البيت فإن دخلوا بغير استئذان فربما يقع نظرهم على حال لا يليق أن يروهم فكأنه تخفيف من الرب في الأحكام السابقة نظرًا للحاجة.

2- هذه الرخصة للأطفال ما داموا صغارًا ولم يخرجوا من حد الطفولة ولكن إذا بلغوا فيعود إليهم شرط الاستئذان الذي ذكر من قبل للمؤمنين عامة.

3- أما العجائز فخير لهن أن يأخذن أنفسهن بأحكام الحجاب ويراعينها حق المراعاة ولكن ما عليهن من سبيل إذا لم يلتزمن بأحكام الحجاب داخل البيت وخارجه غير متبرجات، مثلًا لا جناح عليهن إن لم يدنين عليهن من جلابيبهن وأن لا يضربن بخمرهن على جيوبهن.

دفع شبهة: ثم التفت القرآن بعد هذه إلى دفع شبهة نشأت من الأحكام السابقة في قلوب كثير من الناس وهي أنهم رأوا أن الإسلام قد حف الاختلاف إلى البيت بحدود وقيود ما غادر ذوي القرابة في الأداني التي كلفهم بها فضلاً عن الآخرين ظنوا أن الإسلام لعله يريد أن يقضي على ما كانوا متمتعين في المجتمع من الحريات والنشاطات الاجتماعية، ويكره الإسلام أن يكون بين أهل القرابة والصداقة من حرية المداخلة والمخالطة ولذة المؤاكلة- كما ظن بعضهم أنه كان هناك كثير من أقاربهم المرضى والمعذورين يلزمون بيوت ذوي قرابتهم ولكن نزول هذه الآيات أذهب عنهم هذه الحرية راحتها- فأزال القرآن هاتين الشبهتين بأنه ليس المقصود من وراء هذه القيود القضاء على النشاطات الاجتماعية ولا التضييق على المعذورين والعجزة- بل أنتم أحرار في الاختلاف إلى بيوت الأقرباء والأصدقاء في الأكل من بيوتهم مجتمعين أو متفردين- نعم عليكم أن تستأذنون أهل البيت بالتسليم عليهم وإن كبر عليكم هذا الأمر فعسى أن تكرهوا شيئًا وهو خير لكم ويعود عليكم وعلى أهل البيت ببركات جمة وفوائد عظيمة، فقال عز وجل: ﴿لَيْسَ عَلَى الأَعْمَى حَرَجٌ وَلا عَلَى الأَعْرَجِ حَرَجٌ)- إلى- (لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ (سورة النور: 61).

▪    خلاصة الكلام

قد تبين مما ذكرنا من قبل أن أحكام الحجاب في القرآن على نوعين فإن المرأة لا يخلو أمرها من هاتين:

إما تضطر هي للخروج من البيت وعسى أن تتعرض لغير ذويها وإما أن تكون في البيت ويدخل عليها من  أقاربها أو من أقارب زوجها وخدمه ومواليه وأمثالهم فالصورة الأولى أحكام في سورة الأحزاب وهي أن تخرج بجلباب وقد أدنت بعض شيء منه إلى وجهها والصورة الثانية أحكام وردت في سورة النور ولهذه الثانية أحكام أساسية آتية:

1- لا يدخل غريب غير مستأنس بيت أحد من المسلمين.

2- ولا يدخل أحد من المستأنسين إلا أن يؤذن له.

3- وإذا دخل أحد فليغض بصره ويحفظ فرجه وعورته.

4- وعلى نساء البيت أن يغضضن من أبصارهن ويحفظن فروجهن وألا يبدين من زينتهن إلا ما ظهر منها ويضربن بخمرهن على جيوبهن وألا يضربن بأرجلهن على الأرض.

5- ولا يبدين زينتهن إلا للأزواج والمحارم ومن الخدم غير أولي الإربة أو الذين لم يخرجوا من حد الطفولة فلا جناح في إبداء زينتهن عليهم.

6- الموالي والأطفال فهم مأذون لهم في الدخول بغير إذن إلا في الأوقات الثلاثة فإنها أوقات عورة وغفلة فإذا دخل فيها أحد بغتة عسى أن يطلع على ما يأباه الوقار والحشمة ولا يطيب لهما.

8- أما العجائز فلهن رخصة في وضع ثيابهن وخروجهن غير متبرجات بزينة على أن الالتزام بأحكام الحجاب والاستعفاف خير لهن.

▪    الأحكام الأساسية وما فيها من رخص

هذه هي أحكام الحجاب الأساسية وقوانينه الرئيسية في القرآن نفسه ولا يتطرق إليها شك ولا خلاف وإن كان قد وجد- فهو أن كثيرًا من الناس يخطئون في فهم الأحكام التي هي في سورتي الأحزاب والنور ويغفلون عن محل الآيات وموقعها فيها- فكل ما كتب إلى الآن حول هذه المسألة فيه تناقض شديد وهذا التناقض قد أعطى السهام في أيدي الطاعنين في الحجاب أكثر مما أعطاها الداعين إليه والموالين له- وفي هذه المقالة أزيل هذا التناقض وعين محل آيات الحجاب تعيينًا صحيحًا حتى لم يبق لعادل متق أن يحيد عن الحق ويضل ولا ينحرف عنه بعد ذلك إلا مدل بباطل أو جاهل ولا يرجى من أمثال هؤلاء أن يخضع للحق ويتبعه وإن كان الحق واضحًا وضوح الشمس في رابعة النهار.

كل من توسم هذه الأحكام لم يخف عليه هذه الحقيقة أن الله شرع الحجاب- في داخل البيت وخارجه على السواء أحكاما واضحة مفصلة لا ترى فيها من خفاء ولم يغادر من أصولها إلا وقد بينها- نعم كانت هناك فروع وجزئيات لم يتعرض لها القرآن وتركها لاجتهاد العلماء وقد بينها خاتم الأنبياء بقوله وعمله فترى أن لنا رخص في بعض الأحوال والأحيان قد فسرها النبي مثل أن رجلًا إذا أراد أن يتزوج امرأة فيأذن له الشرع أن ينظر إليها نظرة، وكذلك للشرطي وصاحب القضاء حق أن ينظر إلى امرأة إن مسته الحاجة إلى معرفتها كما للطبيب حق وإذن أن ينظر إلى امرأة أجنبية أو يمسها- وكذلك في الأحوال المفاجئة غير المعتادة تجد تسهيلات في هذه الأحكام مثلًا إذا أصاب المرأة حرق أو أدركها غرق فهي أولى وأحرى بالإنقاذ من الهلاك ولو بمخالفة شيء من أحكام الحجاب المشروعة وكذلك في السفر لا سيما في سفر الحج وفي حالة الحرب مستثنيات من الكليات وترخيصات بدل التأكيدات نظرًا للحاجة والمصلحة، وقد صرحت بها الأحاديث النبوية- وهناك مسائل فرعية وضمنية قد صرح بها الأئمة المجتهدون وتوجد في كتب الفقه ولا يغب عن بالك أن جميع هذه المسائل الفرعية قد أخذت من أصولها من أحكام الحجاب وبنيت على قواعدها- لنا- أن مست الحاجة- أن نضم إلى تلك المسائل الفرعية مسائل نستنبطها من الجزئيات ولكن لا مبرر لنا أن نجعل هذه المستثنيات قواعد أصيلة ونأتي على أحكام الحجاب الأساسية ونهدمها هدما ولا يجترئ في أمر الدين على مثل ذلك إلا من كان جاهلًا عن أمر الشريعة.

وما نرى في الروايات والأحاديث النبوية أن بعض أزواج النبي والمؤمنين لم تراع في الحرب أحكام الحجاب حق المراعاة فهذا دليل أن الإسلام لا يطالب أهله العمل بأحكام الحجاب في الأحوال غير المعتادة مطالبته في الأحوال المعتادة- إن الإسلام لا يبقى وقت الحرب في مطالبته بالعمل بأحكام الحجاب على تشديده وتأكيده المألوفين في عامة الأحوال- لكنه لا يستدل بذلك أن الإسلام لم يأمر بالحجاب رأسًا والنساء حرائر في جولاتهن سافرات غير محتجبات إن كان هذا الاستدلال صحيحًا فيقوم هذا ويقول إن الإسلام لم يأمر بالتوضؤ فإن كثيرًا من الروايات يفيد أن الصحابة صلوا بعد ما تيمموا أو لم يتوضأوا، وذلك يقول إن القيام ليس من أركان الصلاة فإن كثيرًا من الصحابة والصحابيات صلوا جالسين غير قائمين فإن كان هذا الاستدلال باطلًا- ولا شك في بطلانه- فكيف يصح قول من يقول إذا رأى بعض المستثنيات في خاصة الأحوال أن الإسلام لم يأمر بأحكام الحجاب رأسًا وإنما هي مقحمات العلماء الرجعيين قد أقحموها في المجتمع المسلم- وما هي من الإسلام في شيء.

▪     أين الحجاب المعروف في المجتمع من الحجاب المطلوب في القرآن؟

قد اتضح جليًا بما سبق أن أحكام الحجاب في القرآن مفصلة وقد ثبت أن ما أمر الرجال والنساء بغض البصر في سورة النور فهذا يتعلق بداخل البيت، حيث يكون المداخلة والمخالطة بين ذوي القرابة والصلة وأما خارج البيت فلا مناص فيه من إدناء الجلباب وهذا ما ذكر في سورة الأحزاب، كما ثبت أن النهي عن إبداء الزينة إلا ما ظهر منها فهو ما دامت المرأة في البيت ومن ظن أنه حكم لخارج البيت فلم يتدبر القرآن وأتى بأقوال يخالف بعضها بعضًا.

هذا وقد ثبت فيما مضي أن السفور نفور من هدى القرآن كما ثبت أن الحجاب المألوف في المجتمع لا يلائم الحجاب المطلوب في القرآن إلى حد كبير- لا سيما أمر الحجاب في البيت فهو على غير ما يريده القرآن أما في البيوت حرية مطلقة آثمة لا يقيدها قيد ولا تقف عند حد- وإما تقيد بقيود مبتدعة غير ملاءمة ما كتبها الله عليهم وما أنزل بها من سلطان- فالواقع أن الأقرباء وأولي الأرحام يعاملهم الناس في أمر الحجاب معاملة الأجانب أو الحال أنه إن كان بينهم شيء من القرابة والصلة فيزول به جميع الحجابات ولا يحول شيء دون اللقاءات والزيارات- نتيجة لهذا الإفراط والتفريط تفقد تلك المؤانسة والمخالطة التي يحب الإسلام دوامها واستمرارها هذا بجانب وبجانب آخر يضر ذلك بالأخلاق التي يحرص عليها الإسلام ويصونها بكل رخيص وغال ولا يقصر في جنبها في حال والتي يزول المجتمع الإسلامي بزوالها والطريق السوي بين الإفراط والتفريط أن نتمتع بما أذن لنا وسمح به القرآن ولا نستحي ونذهب إلى حيث يذهب بنا القرآن كما نراعي تلك القيود التي قد فرضها علينا.

هذا هو الطريق الوحيد لتكوين بيئة إسلامية نظيفة تتجلى فيها وتعيش العفة والحرية بكمال الاعتدال والاتزان وفي مثل هذه البيئة الطاهرة الطيبة النقية تتم تربية النفوس وتزكيتها الإسلامية التي قد أرادها وأحبها الله ورسوله- صلى الله عليه وسلم.
 

الرابط المختصر :