العنوان الخزين الكبير
الكاتب ا. د. عماد الدين خليل
تاريخ النشر الجمعة 20-أغسطس-2004
مشاهدات 96
نشر في العدد 1614
نشر في الصفحة 66
الجمعة 20-أغسطس-2004
كاتب ومفكر إسلامي عراقي.
الخزين الاحتياطي لنفط العراق أصبح أو سيصبح عما قريب أضخم خزين للنفط في العالم كله، يكفي أن نتذكر التسمية التي أطلقت منذ زمن على واحد من حقول النفط في جنوب العراق: (حقل مجنون) لا لشيء إلا لأنه سئم الاعتقال تحت الأرض، على مدى عشرات القرون، وأصبح يتململ بين الحين والحين لكي يطل برأسه من هناك تمامًا كما كان عفريت ألف ليلة وليلة يطل برأسه من )القمقم) المسحور لكي ما يلبث أن يثور ويموج. الأهالي في محافظة ميسان الجنوبية ما كان أحدهم يضرب فأسه في الأرض حتى تنبجس منها فوارات النفط المحبوس تريد أن تتدفق بحرية، وأن تنساح إلى كل مكان.
قيل: إن السلطة السابقة في العراق كانت قد منحت حق التنقيب في هذا الحقل العملاق لمجموعة من الشركات الفرنسية، وأن إسراع أمريكا بإعلان الحرب على العراق، ووضع الطين والعجين في أذنيها كي لا تصغي إلى كل الدعوات المنادية باعتماد الأساليب السلمية وتجنّب ويلات الحرب، إنما كان سببه الأول ودافعه الأساس هو قطع الطريق على المحاولة قبل أن يقع الفأس في الرأس، وتتمكن فرنسا من خلال «نفط مجنون» من تأكيد استقلاليتها، وربما استقطابها لدول الاتحاد الأوروبي والسوق الأوروبية المشتركة، وتشكيل قطبية جديدة تجابه القطبية الأمريكية الأحادية التي تستأثر بالعالم وتتفرد بحكمه.
إن وضع اليد على الخزين الكبير لنفط العراق يعني -فيما يعنيه- ليس فقط قطع الطريق على الدول الأوروبية لإعادة العالم إلى توازنه المفقود بعد غياب التعددية القطبية، ومنع أمريكا من الانفراد بحكم العالم، وإنما -إلى جانب هذا- تمكين الحياة الأمريكية بكل مصالحها وأهدافها وقيمها وطرائقها في الحياة من الاستمرار والديمومة، ربما لقرن آخر من الزمن.
وهذان الهدفان في المنظور البراجماتي الصرف يجعلان أمريكا تصر منذ اللحظات الأولى على تحقيق هدفها بوضع اليد على نفط العراق من خلال آلة الحرب الجهنمية التي تمسك بها مافيا النفط الأمريكية التي تنفرد الآن بالسلطة العليا في البيت الأبيض، وتوظف منصب الرئاسة لتحقيق المزيد من الأرباح.
ومعروف أن بوش الأب وبوش الابن ونائبه ديك تشيني، ووزير دفاعه رامسفيلد، ومسؤولة الأمن القومي في البيت الأبيض رايس، أعضاء كبار في إدارة واحدة من أضخم كارتلات النفط العملاقة في الولايات المتحدة الأمريكية.
ومنذ اللحظات الأولى كانت كل المؤشرات تومي -بلسان الحال أو لسان المقال- بأن أمريكا ستمتطي ماكينة الحرب، وستصم أذنيها عن كل نداءات السلام؛ ذلك أن الأهداف التي ستحققها القوة، ويضمنها التفوق الأسطوري لتكنولوجيا الحرب، تستحق -فعلًا في المنظور المصلحي وعلى المستويين الخاص والعام-تلبية نداءات الإغراء.
المستوى الخاص يجعل الضرع العراقي يدر في أفواه ملوك النفط الذين قدر لهم أن يصلوا إلى البيت الأبيض.
والمستوى العام في منح أمريكا ضمانات الاستمرار الحضاري لقرن من الزمن أو يزيد.
وساذج مغفل كل من خيل إليه أن أمريكا كان يمكن أن تتراجع عن قرار الحرب، لأن شعوب العالم ودوله ومنظماته، بل الشعب الأمريكي نفسه، فضلًا عن منظمة الأمم المتحدة ومجلس الأمن، وقفت في وجهه، وبحت أصواتها، في محاولة مستميتة لمنع آلة الحرب من أن تبدأ دورتها المؤذنة بالويل والدمار.