; الخطاب الإسلامي في عصر العولمة (١ من ٣) | مجلة المجتمع

العنوان الخطاب الإسلامي في عصر العولمة (١ من ٣)

الكاتب د.عصام البشير

تاريخ النشر السبت 11-مايو-2002

مشاهدات 66

نشر في العدد 1500

نشر في الصفحة 40

السبت 11-مايو-2002

واقعنا والعولمة

النقلة العلمية الهائلة التي يتميز بها العصر أفرزت تحديات كبيرة.. فقد اختزلت الإنسان في بعده الاستهلاكي وأوجدت أداة فعالة للنظام العالمي تمكنه من بسط سيطرته

ربانية الخطاب الإسلامي في مصدره عصمت الفكر الإسلامي من التناقض وبرأته من التحيز وجعلته عالمي الوجهة وذلك واضح في قدرته على التعايش مع التجمعات البشرية

غير المسلم إذا لم يبدأ بحرب ولم يظاهر على إخراج، فما من سبيل معه غير التعايش الجميل الملتزم بالبر

د. عصام البشير                      

وزير الأوقاف والشؤون الإسلامية السوداني.

يتميز العصر الذي نعيشه -عصر العولمة- بسقوط الحدود الزمانية والمكانية وتلاشي المسافات؛ حيث تحول العالم إلى قرية صغيرة أصبحت فيها العلاقات البشرية أكثر تنظيماً وسرعة الأمر الذي أدى إلى مزيد من التفاعل البشري والانفتاح الثقافي والتنازع الحضاري، كما يتميز بالتطور الهائل في تكنولوجيا الانتقال والاتصال؛ حيث وصل الإنسان إلى القمر وأرسل أجهزة إلى المريخ جمعت صوراً لسطحة وعينات من تربته، واخترعت أدوات جديدة للتواصل بين أعداد أكبر من الناس، كما في شبكة الإنترنت، والأقمار الصناعية والمحطات الفضائية التي أصبح الإنسان قادراً عبرها على أن يرى ويسمع ما يدور في أرجاء العالم.

هذه النقلة النقدية العلمية الهائلة، نسبة لميلادها وتطورها في كنف الحضارة الغربية أفرزت تحديات كبيرة، على كافة الأصعدة أهمها:

 اقتصاديًا: أدت إلى زيادة الترابط بين الأسواق المختلفة حتى وصلت إلى حالة أقرب إلى السوق العالمية الكبرى، خاصة مع نمو البورصات العالمية، وبروز الشركات عابرة القارات، الأمر الذي أضعف الشركات الصغيرة وأعيا الدول الفقيرة.

 دينياً: أدت إلى تغليب المادة على الروح، والعاجل على الآجل، والنزوة على المبدأ، واختزلت الإنسان في بعده المادي الاستهلاكي - بل والشهواني أحياناً، وأسهمت في ترويج العلمانية الغربية والدعوة إلى فصل الدين عن الدولة فكراً وممارسة.

سياسياً: أوجدت أداة فعالة للنظام العالمي الجديد تمكنه من بسط سيطرته ونشر حضارته والعمل على تشكيل العالم وفق الطريقة التي  يريد عبر إحكام السيطرة على المؤسسات الدولية كالأمم المتحدة ومجلس الأمن وصندوق النقد الدولي ونحوه، والسيطرة على أجهزة الإعلام العالمية من صحف وإذاعات وقنوات فضائية ونحوه.

اجتماعيًا: أدت إلى تزايد الصلات بين الجمعيات والمؤسسات غير الحكومية وتعميق التنسيق بين المصالح المختلفة للأفراد والجماعات، فظهر ما يعرف بالشبكات الدولية Networking؛ حيث برز التعاون استناداً للمصالح المشتركة بين الجماعات والمؤسسات الأمر الذي أفرز تحالفات بين القوى الاجتماعية على المستوى الدولي، خاصة في المجالات النافعة مثل: الحفاظ على البيئة، أو في المجالات القانونية، كتنظيف الأموال والمافيا الدولية للسلاح، وفي الجانب غير المحمود أدت لظهور الجريمة عابرة الحدود، الأمر الذي نتج عنه فقدان التوازن النفسي والقيمي في مسيرة الحضارة البشرية.

أهمية الخطاب الإسلامي

الخطاب الإسلامي ضرورة ملحة لأسباب عديدة أهمها أنه: 

رسالة البلاغ المبين: ذلك؛ لأن المسلمين في كل عصر مطالبون بتبليغ رسالة الله عبر خطاب إسلامي يقدم الإسلام عقيدة وشريعة وقيماً، بمضمون صحيح كامل وأسلوب واضح فاعل يبصر من العمى ويهدي من الضلالة، ويرشد من الغي ويرد من التيه، ويقرب البعيد، ويروض العنيد، يهدي الكافر، ويؤلف النافر، فيقيم الحجة على البشرية ومتى خلا الزمان من هذا البلاغ – أو تقاصر البلاغ عن هذه الصفات لحق التقصير بالمسلمين. 

سبيل الأنبياء والصالحين: البلاغ والدعوة الله في سبيل الرسل عليهم الصلاة والسلام بل هي سبيل النجاة الوحيد لهم ولأتباعهم، لقوله جلّ وعلا ﴿قُلْ إِنِّي لَن يُجِيرَنِي مِنَ اللَّهِ أَحَدٌ وَلَنْ أَجِدَ مِن دُونِهِ مُلْتَحَدًا * إِلَّا بَلَاغًا مِّنَ اللَّهِ وَرِسَالَاتِهِ ۚ ...﴾ (سورة الجن22:23)؛ لذلك فالخطاب الإسلامي هو باب الصالحين وورثة النبيين، ونهج الخيرين ﴿كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ۗ﴾ (سورة آل عمران: 110).

طريق الخلاص للعالم: الواقع البئيس الذي يعيشه العالم اليوم يفرض على المسلمين أن ينشروا الخير العميم الذي عندهم والذي يقدم الحلول الناجعة لمشكلات العالم مستخدمين في ذلك أدوات العصر ولغته في مخاطبة الناس تحقيقاً للشهود الحضاري للأمة الإسلامية على الأمم الأخرى انطلاقاً من قوله تعالى: ﴿وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ (سورة البقرة: 143). فالشهود ليس في الآخرة فقط، بل هناك شهود في الدنيا كما يرى بعض المفسرين – قال عطاء إن أمة محمد شهدوا على من ترك الحقّ حين جاءه الإيمان والهدى ممن كان قبلنا، ورسول الله ﷺ شاهد على أمته وهم شهداء على الأمم والشهادة التي تقوم بها الأمة الإسلامية تقوم على:

 الخيرية: المستندة إلى أكمل الشرائع وأقوم المناهج وأوضح المذاهب وأصح العقائد، عقيدة التوحيد التي وحدت غاية النفس البشرية وجعلتها تنحصر في رضاء الخالق، فعصمتها من التمزق النفسي والصراع الداخلي والتناقض الفكري والتنازع الكهنوتي، والتضارب السلوكي، فأزالت الأرباب الزائفة، وحطمت الأصنام المادية والمعنوية وهذبت الرغائب النفسية، وشذبت الشهوات الحسية، ووجهت الغرائز الحيوية، فأبانت الوجهة وحددت الطريق ووضحت المعالم وأرست المبادئ ونشرت القيم وأنشأت خير أمة أخرجت للناس فسعد العالم وطرب الوجود وفرح الكون وانتشت الحضارة ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَٰلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ﴾ (سورة يونس: 58). 

إنها الرحمة التي جعلها الله للناس كافة دون اعتبار لدين أو عرق أو حضارة، الرحمة التي تشيع السماحة والود والتراحم بين بني البشر وتخلص العالم من التحاسد الفردي والتطاحن العنصري والتعصب الديني كما تمكنه من وقف نزيف الدم الذي أحدثته الحروب الطاحنة التي تقوم على الرغبة في التوسع والاستغلال المادي والعظمة الكاذبة.

سمات الخطاب الإسلامي

للخطاب الإسلامي سمات تميزه عن غيره يمكن إيجازها في الآتي:

أولاً- ربانية المصدر والغاية: فالخطاب الإسلامي رباني في مبدئه، ومصدره من الله يصدر وإليه ينتهي منبعه الوحيان، ولا يملك مجتهد مهما سما قدره أو علا كعبه أن يحدث في هذا الدين ما ليس منه؛ مَن أَحْدَثَ في أَمْرِنَا هذا ما ليسَ فِيهِ، فَهو رَدٌّ (۱) هذه الربانية عصمت الفكر الإسلامي من التناقض وبرأته من التحيز وحررته من الهوى وأضفت إليه قدسية لم تتأت لغيره.

 كما أنه رباني في غايته ووجهته، يرمي إلى أن يعرف الإنسان لوجوده غاية ولمسيرته وجهة ولحياته رسالة، فيجتمع شتيته ويأتلف شعثه ويتوحد همه ويطمئن قلبه..

ثانياً- عالمية الوجهة: فالخطاب الإسلامي عالمي المنزع والجهة، لا يحفل بجنس ولا يتحيز العرق ولا يتكتل في لون، بل حفلت مفردات القرآن بنداءات للناس جميعاً مثل: «يا أيها الناس»، «يا بني أدم وتكررت فيه لفظة العالمين»، ولفظة «من» التي تفيد العموم والشمول لكل من يعقل، وتحققت عالمية الخطاب في سيرة الرسول ﷺ إذ وجه خطابه إلى ملوك العالم ورؤسائهم وقتها، فكتب إلى كسرى عظيم الفرس، وقيصر عظيم الروم، والمقوقس عظيم القبط والنجاشي ملك الحبشة، وهكذا..

 عالمية الاسلام هذه تبدت في قدرته على التعايش مع كل الجماعات البشرية غير المحارية من نصارى ويهود ملوك وفقراء سود وبيض... إلخ، وفق الأسس والضوابط التالية:

1- الاعتراف بأن الاختلاف بين بني البشر في الدين واقع بمشيئة الله تعالى: فقد منح الله البشر الحرية والاختيار في أن يفعل الإنسان ويدع، وأن يؤمن أو يكفر ﴿فَمَن شَاءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاءَ فَلْيَكْفُرْ ۚ﴾ (الكهف: 29).

والمسلم يوقن أن مشيئة الله لا راد لها ولا معقب كما أنه لا يشاء إلا ما فيه الخير والحكمة علم الناس ذلك أو جهلوه، ولهذا ينحصر عمله في مهمة البلاغ المبين قولاً وعملاً دون إجبار أو إكراه ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَن فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا ۚ أَفَأَنتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّىٰ يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ (سورة يونس: 99).

٢- وحدة الأصل الإنساني والكرامة الآدمية: انطلاقاً من قوله سبحانه وتعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا ۚ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ۚ﴾ (سورة الحجرات: 13) وقوله: ﴿۞ وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ﴾ (سورة الإسراء: 70)، فالناس أكرمهم عند الله أتقاهم أبوهم واحد، والرابطة الإنسانية بينهم قائمة شاءوا أم أبوا هذه الرابطة تترتب عليها واجبات شرعية كالقيام للجنازة أياً كانت عقيدة صاحبها. روى البخاري أن النبي ﷺ مرت به جنازة فقام فقيل له إنها جنازة يهودي فقال أليست نفساء (۲).

 التعارف: لقوله سبحانه وتعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا ۚ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ۚ﴾ (سورة الحجرات: 13)، وكما ورد في الحديث "وأشهدُ أنَّ العبادَ كلهم إخوة". (۳). فالتعارف أساس دعا إليه القرآن، وضرورة أملتها ظروف المشاركة في الدار أو الوطن بالتعبير العصري، وإعمال الروح الأخوة الإنسانية بدلاً من إهمالها.

 والروابط الاجتماعية عنها الآية ﴿قُلْ إِن كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُم مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّىٰ يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ ۗ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾ (التوبة: 24)؛ إذ حوت الرابطة العائلية، والرابطة القومية، ورابطة الإقامة «الوطن» ورابطة المصلحة، والرابطة الإسلامية.

4- التعايش: إذ إن حياة المتشاركين لا تقوم بغير تعايش سمح بيعاً وشراء قضاء واقتضاء طعناً وإقامة وتاريخ المسلمين حافل بصور التعامل الراقي مع غير المسلمين، وقد حدد الله سبحانه وتعالى أساس هذا التعايش بقوله: ﴿لَّا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ (سورة الممتحنة: 8).

إن غير المسلم إذا لم يبدأ بحرب ولم يظاهر على إخراج، فما من سبيل معه غير التعايش الجميل الملتزم بالبر وهو جماع حسن الخلق والقسط هو العدل والفضل والإحسان.

 5- التعاون: هناك كثير من القضايا العامة تشكل قاسماً مشتركاً بين المسلمين وغيرهم ويمكن التعاون فيها، كما أن الأخطار التي تتهددهم معاً ليست قليلة، ويمكن أن تشكل هذه القواسم المشتركة منطلقاً للتعايش والتعاون، وأهم هذه القواسم المشتركة ما يلي:

أ- الإعلاء من شأن القيم الإنسانية والاخلاق الأساسية، فالعدل والحرية والمساواة والصدق والعفة كلها قيم حضارية تشترك فيها الأديان والحضارات وترسيخها في المجتمعات هدف مشترك يمكن التعاون عليه.

ب- مناصرة المستضعفين في الأرض وقضايا العدل والحرية ومحاربة الظلم، ومن ذلك اضطهاد السود والملونين في أمريكا واضطهاد الأقليات الدينية وسائر الشعوب المقهورة في فلسطين وكوسوفا والشيشان ونحوها، فالإسلام يناصر المظلومين من أي جنس ودين، والرسول ﷺ قال عن «حلف الفضول» الذي تم في الجاهلية لقد شهدت في دار عبد الله بن جدعان حلفاً ما أحب أن لي به حمر النعم، ولو أدعى به في الإسلام لأجبت (٤).

ج- التعاون لمواجهة دعاة المادية الذين ينكرون الغيب ودعاة الإلحاد الذين يجحدون وجود الله ودعاة الإباحية الذين يروجون للعري والتحلل الجنسي والشذوذ والإجهاض.

ثالثاً- إنسانية المنطلق: فالنزعة الإنسانية هي لحمة الخطاب الإسلامي وسداته، ويكفي الدلالة على ذلك أن لفظة، الإنسان، تكررت في القرآن ثلاثاً وستين مرة، ولفظة «بني آدم» تكررت ست مرات وكأمة الناس تكررت مائتين وأربعين مرة (٥). وأول نداء في القران كان نداء للناس كافة: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ (البقرة: 21)، كما أن أول خمس آيات نزلت من القرآن (من سورة العلق) ذكرت لفظة «الإنسان»، في اثنتين منها﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (1) خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ (2) اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ (3) الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ (4) عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ (5)﴾ (العلق:5:1).

والله سبحانه كرم الإنسان؛ إذ خلقه بيده في أفضل صورة وأجمل منظر وأحسن تقويم ونفخ فيه من روحه، وميزه بالعقل الذي يعي ويريد ويختار، وأسجد له ملائكته واحتفى به في الملا الأعلى وسخر له الكون، وأنزل إليه كتبه، وأختار من جنسه رسلاً، يدعون الى الواحد الديان ويسمون بإنسانية الإنسان.

كذلك كانت سيرة الرسول r تأكيداً لهذه الإنسانية، إذ إنه الله الرحمة المهداة للعالمين: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ (الأنبياء:107)، وكانت أفعاله وأقواله r تأكيداً لمبدأ الأخوة الإنسانية «أنا شهيد أن العباد كلهم أخوة» (٦) ، والمساواة الإنسانية كلكم لأدم وادم من تراب (۷) وأهمية الأعمال الإنسانية الا أخبركم بأفضل من درجة الصلاة والصيام والصدقة قالوا بلى يا رسول الله قال: إصلاح ذات البين فإن فساد البين هي الحالقة (۸) أحب الإعمال الى الله سرور تدخله على مسلم تكشف عنه كربة، أو تقضي عنه ديناً، أو تطرد عنه جوعاً، ولأن أمشي مع اخ في حاجة أحب إلي من أن أعتكف في هذا المسجد شهراً، ومن كظم غضبه، ولو شاء أن بعضيه أمضاه ملا الله قلبه نوراً يوم القيامة، ومن مشى مع أخيه في حاجة حتى يقضيها له ثبت الله قدميه يوم الأقدام (۹).

-----------------------------------------

الهوامش

  1. صحيح ابن حبان ج۱، ص ۲۰۷.

  2. البخاري كتاب الجنائز، باب من قام لجنازة يهودي ج رقم ١٣٢٩

  3. سنن أبي داود ج۲، ص ۸۳.

  4. سيرة ابن هشام والكلام عن هذا الحلف ذكر في البداية لابن كثير بإسناد صحيح وفي دلائل البيهقي وراوه الحميدي وابن سعد عن طريق الواقدي.

  5. انظر الخصائص العامة لدين الإسلام د. يوسف القرضاوي ص ٦٢.

  6. سنن أبي داود ج۲ ص ۸۳.

  7. مسند الربيع ج ۱ ص .۱۷۰

  8. جامع العلوم والحكم ج۱ ص ۲۲۹.

  9. مجمع الزوائد ج ۸ ص ۱۹۱.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 2

522

الثلاثاء 24-مارس-1970

حول العالم

نشر في العدد 8

580

الثلاثاء 05-مايو-1970

حول العالم - العدد 8