العنوان الخطوة الثالثة.. معرفة الجاهلية
الكاتب د.عبدالحميد البلالي
تاريخ النشر الثلاثاء 27-يناير-1987
مشاهدات 71
نشر في العدد 802
نشر في الصفحة 48
الثلاثاء 27-يناير-1987
لا يقول عاقل بأن قائدًا من القواد، أو فئة من الفئات تستطيع الانتصار على خصمها
دون معرفة دقيقة لنقاط الضعف ونقاط القوة لديه، وما لم يتعرف أصحاب الحق على الجاهلية
معرفة دقيقة تجعلهم يعرفون من خلالها نقاط الضعف ونقاط القوة، فإنهم لن يستطيعوا مواجهته.
ما هي الجاهلية؟
فالجاهلية كما يصفها الأستاذ محمد قطب بأنها «حالة نفسية ترفض الاهتداء بهدى
الله، ووضع تنظيمي يرفض الحكم بما أنزل الله.. ثم تصيبها النتائج الحتمية لهذا الانحراف،
نتائج تختلف باختلاف صورة الانحراف ومداه.. ولكنها تتفق في أنها اضطراب في حياة البشر
وشقاء وقلقلة وتدمير وعذاب.
ومن ثم فهي ليست محصورة في الجاهلية العربية، ولا في فترة من الزمن معينة.. وإنما
هي حالة يمكن أن توجد في أي وقت وفي أي مكان.. كما توجد كذلك في أي «مستوى» من المعرفة
و«الحضارة» والتقدم المادي والقيم الفكرية والسياسية والاجتماعية و«الإنسانية»... إذ
كانت هذه كلها لا تهتدي بالهدى الرباني، وتتبع أهواءها، وترفض أن تتبع ما أنزل الله.
وإن «الجاهلية» و«الهوى» سيان، فالذين يتبعون أهواءهم يرفضون أن يتبعوا ما أنزل
الله.. وهم حينئذ في «الجاهلية» لهذا السبب عينه: لأنهم يرفضون هدى الله.. أيًا كان
مبلغهم من العلم البشري، ومبلغهم مما يسمى الحضارة والتقدم المادي، والتنظيم السياسي
والاجتماعي والاقتصادي.. وهم كذلك عرضة للنتائج الحتمية لهذه الجاهلية.. من اضطراب
وشقاء، وتفتت»(1).
معرفة سبيل المجرمين
فالجاهلية عكس الهداية، فكل وضع لا يهتدي بهدى الله فهو من الجاهلية وكل مجتمع
لا يهتدي بهدى الله فهو مجتمع جاهلي.
يقول الإمام ابن القيم: «فالعالمون بالله وكتابه ودينه عرفوا سبيل المؤمنين معرفة
تفصيلية، وسبيل المجرمين معرفة تفصيلية، فاستبانت لهم السبيلان كما يستبين للسالك الطريق
الموصل إلى مقصوده، والطريق الموصل إلى الهلكة، فهؤلاء أعلم الخلق وأنفعهم للناس، وأنصحهم
لهم، وهم الأدلاء بهداه، وبذلك برز الصحابة على جميع من أتى بعدهم إلى يوم القيامة،
فإنهم نشأوا في سبيل الضلال والكفر والشرك والسبل الموصلة إلى الهلاك، وعرفوها مفصلة
ثم جاءهم الرسول فأخرجهم من تلك الظلمات إلى سبيل الهدى وصراط الله المستقيم، فخرج
من الظلمة الشديدة إلى النور التام، فإن الضد يظهر حسنه الضد، وإنما تتبين الأشياء
بأضدادها، وأما من بعد الصحابة، فمنهم من نشأ في الإسلام غير عالم بتفصيل ضده، فالتبس
عليه بعض تفاصيل سبيل المؤمنين بسبيل المجرمين، فإن اللبس إنما يقع إذا ضعف العلم كالسبيلين
أو أحدهما كما قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: «إنما تنقض عرى الإسلام عروة عروة إذا
نشأ في الإسلام من لم يعرف الجاهلية». هذا من كمال علم عمر رضي الله عنه، فإنه إذا
لم يعرف الجاهلية وحكمها، وهو كل ما خالف ما جاء به الرسول -صلى الله عليه وسلم- فإنه
من الجاهلية، فإنها منسوبة إلى الجهل، وكل ما خالف الرسول فهو من الجهل»(2).
فلابد أن يعرف أفراد الحركة الإسلامية النظام الاقتصادي الجاهلي، وما يسبب للعالم
من ظلم وفقر واحتكار وحروب وأحقاد، وأن يعرفوا النظام الاجتماعي الجاهلي الذي ساوى
الرجل بالمرأة فامتهنها ووضع من قيمتها وانتشرت الفاحشة بخروجها وتبرجها، وضاع الأطفال
بغياب الأمهات، فخرجت أجيال من الشباب الذي لا يعرف الله ولا يريد أن يعرف الصلة بالله،
ولابد أن يعرف النظام السياسي الجاهلي الذي احتكم إلى تشريع البشر فجعل البشر هم الآلهة
من دون الله.
______________
1- جاهلية القرن العشرين ص ۱۱- وهبة.
2- الفوائد ١٤٢، ١٤٣- النقاش.