; الخطوة السادسة" الثبات" | مجلة المجتمع

العنوان الخطوة السادسة" الثبات"

الكاتب د.عبدالحميد البلالي

تاريخ النشر الثلاثاء 10-فبراير-1987

مشاهدات 72

نشر في العدد 804

نشر في الصفحة 40

الثلاثاء 10-فبراير-1987

وجعلها الإمام البنا من أركان البيعة وجاء ترتيبها بعد التضحية والطاعة، وكأن ذلك إشارة بأن التضحية والطاعة من المسببات الرئيسية للثبات، حيث إن التضحية كما يعرفها الإمام البنا هي: «بذل النفس والمال والوقت والحياة وكل شيء في سبيل الغاية»(1) وإذا ثبت لنا بأن جميع أنواع السقوط كانت بسبب من أسباب الدنيا، فإن المعنى يظل ثابتًا ويعصمه الله من السقوط لأنه قد باع كل ما يتعلق بالدنيا لله سبحانه وتعالى.

والطاعة لون من ألوان الالتزام الذي يكون مؤشرًا من مؤشرات الثبات في حياة الداعية. والثبات كما يعرفه الإمام البنا هو: «أن يظل الأخ عاملًا مجاهدًا في سبيل غايته، مهما بعدت المدة وتطاولت السنوات والأعوام، حتى يلقى الله على ذلك وقد فاز بإحدى الحسنيين، فإما الغاية وإما الشهادة في النهاية ﴿مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ ۖ فَمِنْهُم مَّن قَضَىٰ نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ ۖ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا (الآحزاب:23) (2).

أسباب السقوط

إن أخبار السقوط والساقطين لتكاد أن تخلع القلب من الخوف، خاصةً إذا كان الساقط من القدوات والمتكلمين، ولكن الذي يسكن رجفة القلب ما ذكره بعض العلماء من أسباب للسقوط.

ففي تعليقه على حديث "إن الرجل ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار فيدخل النار"(3) يقول الإمام ابن القيم: «لما كان العمل بآخره وخاتمته لم يصبر هذا العامل على عمله حتى يتم له، بل كان فيه آفة كامنة ونكتة خذل بها في آخر عمره، فخانته تلك الآفة والداهية الباطنة في وقت الحاجة فرجع إلى موجبها وعملت عملها، ولو لم يكن هناك غش وآفة لم يقلب الله إیمانه»(4).

سبب وجود هذه الآفة الكامنة في الأعماق والتي ما كان يلحظها بسبب ما كان يغره ما عليه من مظاهر الصلاح كان السقوط، وقد تكون تلك الآفة الكامنة حبه للرئاسة والبروز، أو إعجابه برأيه أو عدم سلامة صدره على الآخرين، أو لكبْر يوجد فيه بسبب علم أو جاه أو منصب، وأخذت هذه الآفة تكبر يومًا بعد يوم حتى خرجت من الباطن وأصبحت ظاهرة عليه فصرعته فأصبح من الساقطين.

والسقوط أنواع: فمنه ما يكون ابتعادًا عن صف الدعاة مع عدم تركه للواجبات الدينية مع بقاء حبه للجماعة ومحافظته على ما كان قد اؤتمن عليه.

ومنه ما يكون ابتعادًا عن الصف مع عدم تركه للواجبات، ولكن مع حقده على الجماعة والعمل ضدها بكل ما يملك.

ومنه ما يكون سقوطًا حقيقيًّا في الضلال، وهذا النوع لا يكون أبدًا لمن استقام ظاهره وباطنه، بل لابد لهذا النوع من وجود بلية باطنية استمرت بالنمو يومًا بعد يوم، مع غفلة عنها حتى سببت ذلك السقوط، لهذا ينقل الإمام القرطبي عن أبي محمد عبدالحق قوله: «اعلم أن سوء الخاتمة أعاذنا الله منها لا تكون لمن استقام ظاهره وصلح باطنه، ما سمع بهذا ولا علم به -والحمد الله- وإنما تكون لمن كان له فساد في العقل أو إصرار على الكبائر وإقدام على العظائم، فربما غلب ذلك عليه حتى ينزل به الموت قبل التوبة»(5).

نتائج السقوط

يقول الأستاذ فتحي يكن في كتابه القيم "المتساقطون على طريق الدعوة": وظاهرة التساقط هذه تسببت وتُسبِّب كثيرا من الإساءات البالغة على الساحة الإسلامية، يكفينا أن نعرض هنا لبعضها:

- لقد تسببت هذه الظاهرة في أكثر الأحيان بهدر طاقات الحركة وأوقاتها في المعالجات التي قلَّ أن تجدي نفعًا.

- وتسببت في إشاعة الفتن والتفسخ والتسمم في أجواء الحركة، مما يُعد عاملًا مساعدًا على حشارة قريبي العهد بالإسلام وبالدعوة.

- وتسببت في كشف خبايا وأسرار ما كان لها أن تنكشف لولا أجواء الفتنة الضاغطة ووقوع الألسن والآذان في قبضة الشيطان

- وتسببت بإضعاف الحركة وبإغراء العدو بها والاستعجال في ضربها وتصفيتها

- وتسببت في بعد الناس عنها وزعزعة الثقة بها والتطاول عليها، مما يعطل دورها، وقد يوقف بالكلية سيرها(6).

وإذا كانت هذه النتائج تُعد بلا شك عوائق تعوق الحركة الإسلامية الوصول للنصر، أو على الأقل تؤخر النصر الذي سيتم، فإن الثبات هو عنصر أساسي في عملية النصر المؤزر بإذن الله.

لنثبت على الطريق

يقول الأستاذ مصطفى مشهور: «لنثبت يا أخي على طريق الدعوة، فلا تزل قدم بعد ثبوتها، ولنظل على الطريق لا نمل السير كل الوقت، وفي كل مكان، وتحت كل الظروف، ولو كان الواحد منا وحده في أقاصي الأرض، أو في أعماق السجون، مستشعرين معين الله، فهو نعم المولى ونعم النصير.. لا تمل السير يا أخي ولو تباعدت أمام ناظريك تباشير النصر، أو ثمار أعمالك وجهادك، فالله سبحانه من رحمته بنا يحاسبنا على الأعمال والنيات، ولا يحاسبنا على النتائج(7).

يخطئ الطغاة حيث يظنون بأن البطش يطفئ الدعوة والدعاة، فلهذا يستخدمون أقسى أنواع التعذيب لثني الدعاة عما يدعون إليه، ولكنهم يفاجَأون بأن الدعاة بعد هذا التعذيب یزداد عزمهم، ويجددون البيعة بالثبات على عهد الله، ومثّل هذا الشاعر جمال فوزي حيث يقول:

برغم البطش والتنكيل

قمنا نجدد بيعة مهما لقينا 

وتعلنها وفي الآفاق أنا

بعهد الله متنا أو حيينا(8)

وفي وسط حلقات التعذيب سنة ١٩٥٤، ومن حجرة مظلمة في سجن القلعة، صاح شاعرنا جمال فوزي مثبتًا إخوانه وموضحًا لهم سنة الله في الدعاة، إذ يقول:

سنبذل روحنا في كل وقت

لرفع الحق خفاقًا مبينًا 

فإن عشنا فقد عشنا لحق  

ندك به عروش المجرمينا

وإن متنا ففي جنات عدن

لنلقى إخوة في السابقينا(9)

وفي تحدٍّ واضح يثير أعصاب زبانية الطغاة، يصيح شاعرنا جمال فوزي فيهم وتحت سياطهم:

فصبوا كيف شئتم من عذاب

سجون الغدر أجمل ما لقينا

تعلمنا الثبات فهل أفقتم

غدًا سترون عقبى الظالمينا(10)

فهو إن كان تحت التعذيب، يدرك أن لهذا البلاء خاتمة، وأن للطغاة نهاية قريبة.

ومن صيحة جمال فوزي إلى صرخة وليد الأعظمي في وجه الطغاة، معلنًا لهم أن التعذيب لن يزيده إلا ثباتًا، ولن يثنيه عن طريق الحق فيقول:

وصرخت في وجه الطغاة مغاضبًا

كفوا عن التعذيب والإيلام 

والله لو قطعتم لحمي أذى

وطحنتم قبل الممات عظامي 

ما زغت عن هدي النبي محمد

كلا ولا نافقت للحكام(11)

إننا لا نتمنى الفتنة، ولكننا تسأل الله الثبات إذا جاءت، ونردد مع رسولنا صلى الله عليه وسلم: "يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك" (12).

(1) مجموعة الرسائل ص ٣٦١ – المؤسسة الإسلامية.

(2) مجموعة الرسائل ص ٣٦٣ – المؤسسة الإسلامية.

(3) البخاري – الفتح ٣٣٣٢

(4) الفوائد ص ۲۱۳ – النفائس.

(5) التذكرة ٠٥٣/١

(6) المتساقطون على طريق الدعوة ص ٧٠٦

(7) طريق الدعوة (1) ص ١٤٠

(8) ديوان الصبر والثبات من ٤٨

(9) ديوان الصبر والثبات ص ۱۰۷ ۱۰۸

(10) ديوان الصبر والثبات ص ٥١

(11) أغاني المعركة ٤٩، ٥٠

(12) رواه الترمذي وصححه الألباني – ص ج ص ٧٨٦٤

الرابط المختصر :