العنوان الخليفة وصراع الأجنحة والمبادئ: عزل آية الله منتظري
الكاتب محمد امين العباس
تاريخ النشر الثلاثاء 18-أبريل-1989
مشاهدات 61
نشر في العدد 913
نشر في الصفحة 16
الثلاثاء 18-أبريل-1989
خليفة الإمام كان على رأس منفذي الثورة
مأساة منتظري تكمن في أنه جاء في غير وقته
التيار المتشدد يرى في اعتراضات المنتظري
مدخلاً لنقض «ولاية الفقيه»
أذاع «راديو
طهران»، في 29 مارس الماضي، خبر استقالة آية الله حسين علي منتظري من منصبه كخليفة
للخميني، وذلك استجابة لرغبة الإمام الخميني، وقد تباينت ردود الفعل تجاه أمر
الاستقالة بدرجات متفاوتة.
ففي طهران وقم،
انتظمت مظاهرات عديدة تشيد بمواقف آية الله منتظري، وتبع ذلك -الأسبوع الماضي- اشتباكات
متفرقة بين أنصار منتظري وأنصار الإمام الخميني؛ ما استدعى معه تدخل حسين منتظري
لتجنب أحداث العنف ومنع أنصاره من المشاركة في تلك الأفعال التي لا تستهويه.
وفي الأوساط
الخارجية، اعتبر المراقبون أن إبعاد آية الله منتظري عن منصبه يعد مؤشرًا قويًا
على استهداف التيار «الانفتاحي» الذي يقوده حجة الإسلام هاشمي رفسنجاني.
وقد ذكرت
الأنباء الواردة من طهران بأن لغة جافة نسبيًا كانت طابع خطاب الاستقالة وقبولها،
فقد وجه آية الله منتظري عدة انتقادات للنهج السياسي السائد، وتطرق بصفة أساسية
لعمليات الإعدام الواسعة وغير المبررة التي اشتملت مؤخرًا على قوائم خاصة بالنساء.
ومن جانب آخر،
ركز منتظري على «افتقار المسؤولين إلى الكفاءة وازدياد التطرف والظلم واحتكار
السلطة من قبل بعض المجموعات وازدراء الشعب، إضافة إلى أوجه القصور على الصعيد
الديني.
وقد جاء رد
الإمام الخميني في بعض فقراته في مباشرة خالية من أبسط أساليب المجاملة
والدبلوماسية: «كما كتبتم، فإن مهمة «إمام» الجمهورية الإسلامية مهمة صعبة
ومسؤولية ثقيلة تتطلب صفات أكبر مما تملكون».
وعلى الرغم من
أن رسالة قبول الاستقالة التي بعثها الخميني لمنتظري حملت لهجة تنم عن عدم الرضا
تجاه توليه لمنصب «خليفة الإمام» التي تعتمد تأصيلاً على نظرية «ولاية الفقيه»، فإن
الخميني أبدى تلطفًا بتلميذه السابق، وكأنه بذلك يريد أن يفصل أمر «الولاية
المنصب» عن قضية الاعتبار الشخصي.
جذور
التنازع
لعل طبيعة
التشكيلات المؤسسية في إيران هي المسؤول الأول عن الإفرازات الصراعية، وقراراتها
غير المبررة في أحيان كثيرة، فالنظام الإيراني تتجاذب مراكز القوة فيه بجانب
القنوات الشرعية للنظام سلطة أخرى لا تقل نفوذًا عن المؤسسة الرسمية للحكم، وهذه
السلطة تتمثل في «الحوزة» التي تتيح لقائدها الحق في جمع «الخمس»؛ أي خمس الأموال
«للمرجع الديني»، كما له وحده الحق في توزيعها على طلبة العلم والدعاة التابعين
«لحوزته»؛ وعليه فإن قوة التماسك العضوية بين «مرجع الحوزة» وطلبتها والملتحقين
بنظامها يوفر قدرًا من الضغط على النظام الحاكم يقارب المشاركة الفعلية في كثير من
عناصر القرار إن لم يكن تفرداً به.
ومن هذا المنطلق،
كانت صراعات «الملالي» من جانب وصراعات الحوزة والسلطة الشرعية من جانب آخر، ولعل
هذا مما يفسر التصفيات الإدارية الشائعة منذ أن جاء الخميني للسلطة في إيران، في فبراير
1979م، وقد كانت «الحوزة» باستمرار وراء التيار المتشدد ومن تحت عباءتها خرجت
المواقف المتشددة للثورة الإيرانية بدءًا باحتلال السفارة الأمريكية وقرار استمرار
الحرب المدمرة، ومرورًا بتوجهات تصدير الثورة والتعبئة الجماهيرية ضد العناصر
القيادية الأكثر اتزانًا، وانتهاء بالمواقف الاعتزالية لعلائق إيران بالآخرين
وتصفية أعداء الثورة في الداخل والخارج، وإلى «الحوزة» تنسب إجراءات إبعاد
بازركان، وأبي الحسن بني صدر الرئيس الأول المنتخب د. إبراهيم يزدي وكثير من
القيادات الإسلامية غير المنتسبة «لنظام الحوزات».
وهنا تجدر
الإشارة إلى أن آية الله المنتظري يعد من أكثر المخلصين لنظام الحوزة، إلا أنه
كثيرًا ما تبرم من التدخلات التي تمثلها الحوزة؛ وعليه فإن درجة الوفاق بين خليفة
الإمام السابق والحوزة لم تكن على ما يرام، ومن هنا بدأت معركة الخلافة.
الرغبة
والإمكانية
ربما يتفق
المراقبون على كثير مما يتمتع به آية الله منتظري من صفات قيادية، لكنهم بالتأكيد
سيجمعون على أن مأساة الرجل تكمن في أنه لم يكن رجل المرحلة.
فالصفات التي
أهلت المنتظري لأن يصبح «خليفة الإمام» هي ذاتها التي أدت إلى عزله عن ذلك المنصب
المرموق.
ومن خلال
المواقف تتبين معالم شخصية المنتظري بأنه يملك قدرًا من الصدق والصفاء جعله في
أحيان كثيرة رهين مواقف محرجة تصل لدرجة الإحراج فيها لمستوى التناقض مع مواقف
إمامه الخميني»، وبالإضافة لروح الصدق والصراحة، فإن عقلية المنتظري تصطدم مباشرة
بحالة الاستحواذ بالقرار، وتأبى أن يتملك تلك الوضعية طائفة ليست مؤهلة حقيقة لأن
تؤدي ذلك الدور.
وقد وضح ذلك
جليًا من خلال رسائله المتبادلة مع آية الله الخميني، كما برز أيضًا في خطبه
الانتقادية خاصة تلك التي قالها بمناسبة بلوغ الثورة عامها العاشر، فقد تناول عدة
مواقف للثورة وندد بسياسة تكميم الأفواه وحجب القيادات الوطنية، كما أشار صراحة
إلى أن «الثورة لم تحقق أهدافها»، وندد أيضًا «بانعدام الكفاءة في القياديين
والظلم والصراع الذي كرس الانقسام في الجبهة الداخلية».
وهذا الكلام
الذي لا تنقصه الصراحة هو الذي أودى «بخليفة الإمام» إلى الرجوع مرة أخرى إلى
«حوزته» بقم تاركًا أمر تدبير البلاد لعقليات تتناسب وأجواء التشدد السائدة.
لقد امتازت
المرحلة السابقة للثورة الإيرانية بقدر هائل من التعبئة الجماهيرية نحو أهداف
محددة، ففي البدء كان الهدف هو الانعتاق من قوى «الاستكبار والطاغوت» الدولية، ثم
جاءت الحرب العراقية-الإيرانية ليصبح صوت المعركة هو السائد، وتضع الحرب أوزارها،
بدأت مرحلة جديدة توقع كثير من القياديين في إيران بأنها فترة استجماع ونقد ذاتي
حتى تكوَّن تيار داخل أروقة السلطة ينادي بضرورة تقويم خطوات الثورة وفقاً للمبادئ
الإسلامية والمصلحة الوطنية، وقد تصدر هذا التيار حجة الإسلام علي أكبر رفسنجاني
رئيس مجلس الشورى، ووزير الخارجية علي أكبر ولايتي، وقد مثل المنتظري دور الظهير
الداعم لهذا التيار طيلة السنوات الثلاث الماضية، التي قضاها في منصب «خليفة
الإمام»، كما أن المنتظري كان دائماً في طليعة رواد النقد الذاتي الذي يعمل عنده
في كثير من الأحيان إلى تحديد المخطئ والدعوة لمعاقبته.
خلفيات
أخرى
جاء العيد
العاشر لقيام الثورة وسط أجواء تمتاز بالهدوء والصمت على غير العادة، وبدأ
الاحتفال وكأنه مشبع ببرودة الجو السياسي المحيط والخالي من التوتر المشحون بالروح
الثورية، ومما زاد في حيرة رجل الشارع العادي أن الثورة التي ضحى من أجل انتصارها،
بدأ قادتها والقائمون على نظامها يوجهون لها قدرًا لا بأس به من الانتقاد، وكان
رجل الشارع في السابق يجد هذا الانتقاد في أبواق العملاء أو على أعمدة صحف
«الطواغيت» العالمية وقوى الظلم والاستكبار، ولم يكن الصادحون بالانتقاد مجرد
قادة، وإنما على رأسهم «خليفة الإمام»؛ وهذا ما دفع بالإمام الخميني إلى إصدار
رغبته إلى المنتظري بأن يتنحى ويترك المنصب لمن يمتلكون صفات أكبر مما يمتلك هو.
إن المنتظري
اعترض على سياسة التصفية الجسدية التي تمارسها الثورة منذ قيامها، ويرى فيها
سلوكًا لا يتوافق والعدالة الإسلامية، لا سيما أن هذه الإعدامات طالت المنتظري
بصورة مباشرة عندما أعدم 18 من أتباعه في نوفمبر عام 1988م كان من أبرزهم حجة
الإسلام فتح الله نجف عبادي، المدعي العام الإسلامي السابق لمدينة أصفهان، كما
اعتقلت وزارة الداخلية 200 من علماء الدين، وأعدم في وقت لاحق رئيس مكتب مساعدة
حركات التحرير الإسلامية حجة الإسلام مهدى هاشمي الذي يتصل بالمنتظري بنسب
المصاهرة.
ولذا فإن منتظري
يدعو جديًا إلى إعادة الانفتاح السياسي وإرساء قواعد التسامح وفتح الأبواب للحريات
السياسية، ووضع السلطة في يد الكفاءات المقتدرة عن طريق استيعاب الوطنيين أمثال
بازركان وغيره من الذين ضحوا من أجل إقامة مجتمع أفضل تسوده روح الإسلام وتكلله
مبادئ العدالة والإخلاص.
ومنتظري في ذلك
يعد بكل المقاييس مهندسًا رئيسًا لسياسة الاتزان والتجارب الإصلاحية، وهو نهج لا
يتسق والروح الثورية المتأججة التي يصر الخميني على بقائها كعماد ثابت في نهج
الثورة، ويؤيد ذلك تصريحات الخميني التي تنص على عدم السماح لعودة «غير الثوريين»
دعاة «سياسة الأمر الواقع»، وكما تدعمه مواقفه من أركان النظام وتأييده المطلق
لتيار «الراديكاليين» المتشدد بقيادة مير حسين موسوي رئيس الوزراء.
في حين أن
منتظري يرى نهج المزايدة على الإخلاص قد فتح الباب أمام «الانتهازيين وغير
المجاهدين فهم يحلون شيئًا فشيئًا محل الأوفياء للثورة الذين تركوا الساحة بعد أن
تعرضوا لأعمال ظالمة»، وهنا كانت المفارقة أكبر من أن تسوى، خاصة أن ذلك يهدم
«ولاية الفقيه» التي حرص الخميني على تكريسها كمفهوم ديني وزمني غير قابل للنقد.
ما
بعد الخليفة
بأفول نجم آية
الله منتظري، تتداعى أركان التركيبة السياسية السائدة في إيران، فالصعود الذي حققه
تيار الانفتاح «البرغماتي» الذي يقوده رئيس مجلس الشورى علي أكبر رفسنجاني لن
يتمكن من الاستمرار في إدارة خيوط اللعبة بنفس المهارة السابقة؛ وبالتالي فإن
التيار المتشدد «الراديكالي» سيزدهر في الفترة القريبة القادمة معتمدًا على الشرخ
الرأسي الذي أحدثه غياب منتظري عن ساحة التنازع بين التيارات الفاعلة في الساحة
السياسية.
وربما يؤدي هذا
الصعود إلى تفسيرات واسعة في السياسة المعلنة لإيران خاصة فيما يتعلق بالعلاقات مع
الدول الغربية، وربما تبرز الدعوة إلى تصدير الثورة إلى السطح مرة أخرى بعد أن
قمعتها سياسة التعامل المصلحي التي حاول تيار رفسنجاني بناءها، وإن كان الوضع
القائم حالياً في إيران لا يسمح بارتكاب مثل تلك المجازفات وفي جانب السياسة
الداخلية، فإن سياسة التعددية السياسية ربما تصاب ببعض الفتور هذا إن لم تقلع عنها
مناهج المتشددين نهائيًّا، فالتعددية السياسية تعني في معناها القريب والبعيد
«تبريد» الأجواء الثورية المشحونة وإقامة سياسة تعول على العقلانية والنقد العلمي
وكشف المزيد من بواطن التفكير الثوري، وهو ما لا يتوافق ودعاة الثورة الدائمة
«المتشددين»، كما يتوقع أن تشهد السياسة الاقتصادية تحجيمًا واسع القوى «البازار»
«السوق والقوى التجارية والرأسمالية» حيث تعتمل في نفوس التيار المتشدد سياسة
مركزية موجهة في النظام الاقتصادي والدعوة إلى مزيد من الانغلاق في المصالح
التجارية، وربما يقلل من هذا التوجه أن أوضاع ما بعد الحرب حتمت أنساقًا اقتصادية
لا يتوافق معها التوجيه المركزي الصارم للعملية التجارية.
إن غياب
المنتظري يعني أكثر من مجرد قيادي كان بالإمكان أن يساعد في توجيه دفة الحكم في
إيران، فمنتظري يجسد تياراً وعقلية متزنة لها أساليبها في التفكير، ويرمز بذلك إلى
العقلية الإصلاحية التي ترى أن الثورة الدائمة لا تعطي الفرصة الكافية لاستقراء
الحقائق، كما أن نهجها التعبوي لا يتيح إنضاج التجارب في أجواء صحية وطبيعية.
وبالرغم من هذا،
فإن سياسة الشد المتواصل لا بد مدركة غاياتها، وأول تلك الغايات أنها لن تكون هي
وحدها صاحبة القدح المعلى، فلا بد من شركاء وبوجود الشركاء يصبح البقاء للأصلح (فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ
جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأرض) (الرعد: 17)،
وهي سُنة الله في خلقه (فَلَنْ
تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلًا وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلًا)
(فاطر: 43) صدق الله العظيم.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل