; الخوف من الإسلام.. وهم أم حقيقة؟ | مجلة المجتمع

العنوان الخوف من الإسلام.. وهم أم حقيقة؟

الكاتب د. توفيق الواعي

تاريخ النشر السبت 03-ديسمبر-2011

مشاهدات 58

نشر في العدد 1979

نشر في الصفحة 43

السبت 03-ديسمبر-2011

كل مسلم وكل صاحب قلب ينكر العنف الذي وصم به المسلمون ظلماً وعدواناً، ويتنافر معه، ويبغض ترويع الآمنين، ويشمئز منه؛ لأن ديننا ينهى عن ذلك، وشريعتنا تمقته، ولأنه يتنافى مع الطبع المستقيم والفطرة السوية قال النبي صلى الله عليه وسلم: «من أشار إلى أخيه بحديدة؛ فإن الملائكة تلعنه حتى ينتهي، وإن كان لأبيه وأمه»، وقال صلى الله عليه وسلم: «لا يحل لرجل أن يروع مسلماً». 

أما مَنْ قتل نفساً فويل له من أهل الأرض جميعاً، ويا إثمه من مالك الكون ورب العرش العظيم، قال تعالى: ﴿مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا﴾ [المائدة: 32]، قال المفسرون في شرح الآية: يحث القرآن جميع الأمة على تعقب قاتل النفس وأخذه أينما ثقف، والامتناع عن إيوائه أو الستر عليه، وكل مخاطب على حسب مقدرته، وبقدر بسطه يده في الأرض، والمقصود من هذا التشبيه تهويل القتل وإشراك جميع الخلق في معاقبة القاتل والتعبير هنا بقوله "من قتل نفسا" يؤكد حرمة النفس مطلقا، بصرف النظر أن تكون مسلمة أو غير مسلمة. 

وكل مسلم وكل صاحب عقل أو ضمير ينكر البغي والعدوان وقتل الحريات والاستهتار بالأرواح والقيم والاستعباد الجسدي والفكري سواء كان من وال أو حاكم أو سلطان، لأن ذلك يتنافى مع أبسط تعاليم الشرائع والقيم ويتصادم مع بدهيات قوانين العدالة الإنسانية قال تعالى: ﴿ فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ (22) أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ (23)﴾ [محمد: 22- 23]. 

وقد بين عليه الصلاة والسلام الدستور النبوي الذي يقتدي به المسلمون، فقال: «إذا استرحموا رحموا، وإذا حكموا عدلوا، وإذا قسموا قسطوا، وإذا عاهدوا وفوا، فمن لم يفعل ذلك منهم فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين»، وقال: «لا تقدس - أي لا تحترم ولا تكرم - أمة لا يُقضى فيها بالحق، ولا يأخذ الضعيف حقه من القوي غير متعتع؛ يعني من غير أن يصيب الضعيف أذى يقلقه أو يزعجه، ورحم الله عمر بن الخطاب رضى الله عنه حين قال لأحد ولاته "متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحراراً"، وتراث الإسلام مهول ورائع في بعث الحقوق الضائعة، ورفع الكرامات الهابطة وتقرير العدالة، فكيف يضيع - إذا - الطريق من قدم المسلمين وتلتوي بهم السبل ويقعون صرعى الأباطيل والمظالم والأهوال؟ 

ولكن يتوجه إلى ذهن المسلم سؤالان: لماذا يتواكب الإرهاب في عالمنا العربي مع حكم العسكر؟ ولماذا يتزامن التطرف مع عصور الدكتاتوريات وانتشار المظالم؟ يجيب عن هذين السؤالين الباحثون الجادون وغيرهم من عجم وعرب.. فمن غير العرب على سبيل المثال لا الحصر، الكاتب الأمريكي وأستاذ الجامعة "جون أسبوزيتو" مؤلف كتاب "التهديد الإسلامي" وهم أم حقيقة؟"، والكاتب الفرنسي "فرانسوا بورجا" مؤلف كتاب الإسلام صوت الجنوب"، وكتاباهما كانا حصيلة جهد ميداني واسع النطاق قام به المؤلفان بدراسة على الطبيعة في الشرق الإسلامي، وقد تكلم كل منهما عن ظاهرة العنف الذي أسمياه الهامشي في الشرق الإسلامي وأرجعاه إلى العناصر التالية:

١- الفساد الذي يجعل الشباب يثور عليه ويطمح في إزالته. 

2- إفرازات غيبة الديمقراطية وعدم السماح للرأي الآخر. 

3- ردود أفعال السلطة التي تضرب بلا رحمة أو هوادة. 

4- العنف ليس حصيلة إسلامية أو عنصرية، وإنما حصيلة سياسية وحصاد للنظام الاجتماعي غير المتوازن برمته ومن ثم فإن رصد وقائع العنف منفصلة عن الإطار الذي خرجت منه هو خطأ آخر ينبغي الحذر من الوقوع فيه. 

ومن تكلم في ظاهرة الإرهاب بموضوعية من العرب كثيرون، على سبيل المثال أ. فهمي هويدي، ود. محمد عمارة، وغيرهما الكثير :فقالوا التطرف الحالي من بعض الجماعات إن وقع فما هو إلا رد فعل لاستمرار الحكومة الحالية في إدارة البلاد بنفس المنطق الدكتاتوري لـ"عبد الناصر" ومن جاء بعده، مع السماح بديكور ديمقراطي لا يغير من جوهر النظام، ولا يقنع الجماهير بأن هناك حرية وعدالة ومساواة، ومن الأمثلة الصارخة الدافعة لتطرف الحكومة مع مواطنيها: 

أولاً: منع الشعب بالقوة والقهر من اختيار مَنْ يحكمه بتزييف كل الانتخابات. 

ثانيا: الحكم من خلال دستور معيب يجعل السلطة مطلقة في يد رئيس الجمهورية، ويجعل ممثلي الأمة في مجلس الشعب تماثيل لا تملك من أمرها شيئا. 

ثالثاً: الاستيلاء على السلطة بطرق غير شرعية، وغير مواكبة لنبض العصر وهو الحرية والديمقراطية. 

رابعا: التبعية الكاملة إلى الولايات المتحدة، حتى أصبحنا مسخا بين العالم. 

خامسا: منع إقامة أحزاب إلا بعد موافقة الحكومة المغتصبة للسلطة. 

سادساً: الفساد ونهب المال العام جهاراً نهاراً! وحرمان الشعب من ثروات بلاده. 

سابعاً: عدم القدرة على إدارة البلاد بكفاءة ومسؤولية، فتدنت مستويات المعيشة وكثرت الديون وعم الغلاء والفقر. 

ثامنا: قتل الطموحات الفردية والجماعية فتلاشى بذلك الإبداع، وانعكس ذلك على الحياة الاجتماعية والفكرية والثقافية. 

تاسعاً: استغلال الإعلام في تكريس حكم الفرد، وحشد جموع من الكتاب المعينين واستغلال أوضاعهم الاجتماعية والوظيفية لتسخير أقلامهم في الدفاع عن السلطة وتجاوزها، وفي توهين عقائد الأمة. 

عاشراً: الانقياد للنظرات الحزبية الضيقة، وشخصنة المسائل، والوقوع في براثن الفتن والعداوات واستهلاك الجهد فيها. 

وبعد، أفكل هذا - وغيره الكثير - لا يحرك التجاوزات ولا يشكل دوافع التطرف ؟! وإلى متى سنظل هامشيين وندفن رؤوسنا في التراب ونعالج بغير موضوعية، ونتناسى رسالتنا وتعاليمنا المبهرة التي تنير الدروب وترشد الخطو؟ ولحساب مَنْ يكون ذلك؟ وما عواقبه؟ والآن، وبعد ثورة ٢٥ يناير العظيمة التي أزالت العوائق، وأزاحت السدود، ولم يبق لأحد عذر ولا لمبدع حجة في النكوص عن النبوغ أو القعود عن التأسيس للنهضة المرتقبة أو المستقبل الواعد .. فهل نسمع ونعي ونفقه الدروس والعبر؟ نسأل الله ذلك. 

الرابط المختصر :