العنوان الخوف والسياسة المرض هو الأنانية والتقوى هي العلاج
الكاتب عزام التميمي
تاريخ النشر الثلاثاء 05-سبتمبر-1995
مشاهدات 56
نشر في العدد 1165
نشر في الصفحة 46
الثلاثاء 05-سبتمبر-1995
في السابع من يوليو الماضي نظم مركز دراسة الديمقراطية في جامعة ويسمنستر بمدينة لندن، ندوة حول «السياسة والخوف»؛ بهدف إعادة إثارة الاهتمام في موضوع لم يحفل -كما صرح بذلك البروفسور جون كين رئيس المركز- بما يستحقه من الدراسة خلال العقود الماضية، على الرغم مما له انعكاسات خطيرة في الوقت الراهن على المستوى الكوني. ومن القضايا التي طرحتها الندوة للحوار استعراض للأبحاث الفلسفية والأدبية حول موضوع الخوف، ونماذج الخوف الناشئ عن أنظمة الحكم التي عرفتها الإنسانية في القرن العشرين من دكتاتورية وشمولية وديمقراطية برلمانية.
دُعي للمشاركة في الندوة عدد محدود من الباحثين جاءوا من أماكن مختلفة شملت بالإضافة إلى بريطانيا، أمريكا وسلوفينيا وتركيا وجمهورية التشيك وفرنسا، إلى جانب الباحثين أعضاء مركز دراسة الديمقراطية في الجامعة -بما فيهم محرر هذا التقرير- والشيخ راشد الغنوشي الذي قدم ورقة حول مفهوم التقوى في الإسلام، ودور الخوف من الله في تبديد ما سوى ذلك من المخاوف ارتقاءً بالفرد والمجتمع نحو الأمن والاستقرار.
مصادر الخوف
أكد البروفسور جون كين في كلمته الافتتاحية بأن الخوف يأتي في أشكال كثيرة تتنوع باختلاف الأزمنة والأمكنة، إلا أن الخوف الذي عقدت له هذه الندوة هو ذلك الناجم عن الأنظمة السياسية، والذي يكاد يكون خاصية من خواص القرن العشرين، حيث أصبح الخوف أداة من أدوات الحكم وتمكين السلطان، فقد شهد هذا القرن نشأة أنظمة الحزب الواحد التي لم تدخر جهدًا في إبداع الأساليب والتقنيات لزرع الخوف في نفوس الرعية، وضرب على ذلك مثلًا مراقبة مثل هذه الأنظمة لخطوط الهاتف، وشعور أعضاء الحزب أنفسهم بالمتعة التفاني في خدمة الحزب وإظهار الإخلاص له، وشعور المواطنين بشكل عام بأنهم لن يفلتوا من رقابة الحزب أنَّى ذهبوا، وهذا مصداقًا للمثل الشائع «للجدران آذان».
وإذا كان «مونتسكيو» -كما أكد «كين»- قد أجاد وصف الخوف المتولد عن الاستبداد، فقد أتت أنظمة الحزب الواحد في القرن العشرين لتطور صناعة الخوف وتحسن من القدرة على نشر الرعب، مستخدمة كل ما توصلت إليه البشرية من تقنية وتطور، حتى غدت الدول الحديثة مصدرًا أساسيًّا من مصادر الخوف بما تملكه من قدرة على سلب الحياة، ناهيك عن سلب الهناء أو سلب الكرامة أو التضييق في الأرزاق، ولذلك فقد تضمنت دعوة «جون كين» لإحياء الاهتمام بموضوع السياسة والخوف، التطرق أولًا لما اعتبره أهم عناصر هذا الموضوع، وهو مصادر الخوف التي يتطلب تقصيها انتهاج استراتيجية تعددية تأخذ بعين الاعتبار ما آلت إليه الحياة من تعقيد في ظل أنظمة الحكم المختلفة، وفي ظل نظام دولي قادر على شن حروب كونية شاملة، هي في حد ذاتها مصدر كامن، ولكنه دائم للرعب، مع الأخذ بعين الاعتبار مواقع أخرى سوى الدولة الشمولية التي يتولد منها الخوف، وهي مواقع داخل الدولة الديمقراطية الليبرالية، حيث تتولد المخاوف بشكل متزايد، مثل الخوف من البطالة، أو الخوف من تدني مستوى الخدمة الاجتماعية أو الصحية أو التعليمية، وخوف الأطفال من العنف الممارَس ضدهم، وخوف المشاة من أن يتعرضوا للاعتداء والسلب، أو خوف النساء من التعرض للاغتصاب، والخوف من العنصرية أو من عدم التسامح، وهكذا.
فقد شهدت المجتمعات الليبرالية حديثًا ردود فعل على تراكم المخاوف، مثل نشأة الجماعات الأيديولوجية والمليشيات المسلحة في أمريكا في رد فعل على الخوف من قرب انتهاء الحلم الأمريكي، أو كرد فعل على الخوف من تقلص قدرة الدولة على ضمان الأمن البدني والمعنوي، وهذه المظاهر ذات الطابع الديني في مجملها تولد بنفسها أنواعًا من الخوف شبيهة بالخوف الذي كان الدين في التقليد الأوروبي مسئولًا عن توليده، مما يذكر بعلاقة نوع آخر من الخوف، وهو الخوف من الموت بالدين.
ثم عرج «جون كين» وهو صاحب كتاب «الإعلام والديمقراطية» على دور الإعلام في إشاعة الخوف عبر ما تنشره المطبوعات أو تذيعه المسموعات والمرئيات من تقارير وقصص وأفلام، بعضها واقعي وكثير منها خيالي، مؤكدًا أن تحليل فرويد في ورقة نشرت له عام ۱۹۱۹م للخوف من الموت، كان محفزًا لصناعة الخوف عبر الإعلام من خلال قصص الأشباح والرعب بمختلف أنواعها.
ورأَى «جون كين» أن الخوف يمكن أن يعبر عنه بأشكال مختلفة، ذكر منها:
1- الشعور بالأمل والرغبة في أن تتحسن الظروف حتى يزول الخوف.
2- التكيف البراجماتي مع حالة الخوف، وذلك طبقًا لنظرية «هويس».
3- ممارسة السخرية والتهكم، اعتقادًا من المرء بأنه مهما فعل فلن تؤول الأمور إلى الأسوأ.
4- فقدان الأمل وصولًا إلى حالة من الاكتئاب المعيق.
5- التدهور التام الذي قد ينتهي بالانتحار، مرورًا بالإدمان على الخمر أو بغيره من المدمرات.
6-المواجهة ومحاولة قهر الخوف.
وفي ختام حديثه شكك «جون كين» في مصداقية الادعاء بأن التحول نحو الديمقراطية يقضي على الخوف، معتبرًا الديمقراطية نظام سلطة مفعمًا بالمجاهيل. ما زال كم هائل من الأسئلة المثارة حوله بحاجة إلى إجابات، ولذلك فثمة حاجة ملحة لتطوير أساليب من شأنها التقليل من الخوف أو تقليص مصادره.
قُدمت بعد ذلك مساهمات من عدد من المشاركين منهم البروفسور «باري بوازن» من قسم العلوم السياسية والعلاقات الدولية في جامعة واريك، الذي كانت ورقته بعنوان «الخوف
والأمن في العلاقات الدولية»، أكد فيها بأن مصطلح الخوف نادرًا ما يستخدم في العلاقات الدولية مع أن مفهومه متجذر في الجدل القائم حول الأمن والأخطار، فالأمن تقابله مجموعة من المخاوف، أكثر ما يجري التركيز عليه هو الخوف على الأمن القومي للدول.
وفيما عدا ذلك، تثار في العلاقات الدولية تساؤلات حول المقصود من الأمن الاقتصادي عند الحديث عن الاقتصاد، أو الأمن البيئي عند الحديث عن البيئة، ولا توجد تصورات واضحة في هذا المجال حول ما الذي يراد تأمينه أو ما الذي يسعى للتأمين ضده، ومن هنا يتطور الأمر ليصبح السؤال: ما الذي يشكل تهديدًا للأمن الدولي؟ وثار جدل أثناء التعقيب على هذه المداخلة حول المصالح التي رأى البعض أنها هي التي يُسعى لتأمينها، والتي يشكل الخوف من فقدانها العنصر الأهم في صناعة القرار ووضع السياسات.
إلا أن المساهمة التي استحوذت على اهتمام المشاركين استقطبت جل النقاش في اليوم الأول للندوة كانت ورقة الشيخ راشد الغنوشي، المفكر الإسلامي وزعيم حزب النهضة التونسي، وكانت بعنوان «التقوى علاج للخوف».
بدأ الغنوشي بتشخيص مشكلة الخوف في السياسة المعاصرة من وجهة نظره كإسلامي، مذكرًا بأن البشرية عاشت في ظل الحرب الباردة تحت وطأة الخوف من الدمار الشامل بعد حربين عالميتين، نقل الغرب خلالهما صراعه المدمر حول مناطق النفوذ إلى معظم أرجاء العالم، ناشرًا الموت والأحزان والدمار، وعرفت البشرية على المستوى السياسي خلال مرحلة الحرب الباردة أقدارًا من السلم بمفعول توازن الرعب، حتى إذا انتهت الحرب الباردة بشَّر منظرو الرأسمالية بعهد جديد سعيد للبشرية يسوده السلام، وتطمئن فيه الضمائر، وتتجول فيه الأفكار والبضائع، ويتنقل فيه الناس في أرجاء العالم بسلام، يتعاونون على ما فيه خير للجميع، ولكن.. هل كان لتلك النبوءات الرأسمالية المتفائلة من نصيب من المصداقية؟
يجيب الغنوشي: لا، بل كان السير في الاتجاه المعاكس، فكل الشواهد تشير على أنه قد أضيفت إلى المخاوف السابقة مخاوف جديدة، فقد زاد نهب الأغنياء للفقراء، وزاد نهب الشمال للجنوب، فإثر زوال الخطر الشيوعي تعرضت الضمانات الاجتماعية في دول الشمال لمخاطر التقليل والتهديد بالزوال بعد ما أصاب الحركات النقابية من هزال وزال مبرر حماية بعض دول الجنوب ضد الزحف الشيوعي، وتفاقم نهب المؤسسات الرأسمالية الدولية لاقتصاديات العالم الثالث، وتسببت مواقف الدول الغربية في تجدد المظالم على نطاق واسع في البوسنة والشيشان وكثير من بقاع الأرض.
والتشخيص الصحيح هو أننا لسنا أمام أزمة عارضة، بل أمام أزمة حضارية، سببها قيام حضارة الغرب منذ الأساس على اختزال الإنسان والكون والحياة في رؤية مادية لا ترى غير قوانين المادة وحاجات البدن، ولا تعترف بحق إلا للقوي، وتمجد الرجل الأبيض وتاريخه، متجاهلة ما وراء ذلك من رؤية شمولية للإنسان والكون والحياة، إن المشكلة هي أن حضارة الغرب لا تعترف بتعدد أبعاد الإنسان، وتناغم المادة والروح وحاجات الفرد ومطالب المجتمع، ولا تعترف بوحدة الأصل والمصير الإنساني، ولا تقيم مقياسًا واحدًا للحق والباطل.
العلاج
ثم يتطرق الغنوشي بعد التشخيص للعلاج مؤكدًا أن الإسلام يقدم مفهومًا أساسيًّا يساهم به في معالجة أزمة السياسة المعاصرة، يعبر عنه بالمصطلح الإسلامي «التقوى».
وهي ذلك الشعور لدى المؤمن بحضور الله في ضميره وحياته من أجل إقامة العدل وعمارة الأرض وقلع الشر، ولئن كان أكثر الناس خشية لله في المفهوم الإسلامي هم أكثرهم علمًا ووعيًا، فإن التقوى هي الحضور الإلهي في حياة المؤمن.
والتقوى في رأي الغنوشي رقابة عامة تورث المؤمن طمأنينة، فهو ليس وحيدًا في اجتهاده وجهاده، بل إن الله القوي الرحيم القادر ماضٍ معه يحميه من أعدائه، ثم تدفع هذه الرقابة المؤمن إلى احترام دستور العدالة في التعامل مع الآخرين، لأن تقصيره في حق الله يمكن أن يظفر بعفوه، ودستور العدالة في الإسلام ليس وطنيًّا ولا عرقيًّا ولا طائفيًّا، بل هو دستور إنساني كوني، يشمل البشرية كلها ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَىٰ أَنفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ ۚ إِن يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَىٰ بِهِمَا ۖ فَلَا تَتَّبِعُوا الْهَوَىٰ أَن تَعْدِلُوا﴾ (النساء: ١٣٥).
أما على صعيد العالم الإسلامي، فيشير الغنوشي إلى أن الإيمان بالله يمثل سندًا لدى الشعوب المضطهدة في البوسنة والشيشان وفلسطين، وغير ذلك من مواقع النضال لتواصل المقاومة سعيًا للتحرر والنهوض، فالتقوى ثورة على مصادر خوف البشرية كلها.
وكانت خلاصة مداخلته أنه إذا كان مصدر الخوف في الغرب لم يعد الدولة- أي الشرطة «بل ذلك مصدر تطمين» وإنما الفرد أو الأفراد الآخرون، فإن مصدر الخوف في بلاد العرب والمسلمين ليس أفراد المجتمع، وإنما الدولة الاستبدادية متمثلة في منظر البوليس الذي يثير الرعب والخوف بالاعتقال والتعذيب، وإذا كان الغرب قد حل مشكلة السلطة عبر الديمقراطية -رقابة الشعب على الحكومة- فإنه لم يحل مشكلة الضمير، أما نحن، فيمثل الإسلام بالنسبة لنا مصدر تطمين في علاقات الأفراد وفي الأسرة والمجتمع، وتبقى المعضلة هي الدولة الدكتاتورية.