العنوان الخيار الفلسطيني في معادلة الشرق الأوسط
الكاتب عبدالله الصالح
تاريخ النشر الثلاثاء 20-يناير-1981
مشاهدات 90
نشر في العدد 512
نشر في الصفحة 16
الثلاثاء 20-يناير-1981
* في خضم الخيارات عرفات يقول: لا خيار إلا الخيار الفلسطيني.
* عرفات يقبل بدولة فلسطينية على أية بقعة فلسطينية، وواثق أنها على الأبواب!
* مواقف الأنظمة وعدم وضوح الطريق دفعت المنظمة الى التركيز على العمل السياسي.
* كامب ديفيد وصلت إلى طريق مسدود، وريغان يحاول إنقاذها بشيء من التعديل.
* المحاولة الأوروبية تطرح تدويل القدس، وتخيير الفلسطينيين بين الدولة المستقلة أو الفدرالية مع الأردن، أو الكونفدرالية مع إسرائيل.
* فلسطين يجب أن تعود إسلامية وإلا فالبندقية والصبر أولى.
منذ أن أعرب ريغان عن أمله في أن تلعب الأردن دورًا إيجابيًا في حل «أزمة الشرق الأوسط»، شاع في الساحة السياسية العربية اصطلاح «الخيار الأردني»، والخيار المصري، وأخيرًا وعلى لسان رئيس منظمة التحرير الفلسطينية «الخيار الفلسطيني»، فما هو الخيار الفلسطيني؟ وهل هو حقًا خيار فلسطيني؟
في خطابه لمناسبة مرور ستة عشر عامًا على قيام الثورة الفلسطينية قال السيد ياسر عرفات رئيس اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية أنه لا بديل عن الخيار الفلسطيني، ورفع فيه لاءاته الأربع: لا حل، لا سلام، لا أمن، لا استقرار يتجاهل الحقوق الفلسطينية.
ولم يشأ عرفات أن يجعل الأمر غامضًا، بل حدد مفهومه للخيار الفلسطيني بأنه «حق تقرير المصير، وإقامة دولة فلسطينية مستقلة على التراب الوطني الفلسطيني».
الدولة ستقوم قريبًا!
ويبدو أن السيد ياسر عرفات متفائل جدًا، أو واثق جدًا أن الدولة الفلسطينية المنتظرة ستقوم قريبًا؛ ففي مقابلة أجرتها معه مجلة المستقبل قال عرفات: «هذا العام هو عام الخيار الفلسطيني إرادة وملحمة»، وعندما سئل إن كان عام ۱۹۸۲ سيشهد ولادة الدولة الفلسطينية، أجاب قائلًا: من الصعب تحديد تواريخ معينة، ولكن «أنا واثق أنه كلما اشتدت حلكة الظلام كلما اقترب طلوع الفجر، وأنا واثق أن الشعب الفلسطيني قد اقترب من تحقيق هدفه في إقامة دولته المستقلة على ترابه الوطني الفلسطيني».
ولكن هذه الثقة عند الرجل جعلت محاوره يستفسر عما إذا كان «تفاؤل» أبي عمار تفاؤل الثائر أم السياسي؟ فأجاب: إنه تفاؤل السياسي والثائر معًا.
ولا يخفى أن هذه الإجابة «دبلوماسية»، لا تعطي السبب الحقيقي ولا تنفيه، ولكن السيد عرفات سبق له أن أدلى بأحاديث وتصريحات صحفية كثيرة، قال فيها بأنه يقبل بدولة فلسطينية على أي بقعة من أرض فلسطين، حتى لو كانت أريحا، مما أثار جملة من التعليقات والانتقادات على المستوى الجماهيري.
وعلى أية حال؛ فإنه أصبح واضحًا على لسان السيد أبي عمار وغيره من قادة منظمة التحرير الفلسطينية أن «الدولة الفلسطينية» أصبحت مطلبًا فلسطينًا متفقًا عليه.
والجدير بالذكر أن مطلب الدولية الفلسطينية المستقلة على الأراضي التي ستتسحب منها «إسرائيل» لم يكن واردًا في برامج منظمة التحرير، ولا المنظمات الفدائية الأخرى فيما قبل مبادرة السادات الفاشلة؛ حيث كانت القيادة الفلسطينية تطرح الدولة الفلسطينية العلمانية، أو الديمقراطية على كل التراب الفلسطيني، يتعايش فيها اليهود والمسلمون والنصاري، وتوزع السلطة حسب تعداد السكان، وكان عرفات قد طرح هذا المطلب عام ١٩٧٤ من على منبر هيئة الأمم المتحدة، وهذا التحول في المطلب يعود إلى ظروف سياسية عربية ودولية متشابكة، لم تألُ منظمة التحرير جهدًا في شرحها وتبيانها في معرض دفاعها وتسويغها للمطالبة بدولة فلسطينية على جزء من أرض فلسطين، وهذا ما يعزز على أية حال الفكرة القائلة بأن العمل الفلسطيني بات يتجه إلى العمل السياسي والدبلوماسي والإعلامي للحصول على حق تقرير المصير والهوية المفقودة، فالفلسطينيون على حد تعبير خالد الحسن «بدأوا يتحركون سياسيًّا عندما قبل العالم الإصغاء إلى وجهة نظرهم».
الخيار الفلسطيني والخيارات العربية
وبما أن الفلسطينيين المسلحين واجهوا صعوبات جمة من معظم أنظمة الدول العربية وصلت إلى حد التصفية، كما حدث عام ۱۹۷۰ في الأردن وما زال يحدث منذ عام ١٩٧٥ في لبنان، فإن الوضع العسكري لهم بات ضعيفًا ومحكومًا على أية حال بسياسات الدول العربية.
ونتيجة لهذه الأسباب ولبروز بعض القيادات الفلسطينية «المعتدلة» أو التي تفتقر إلى وضوح الرؤية والوعي الفكري والسياسي، انحصر العمل الفلسطيني في الوسائل السياسية فقط، وإذا كان هنالك من عمليات عسكرية فالغالب أنها «رديفة» للخطة السياسية، مع العلم أن المعارك الساخنة هي لإثبات الوجود ضد القوى الصليبية في لبنان، أو الغارات اليهودية.
هذه الحقائق جعلت القضية الفلسطينية عنصرًا واحدًا، وإن كان مهمًّا من عناصر معادلة أزمة الشرق الأوسط، والحلول التي طرحت على المستوى العملي حتى الآن هي اتفاقات كامب ديفيد التي ارتكزت على المبادئ الأساسية التالية:
١- الصلح المنفرد بين مصر وإسرائيل وتطبيع العلاقات بينهما.
٢- إغفال منظمة التحرير الفلسطينية وأي دور لها.
٣- الإبقاء على سيادة إسرائيل على الضفة الغربية وقطاع غزة ضمن محادثات «الحكم الذاتي الفلسطيني»..
وقد وصلت مفاوضات واتفاقات الكامب ديفيد إلى طريق مسدود باعتراف جميع القوى الدولية، بما في ذلك بعض الأطراف الأساسية لكامب ديفيد، كالولايات المتحدة الأميركية في عهد إدارة الرئيس المنتخب ويغان، التي يرى المراقبون أنها وأن أكدت احترامها والتزامها بروح اتفاقيات الكامب، إلا أنها ترى أن صيغتها ليست كفيلة بتسوية شاملة لأزمة الشرق الأوسط، ومن هنا طرح ريغان «الخيار الأردني» الذي أثار بطبيعة الحال مخاوف السادات الذي يصر على «الخيار المصري»، ويرى بعض المراقبين في واشنطن أن جولة كيسنجر «غير الرسمية»! قصد منها تطمين السادات بأن الإدارة الأميركية الجديدة متمسكة به وبالكامب، وأن الخيار الأردني يعني إشراك أطراف أخرى في مفاوضات السلام!
في هذه الأثناء شاء السيد ياسر عرفات أن يؤكد على أن لا مجال إلا للخيار الفلسطيني، وعلى أن أي معادلة لحل أزمة الشرق الأوسط ستكون فاشلة إذا تجاوزت الخيار الفلسطيني! وقد يبدو هذا الموقف صلبًا وثوريًا لأول وهلة، ولكن تسلسل الأحداث والظروف التي اتخذ هذا الموقف إزاءها تلقي عليه بظلال الضعف والانسياق وراء الحلول الدولية.
ملامح الوضع السياسي
والصورة الآن في الشرق الأوسط فيما يخص قضية فلسطين يمكن إجمالها على النحو التالي:
اتفاقيات كامب ديفيد هي المطروحة عمليًا، وتحاول إدارة الرئيس الأميركي المنتخب ریغان ضم أطراف أخرى إلى مفاوضات التسوية، تقوم على الأركان التالية:
* تكريس الصلح المنفرد بين مصر وإسرائيل وتطوير العلاقة بينهما؛ بحيث يمكن الاعتماد عليهما معًا في مهمات عسكرية أميركية في الشرق الأوسط وفي الخليج.
* تشجيع الأردن على الانضمام إلى المفاوضات كممثل للفلسطينيين، وتسليم الضفة الغربية لنظام الملك حسين فيحال انسحاب إسرائيل منها.
* الاتصال بممثلين فلسطينيين من الضفة والقطاع لتشكيل حكم إداري فلسطيني، يقيم علاقات فيدرالية أو كونفدرالية مع الأردن.
* إلزام إسرائيل بالتوقف عن بناء المستعمرات في الضفة الغربية.
وهذا التصور الجديد للإدارة الأميركية ليس في الحقيقة أكثر من نسخة تكاد تكون طبق الأصل من الخيار الإسرائيلي الذي يتبناه حزب العمل بزعامة شيمون بيريز، والذي تشير كل الدلائل إلى أنه سيفوز بانتخابات الدورة العاشرة للكنيست في منتصف أو أواخر هذا العام.
وحزب العمل انطلاقًا من إیمانه «بالنقاء اليهودي» أبدى استعداده ضمن برنامج مفصل للانسحاب من بعض المناطق الآهلة بالسكان، وإعطائها حق التمتع بإقامة حکم إدارى ذاتي متحد فيدراليًا مع الأردن، مع الإبقاء على شريط حدودي تحت السيادة اليهودية للحفاظ على «الأمن»، والاحتفاظ بالمستوطنات اليهودية الحالية، والتوقف عن بناء مستوطنات جديدة، أما القدس فستظل موحدة وتحت السيطرة اليهودية.
كما يطرح برنامج حزب العمل اليهودي مسألة الاعتراف المتبادل مع الدول العربية والانفتاح الاقتصادي معها.
ويلاحظ أن تصور إدارة ريغان وحزب العمل يكادان يكونان وجهين لعملة واحدة.
ومحاولة أوروبية
وإضافة لكامب ديفيد وتعديلاتها هناك ما يسمى بالمبادرة الأوروبية التي أسماها ياسر عرفات بأنها «محاولة» على الصعيد النظري، لم تتحول إلى نظر، ويدعو هو ومستشاره عصام الصرطاوي رائد الإتصالات اليهودية– الفلسطينية، وخالد الحسن وغيرهم من القادة الفلسطينيين إلى أنه يجب توحيد الجهود العربية لدفع مجموعة دول السوق الأوروبية إلى ترجمة أقوالهافي البندقية ولوكسمبورغ إلى أفعال!
وحسبما هو منشور من معلومات منسوبة إلى مصادر أوروبية وعربية مطلعة، فإن المبادرة الأوروبية التي لا تزال «تحركًا»، ترتكز على المبادىء التالية:
* انسحاب إسرائيل من الأراضي المحتلة عام ١٩٦٧ مع بعض التعديلات لضرورات أمنية إسرائيلية، ويتم الانسحاب خلال عامين.
* سلطة دولية يجري الاتفاق بشأنها لوضع الأراضي المحتلة تحت إشرافها خلال الفترة الانتقالية.
* يقوم الفلسطينيون بالإعداد اللازم لإجراء استفتاء شعبي للتصويت على أحد الخيارات الثلاثة: دولة مستقلة، أو فيدرالية مع الأردن، أو كونفيدرالية مع إسرائیل.
* إقامة منطقة منزوعة السلاح بإشراف دولي على طول الحدود.
* التقدم بعدة صيغ لوضع القدس تتضمن استعادة السيادة العربية، والصيغة المطروحة حاليًا كما نقلت مصادر عن مبعوث السوق السابق غاستون ثورن هي وضع القدس تحت الإشراف الدولي، بل إن بعض المصادر المطلعة ذكرت أن هذه الصيغة ستعرض للنقاش في مؤتمر القمة الإسلامي!!
الجواب الفلسطيني
والجواب الفلسطيني الذي تمثله منظمة التحرير بحق على هذه «المحاولة» تتسم حتى الآن بالموافقة، فمبدأ الدولة الفلسطينية المستقلة هدف أساسي لدى المنظمة، وحتى الإشراف الدولي قبل به عرفات في حديث له مع فريق من الأساتذة الأميركان زاروا بيروت مؤخرًا، وحديثٍ آخر جاء صريحًا للغاية أدلى به يوم 1981/1/13 إلى صحيفة الشعب المصرية؛ حيث قال بأنه يقبل أي حل تدعو له الأمم المتحدة، ويفضل الدولة المستقلة، ويرفض الحكم الذاتي والخيار الأردني، كما أكد قبوله لإدارة دولية خلال الفترة الانتقالية.
ويبقى الهدف الأساسي الذي تظل المنظمة تناضل من أجله هو كونها الممثل الشرعي الوحيد للشعب الفلسطيني، وعلى حسب تعبير ياسر عرفات «لا سلام إلا بالسلام الفلسطيني، ولا استقرار إلا إذا استقر الشعب الفلسطيني، ولا أمن إلا إذا عاد الشعب الفلسطيني إلى أرضه، وأنشأ دولته المستقلة الفلسطينية فوق ترابه الوطني».
ومن أجل هذا الهدف الكبير تكون التضحيات ولو بالاعتراف المتبادل مع إسرائيل، ومن هنا فإن السياسة الفلسطينية بقيادة منظمة التحرير ستتعارض مع الأردن إذا ما قبل بالعرض الأميركي والأوروبي، وهذا ما يعلن رفضه الملك حتى الآن، كما ستتعارض مع سياسة الإدارة الأميركية التي تراهن على حزب العمل.
وتشير المعلومات إلى أن أجواء قادة منظمة التحرير أخذت تتهيأ لمجابهة السياسة الأميركية بهذا الخصوص، والذي يجمع عليه المراقبون أن أية مبادرة لحل أزمة الشرق الأوسط باتت مؤجلة إلى ما بعد الانتخابات الإسرائيلية أو الأوروبية، وهي مرهونة على كل حال بوحدة الموقف العربي والإسلامي الذي سيعمل المؤتمر الإسلامي على التوصل إليه، وبطبيعة الحال فإن منظمة التحرير ستلعب دورًا نشطًا في هذا المجال.
وإذا ما قدر لأحد الحلول الدولية أن ينفذ في عالم الواقع؛ ليضيف إلى قائمة الدول العربية والإسلامية دولة فلسطينية صغيرة ومنزوعة السلام، يبرز سؤال ملح، وهو هل هذا حقًا هو خيار فلسطيني؟! وإذا كان حقًا خيارًا فلسطينيًا فهل هو خيار حر أبي؟ وهل هو خيار يرضي الله والرسول؟! هذا السؤال نرفعه إلى قادة العمل الفلسطيني؛ لنضعهم أمام مسؤولياتهم التاريخية، ففلسطين أرض إسلامية، ويجب أن تعود جميعها أرضًا إسلامية، وإذا كنتم غير قادرين على تحريرها كاملة في ظل الظروف والملابسات السياسية العربية والدولية الحالية، فإن الصبر على مجرد سحب الزناد يسعكم، ويرفعكم في أعين المسلمين إلى أن تحين ساعة الخلاص على أيدي جند الله، وصيحات الله أكبر، وما ذلك على الله بعزيز.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل