العنوان الخيانة والاستسلام بين الرفض والصمت الرسمي
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 26-سبتمبر-1978
مشاهدات 73
نشر في العدد 413
نشر في الصفحة 4
الثلاثاء 26-سبتمبر-1978
في أول أيام مسلسل المهانة والاستسلام للعدو الصهيوني حيث كان يلعب «روجرز» «وكيسنجر» و «مؤتمر جنيف» أدوارهم في إعداد المنطقة شعبيًا لقبول قضية «السلام» اللامنطقية «إلا في عرف المصالح الدولية» وتحقيق المصالح اليهودية على حساب قضية الشعب الفلسطيني.
يومها تطرقت «المجتمع» لهذا الموضوع ونبهت إلى مواضع الخطر والخيانة وتحدثت عن السلام المزعوم، فقالت:
هل من حق الحكام العرب إذا عجزوا عن تحرير فلسطين والأراضي العربية الأخرى. أن ينهوا القضية بأي شكل كان، وأن يصفوا الحساب لمصلحة اليهود؟
وهل من حق منظمة التحرير الفلسطينية أن تأخذ جزءًا من وطنها مقابل التفريط في أجزاء أخرى؟ ومن الذي كلف هؤلاء- الحكام والمنظمة- بأن يقوموا بمثل هذا العمل في هذه المرحلة التاريخية بالذات؟
الإجابة الأمينة الصريحة تقول: لا.
- ليس من حق الذين عجزوا عن بلوغ الهدف أن يحشدوا الأمة في ساحة التوقيع على وثائق باطلة، تقر وجود الكيان الصهيوني في فلسطين وتصفي القضية لمصلحة الغزاة اليهود.
- إسلاميًا ليس من حقهم أن يفعلوا ذلك؛ لأن الباطل مهما- طال عمره- لا يمكن أن يتحول إلى حق، وتقادم الزمن على السرقة لا يعطيها صفة الحلال أبدًا.. حتى وإن تزينت وظهرت في صيغ: قرار مجلس الأمن رقم ٢٤٢ أو مؤتمر جنيف.. أو دعاوى النفاق الدولي في السلام والأمن.
إن الباطل هو الباطل أمس واليوم وغدًا.. والذين يقرون وجوده مبطلون وما كان الإسلام ليقر عمل المبطلين، وما كان الله ليصلح عمل المبطلين، وما كان الله ليصلح عمل المفسدين.
والغريب أن هؤلاء الحكام لا يتسامحون أبدا ولا يتنازلون مقدار ذرة واحدة عن سلطاتهم ولا يطيقون قط أن ينتقص أحد من مساحة حكمهم وصولجانهم.. فإذ حدث وتقدم رجل شجاع.
وطالبهم- بحق- بأن يجعلوا للأمة مكانًا في الرأي والقرار.. هاجوا واستعملوا أسلوب التخويف والاعتقال، وما هو أشد من ذلك.
وفي نفس الوقت يجيزون أو يطلبون من الأمة أن تتنازل وتخوض في الباطل لتعطي اليهود ما ليس لهم.
كما وتحدث المجتمع عن نتائج حرب رمضان بحديث كان يعد في حينها ضربا من التشاؤم وتحميل الأحداث السياسية ما لا تحتمل- فقالت:
- وستظل الأجيال القادمة تلح من في السؤال؟
ما هي نتائج حرب رمضان؟
وستجد الجواب ممثلا في:
١- اعتراف بالكيان الصهيوني في فلسطين المحتلة.
2- إقامة حواجز دولية بيننا وبين عدونا، وهي قوات الطوارئ الدولية ومناطق منزوعة السلاح.
3- تغلغل النفوذ الاستعماري الأمريكي.
4- غباء ضخم تمثل في العجز عن استغلال الإمكانات المتاحة، فسلاح البترول يغل بابتسامة من كيسنجر.. والمال الهائل لا يستخدم في خدمة القضية والمبادئ.
5- خداع يحول هذه السلبيات إلى نصر يخدر الشعوب عن رؤية الواقع الكئيب.
ستظل الأجيال القادمة تلح في الأسئلة.
ألهذا قامت حرب رمضان؟
ألهذا أريقت دماء الشهداء؟
أمن أجل الاعتراف بإسرائيل.. يموت الرجال؟
أمن أجل تطبيق وعد بلفور على نطاق واسع تحرك الساسة والحكام؟
وقلنا يومها يبدو أن الجميع- موافقون- على ما يقوم بصياغته الأعداء.
-اليوم رافضون.. ولكن-
واليوم: يبدو أن مؤتمر كامب ديفيد أفرز حالة من الرفض الشعبي والرسمي.
فأصبح الجميع في عداد الرافضين تقريبًا.. لكن لا بد أن يعي الرافضون الرسميون أن الأمة ترفض؛ لأنه:
- ليس من العسير عليها أن تدرك الآن وبجلاء أن مؤتمر كامب ديفيد وما تمخض عنه ليس إلا حلقة مكملة لسلسلة الحلقات التي أريد بها إذلال الأمة وجرجرتها للموافقة على الاستسلام بدءًا من تحطيم الإرادة الشعبية عن طريق السماح للعسكر بالاستيلاء على السلطة ومرورًا بحرب ٦٧ وما فتحته للتفكير بالصلح مع العدو اليهودي ابتداءً بمشروع روجرز ثم استغلال معطيات حرب أكتوبر؛ لتسهيل مهمة اليهودي كيسنجر ومؤتمر جنيف ثم زيارة السادات للقدس في أخطر عملية تاريخية كسرت ما تبقى من العزة العربية وانتهاء بمؤتمر كامب ديفيد.
- ولأنه ليس من الصعب على أقل المتابعين للأحداث إدراكًا معرفة ما تنطوي عليه طبيعة السلام التي أقرها مؤتمر كامب ديفيد من مخاطر:
* سياسيا: تقدم طبيعة- السلام-:
١- فرصة أكبر لليهود في ظروف أمنية لم يكونوا يحلموا بها لتصفية حسابهم مع بقية أطراف النزاع وخاصة الفلسطينيين.
٢- مزيدًا من الفرقة والتناحر بين الدول العربية وما يتبع ذلك من إضعاف الصف العربي.
٣- قيودًا وأغلالا كبيرة تلتف حول أعناق وأيدي الأجيال القادمة لتحول بينها وبين مهمة التحرير فالاعتراف بالعدو قيد، ومحاولات فرض التعايش مع العدو قيد، وتكبيل الأجيال المقبلة بمواثيق علنية وسرية تستهدف تأمين الوجود الصهيوني قيد وأي قيد.
* وثقافيا: تقدم طبيعة- السلام- أكبر خطر للأجيال الحاضرة المسلمة حينما تضئ الضوء الأخضر للثقافة اليهودية المشركة لتلعب دورًا ينافس ثقافة التوحيد التي يراد لأجيالنا أن تتربى عليها.
فالثقافة اليهودية تنبع من عقيدة مشركة باطلة بينها لنا القرآن حين ذكر قول اليهود- وقالوا يد الله مغلولة- إن الله فقير ونحن أغنياء- وغيره من الأقاويل الإشراكية الملحدة.
فهل سيخفى هذا الخطر على أقل الناس إدراكا.. لا نظن ذلك.
* واقتصاديًا: تقديم طبيعة- السلام- أكبر منحة للاستغلال اليهودي ليلعب دوره في السيطرة الاقتصادية.
فالعرب: ثروات مادية وبشرية بكر غير مستغلة وذات سياسات متفرقة واليهود: خبرات ورؤوس أموال في خدمة المخططات اليهودية والالتقاء بينهما لن يولد عند الذين يضعون مصالحهم الاقتصادية فوق مصالح الأمة جميعا إلا مزيدًا من الارتماء في أحضان اليهود وتسليم مقاليد الاقتصاد إليهم.
وهل سيطر اليهود على أوربا وأمريكا إلا بسيطرتهم على الاقتصاد، وهل سيعجزون في حال سيطرتهم على الاقتصاد العربي من السيطرة السياسية علينا؟ الجواب معروف.
* ولأنه ليس من العسير على الأمة إدراك أن الأهداف الكبرى لكل ما يجري على الساحة من أحداث، إنما هو:
- قبول الوجود الصهيوني والاستسلام له.
- منع الشعوب من ممارسة حقها في تقرير مصيرها والتفرغ لها في حال إزالة المواجهة العسكرية مع اليهود وممارسة المزيد من القهر معها.
- فهل يعي الرافضون الرسميون- فهل يعي الرافضون الرسميون ذلك ويعبرون عن رفضهم الحقيقي بما يلي:
أولا: البدء في تكريس المواجهة العقيدية لليهود فاليهود يحاربوننا بعقيدتهم ولا بد لنا أن نحاربهم بعقيدتنا الإسلامية.
العقيدة التي تفرض علينا أن يحكم الإسلام في كل مناحي الحياة لا الإسلام الذي يستخدم عند الحاجة فحسب.
ثانيا: إطلاق الحريات للشعوب عن طريق إشراك الشعوب في تقرير مصيرها والسماح لها بأن تلعب دورها في التنمية الوطنية والمشاركة في تقدم البلاد وإعدادها لما يفرضه عليها موقفها الرافض لما يجري من أحداث.
ثالثا: محاولة الاكتفاء الذاتي:
* سياسيًا: تحقيق الانسجام بين القواعد الشعبية والإدارة الحكومية.
* اجتماعيا: عن طريق إبراز الشخصية المستقلة للشعوب الإسلامية ووقف التدهور الأخلاقي والاجتماعي ووقف محاولات التميع والانسياح بالأنماط الاجتماعية الأوربية.
* اقتصاديًا: بتنمية الخبرات والكفاءات الفنية لاستغلال ثروات أرضنا والضرب بيد من حديد على الذين يستغلون مصالح الأمة لبناء مصالحهم الشخصية.
كل ذلك حتى لا يتحول رفضنا الرسمي- سواء وعينا أم لم نعِ- إلى جزء من مسلسل يتم به امتصاص الرفض الشعبي وتميعه عن طريق المؤتمرات والقرارات كقرارات مؤتمر الخرطوم ولاءاته المشهورة ثم تموت القرارات وتفرض الحلول الاستسلامية علينا قهرًا.
فهل يعي كل ذلك الرافضون الرسميون.. أما الصامتون.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل