العنوان الخيانة وموقف الإسلام منها
الكاتب الدكتور محمد حسن هيتو
تاريخ النشر الثلاثاء 20-مايو-1980
مشاهدات 88
نشر في العدد 481
نشر في الصفحة 26
الثلاثاء 20-مايو-1980
ليس الخائن عندنا نحن المسلمين هو ذاك الذي يبيع أرضه وأمته من أمة أخرى فقط.
أو ذاك الذي يخالف رأي السلطة الحاكمة ويخرج عن منهجها.
فهذه مفاهيم مادية وقومية لا ضابط لها، تتبدل بتبدل الأشخاص، وتغير الأزمان وتفاوت المصالح، وتغاير الظروف.
ولقد أثبتت التجارب التي مر بها كل مفكر خلال هذا القرن فشل هذه النظرية الضيقة لمفهوم الخيانة، وبعدها عن الواقع.
بل أثبتت أن الخيانة من خلال هذا المنظار إنما هي شيء نسبي كالقبح والجمال، والحزن والسرور.
فما يكون جميلًا في نظر زيد، لا يكون كذلك في نظر عمرو بل ربما كان قبيحًا، والعكس كذلك.
ومن نزل به بأس يجعله حزينًا يرى الدنيا بأسرها حزينة، وإن كانت الدنيا بعيدة كل البعد عن معاني الحزن الذي يعيش فيه؛ بل ربما كان جار له في عرس وفرح.
وإذا الجنازة والعروس تلاقيا *** ورأيت دمع نوائح يترقرق
سكت الذي تبع العروس مبهتًا**** ورأيت من تبع الجنازة ينطق
ولذلك رأينا في منطقتنا من الذين نصبوا ولاة لأمورنا، من التناقض، ما يجعل الإنسان الذي يعيش في منطقتنا، في غاية القلق، والاضطراب، والحيرة.
لقد سمعنا عمن أعمى الله بظلام الكفر والإلحاد بصائرهم- ممن عاصرنا- الثناء الجميل على بعض أقرانهم المعاصرين، وسمعنا وصفهم بالقومية والوطنية والإخلاص، ثم سمعنا منهم أنفسهم الطعن على نفس الأقران، ووصفهم بالخيانة والعمالة.
سمعنا ممن يسمون بالثوريين وصفهم لمن سبقهم بالرجعية والخيانة، ثم سمعنا من ثار ثانية من الثوريين وصفه لمن سبقه من أقرانه بالرجعية والخيانة!! وباطراد يكون القادم الجديد مخلصًا، والمخلوع القديم خائنًا.
ومن يسير في ركب الطغيان وفيًّا وأمينًا، ومن يخالف عنه خائنًا وعميلًا.. والميزان في هذا هو النفس والهوى، والسخط والرضى، بل في كثير من الحالات الكفر والإيمان....
ولما كان ميزان الخيانة هذا رأينا المشانق تنصب لكبار أئمة المسلمين ودعاتهم، ممن يتشرف الوجود بذكرهم، متهمين بالخيانة، ولأنهم لم يحملوا أنفسهم على شهوة الطغاة، وإنما أرادوا حمل الطغاة على شرع الله.
بينما رأينا أوسمة الشرف والإخلاص تنهال على الزنادقة، والسفلة، لمجرد خضوعهم لإرادة الطاغية، وسيرهم في ركب هواه واصطباغهم بصبغة الإباحية واللادينية؛ ليدلوا على أنهم ليس لهم شرع إلا ما يشرعه هو، ولا يدينون إلا عابدين.
وهكذا ضاع الإنسان بين مفاهيم الخيانة والإخلاص، فلم يعد يستطيع أن يميز بينهما، إذ فقد الميزان والضابط الذي توزن به هذه الأمور وتضبط.
أما نحن المسلمين، فإننا نضبط هذه المعاني بميزان الشرع، من كتاب الله الذي أُحكمت آياته، وحديث رسول الله الذي سما عن الهوى نطقه.
الميزان الذي يحكم به، ولا يحكم عليه.
ولذلك كانت أحكامنا مطردة على مر الدهور، وكر العصور.
لا تغيرها الأيام، ولا تبدلها الأوهام، ولا تخضع للشهوات، ولا تناط بالهوى.
إنها أحكام الله التي ارتضاها للبشر دينًا، وأتمها عليهم نعمة.
إن الخائن عندنا نحن المسلمين هو ذاك الذي يحاد الله ورسوله فيعرض عن الشرع ويتبع الهوى.
إن الذي يجحد شرع الله، ولا يعمل به، يسمى عندنا نحن المسلمين خائنًا، وإن صام، وإن صلى...
والذي يرتكب ما حرم الله يسمى أيضًا خائنًا.
فالمتآمر على دينه مع عدوه خائن.
والذي يريد أن يحجر على أحكام الله، فيجريها في العبادة، ويبطلها في السياسة والمعاملة خائن.
والمرتمي في أحضان اليهودية والنصرانية، والموالي لها خائن.
وبائع أرضه ووطنه خائن.
والمستهتر بعرضه وشرفه خائن والزاني خائن.
والمرابي، والمرتد، وناكث العهد والسارق، والمرتشي، والمغتصب خائن.
إلا أن الخيانة تتفاوت، وبعضها أشد من بعض، فبعضها يصل لدرجة الكفر، وبعضها هو الفسق لا غير. وبعضها يعاقب عليه بالقتل، وبعضها بالسجن والتعزير، قال الله تعالى في كتابه الكريم: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ (الأنفال: 27).
وقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ﴾ (الأنفال: 58)، و ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَن كَانَ خَوَّانًا أَثِيمًا﴾ (النساء: 107)، ﴿وَأَنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي كَيْدَ الْخَائِنِينَ﴾ (يوسف: 52).
ولقد ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم الخيانة في معرض الكلام على الكبائر والصغائر، فذكرها في معرض كلامه على الكذب في الحديث، والخلف في الوعد، والغدر بالعهد، وإفشاء السر، والحيف في الشركة، والإشارة بالعين، والفطر في رمضان، وتولية غير الكفء على المسلمين مع وجود الكفء، وتضييع الأمانة، وعدم الوفاء، وكان صلى الله عليه وسلم يستعيذ من الخيانة.
وأما أولئك الذين يجاهدون من أجل إعلاء كلمة الله، ويعملون على تطبيق شرعه، ويتفانون في سبيل دينه فهم هم الذين فازوا بأوسمة الشرف، والإخلاص، والنبل، والوفاء.
وهم الذين لا زالت كلمات الله تُتلى ليل نهار، تحث الناس على اقتفاء آثارهم، والسير في طريقهم؛ لتدل على رفيع شأنهم، وعلو مرتبتهم.
وهم الذين سيحشرون يوم القيامة على منابر من نور؛ لأنهم كانوا في هذه الحياة الدنيا يأبون الحياة إلا في مرابع الضياء والنور. وهم الذين قال الله فيهم: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا ۚ وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾ (العنكبوت: 69).
وحسب المرء شرفًا أن يكون الله قائده وهاديه.
وحسبه خسةً أن يكون الله قد لعنه في كل كتاب أنزله على نبي.
فلينظر الإنسان من هو الذي يستحق أن يعقد على رأسه لواء الغدر والخيانة، في مجتمع يكاد ينسى موازين الغدر والخيانة.
ولا يظنن خائن غبي أن الخيانة تنقلب بخداعه الى أمانة، أو أن الأمانة تصير إلى الخيانة، فالحقائق لا تتغير.
ولقد قال المتنبي منذ ما يزيد عن ألف عام:
وهبني قلت: هذا الصبح *** أيعمى العالمون عن ليل الضياء؟
ليرشد عميان البصائر، وأغبياء العقول إلى سوء تصوراتهم. وقال الله قبل ذلك: ﴿وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ ۚ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا ﴾ (الإسراء:81).
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل