العنوان الداعية زينب الغزالي: قصص من نجاح الدعوة في أوساط العصاة والمنحرفين
الكاتب عزة محمد الجرف
تاريخ النشر الثلاثاء 11-مايو-1993
مشاهدات 72
نشر في العدد 1049
نشر في الصفحة 54
الثلاثاء 11-مايو-1993
في عام
١٣٥٦ هـ - ١٩٣٧ م أسست الداعية المعروفة السيدة زينب الغزالي جمعية السيدات
المسلمات، كأول جمعية نسائية في مصر والعالم العربي يكون الإسلام هو هدفها الأول
والأخير، وانتشرت فروعها حتى بلغت ١١٩ فرعًا داخل قرى مصر ومدنها حتى حلَّها جمال
عبدالناصر عام ١٩٦٤.
وحوكمت
زينب الغزالي بتهمة الانتماء إلى الإخوان المسلمين وصدر الحكم بإعدامها شنقًا وخفف
إلى الأشغال الشاقة المؤبدة، قضت منها ست سنوات وخرجت لتروي تجربتها في السجن
والتعذيب في كتابها الشهير «أيام من حياتي». وعبر أكثر من نصف قرن في مجال الدعوة،
تحدثنا الداعية الكبيرة عن بعض تجاربها الدعوية في هذا الحوار.
تقول
الداعية: أنصح أبنائي وبناتي الذين يتصدون للدعوة إلى الله أن يحتضنوا العصاة
الذين لجأوا إليهم للتوبة احتضانًا كليًّا، يماثل احتضان الأم لوليدها الذي أصابه
مكروه لتزيل عنه هذا المكروه أو ظلمة المعصية، فهو لا يريد من يلومه أو يؤنبه، بل
يحتاج إلى صدرٍ حانٍ ويد رقيقة وعطف شديد. مثلا نقول له: إن فيك أشياء كثيرة
جميلة، ولو استثمرتها- يا ولدي أو يا ابنتي أو يا أخي أو يا أختي- ستنتقل من عالم
الظلمة والانحراف إلى عالم النور والهداية والطمأنينة، وهذه المعاني تصدر من
الداعي إلى الله عندما يقبل العاصي عليه ويفتح له قلبه، ويحكي له ما كان مستغرقًا
فيه من معاصٍ.
هنا تكون
وظيفة الداعي محصورة في الأمومة والأبوة لهذا الإنسان العاصي؛ الأمومة التي تحنو
ولا تقسو، ترحم ولا تلوم، تشتد ولكن في شفقة وعطف؛ الأمومة التي تأخذ ابنها أو
ابنتها العاصية بين ذراعيها، وتقول: يا ولدي لا عليك ما فات ما دمت نادمًا على ما
كنت عليه، سأحكي لك عن رحمة الله وأن الله غفور رحيم، إن الله يغفر الذنوب جميعًا؛
فما دمت قد شعرت يا ولدي بأنك أخطأت فقد وضعت قدمك في أول الطريق المستقيم الذي
سينقلك إلى طريق الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا فتنزلت عليهم الملائكة بقول
الله سبحانه: «ألا تخافوا ولا تحزنوا، وأبشروا بالجنة التي كنتم توعدون». والتائب
عندما يقبل على الله مخلصًا تفتح له أبواب الجنة، والله تبارك وتعالى يقول:
﴿إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا﴾ (مريم: 60)، و﴿إِنَّ اللَّهَ
يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾ (البقرة: 222). من هم
التوابون؟ الذين أذنبوا فندموا فتابوا، أو الذين استقلوا طاعتهم فاستغفروا ربهم
ليزدادوا طاعة وقربًا.
● تجربة مع العصاة
وهناك
قصة أرجو أن ينتفع بها أبنائي العاملون في سلك الدعوة: زارني ذات يوم طبيب كبير
كان يعمل مديرًا لمستشفى «الحوض المرصود» في حي السيدة زينب بالقاهرة، وهذا
المستشفى كان متخصصًا في علاج المنحرفات من النساء اللاتي يصبن بالأمراض الجنسية
نتيجة الانغماس في الرذيلة. جاءني هذا الطبيب في مكتبي بجمعية السيدات المسلمات
التي كنت أرأسها، وقال: إن زوجتي تحضر لك الدروس التي تلقيها للنساء، وقد كنا على
خلاف مستمر وضياع في حياتنا؛ لأننا لا نجد طريقًا للتفاهم، فلما استمعت زوجتي إلى
دروسك الدينية تغيرت حياتي وأصبحت أعيش حياة محاطة بالسعادة والأمن والطمأنينة،
وأنا جئت أقول لك: إذا كنت تمسحين عن قلوب المستقيمين نقائصهم، فلماذا لا تمسحين
كذلك على قلوب العصاة الذين تستغرقهم ظلمة المعصية؟ فقلت له: كيف؟ قال: تأتين إلى
المستشفى في لقاء ديني مع النزيلات. وذهبت بعد عرض الأمر على مجلس إدارة الجمعية
ونجحت هذه الدروس نجاحًا كبيرًا، وجلست مع بعضهن جلسات خاصة، كانت تحكي لي الواحدة
منهن عن حياتها وقصة انحرافها، وهل يمكن لها أن تتوب ويقبل الله توبتها؟ وكنت أيسر
لها طريق التوبة والعودة إلى طريق الله. وقررنا في جمعية السيدات المسلمات أن التي
تتوب تحتضنها الجمعية وتجهز لها مكانًا للإقامة والرعاية حتى نجد من يتزوجها أو
نجد لها عملًا شريفًا تأكل منه. وبالفعل تاب عدد كبير منهن، وسعيًا في تزويجهن كان
المهر أن يعد العريس مكان الإقامة قدر استطاعته، وتقدم لنا عدد كبير جدًّا يرغبون
في الزواج من هؤلاء التائبات، وكنا نساعد في تأسيس عش الزوجية.
● قصة أخرى
وأحكي
أيضًا قصة من قصص هؤلاء التائبات: كنت أزور كل واحدة منهن مرة كل أسبوعين أو كل
شهر أو أكثر بعد أن تستقر في بيت الزوجية، وكنت آخذ معي بعض الهدايا البسيطة كأم
تزور ابنتها، فذهبت إلى إحداهن وكان زوجها رجلًا في البوليس «مساعد شرطة»، فوجدتها
تغسل الملابس وأمامها «طبلية» عليها طبق فيه قطعة من الجبن مع «المش» وبعض الخبز،
وهي أكلة معروفة في أوساط فقراء الريف المصري، فلما دخلت عليها استقبلتني بفرح
وسرور ودعتني إلى تناول الغداء معها، فأكلت وكان طعم هذا «المش» أفضل عندي من
الأصناف الشهية المتعددة المختلفة على موائد العظماء. وقلت لها: يا ابنتي الحبيبة،
أود أن أسألك سؤالًا أرجو أن تكوني صريحة في إجابته؛ حياتك الآن في هذه الغرفة
الصغيرة والمكان الضيق، وطعامك هذا المتواضع الفقير، ما قيمته عندك؟ هل تستطيعين
أن تقولي إحساسك الآن وقبل ذلك؟ فقالت لي: يا أمي، كنت في حياتي السابقة آكل «كيلو
كباب» أو أكثر ولا أشبع، وكنت أشرب زجاجتين من الخمر مع الرجل العاصي، أما الآن،
فهذا الطعام المتواضع الفقير يا أمي له طعم جميل لأنني آكله باطمئنان، آكله وأنا
واثقة بشرفي وعزتي وكرامتي ووجودي الإنساني، أما الطعام الآخر الذي كنت أبتلعه بالخمر
كان شيئًا مرعبًا ومخيفًا، وأنا آكل أو أشرب خائفة مرتعدة؛ إذا طرق الباب أقول:
البوليس، أما الآن إذا طرق الباب أقول: زوجي، أو جارتي. أنا الآن أعيش الأمن
والاطمئنان، والاطمئنان في الحياة غالٍ جدًّا، لو يعرفه الناس، لا المال ولا
القصور ولا الحرير يساويه؛ أنا الآن أعيش اطمئنان الطاعة، الآن أحببت ربي، أحس أن
ربي يحبني كذلك. فأخذت رأسها بين يدي وقبلتها وقلت لها: بارك الله فيك يا ابنتي
وبارك في زوجك. هذه صورة مبسطة من عشرات الصور التي تابت واستقامت وعادت إلى ربها،
تعايش الطاعة وتعايش الرجعة إلى الله والحب في الله، تعايش اطمئنان الراكعين
الساجدين.
ولكن
لماذا نلحظ قصورًا شديدًا في مجال الدعوة النسائية؟
تقول
داعيتنا الجليلة: عندما هجر المسلمون كتابهم وسنة نبيهم صلى الله عليه وسلم، ولم
يقرأوا السيرة النبوية قراءة صحيحة، ولم يقرأوا القرآن قراءة واعية، أهملوا
المرأة، ولم يدركوا أنها النصف الآخر المتمم لحياة المسلمين، والمتمم لقيام الدولة
الإسلامية الرشيدة الواعية العاملة الحاكمة بما أنزل الله، ولكن أبشري يا ابنتي،
فهناك صحوة عظيمة في عالم المرأة الآن والحمد لله كثيرًا.
اقرأ أيضًا: