; بين الماضي والحاضر..الداغستان جمهورية الطرق الصوفية والجماعات | مجلة المجتمع

العنوان بين الماضي والحاضر..الداغستان جمهورية الطرق الصوفية والجماعات

الكاتب رياض مصطفي

تاريخ النشر السبت 20-أبريل-2013

مشاهدات 68

نشر في العدد 2049

نشر في الصفحة 22

السبت 20-أبريل-2013

(*) باحث في الشؤون الإسلامية في دول الاتحاد السوفيتي السابق

في التسعينيات ظهر ما يسمى بـ«التجمعات الأخوية» بين الصوفيين التي بلغت أعداد الواحدة منها ما بين ٨٠ - ١٠٠ ألف مريد.

مع انهيار النظام الشيوعي شهدت داغستان حراكا وصحوة إسلامية قوية وجارفة.

تنشط فيها ٢٣ طريقة صوفية و ١٣ مدرسة وجامعة إسلامية كما يوجد فيها أكثر من ۲۰۰۰ مسجد مقسمة بحسب توجهات أصحابها

لا يزال الكثير من الأمور المتعلقة بالإسلام والصحوة الإسلامية والتطورات الدامية التي تعيشها منطقة القوقاز غامضة بالنسبة لغالبية المسلمين القاطنين خارج تلك المنطقة من العالم، فإلى يومنا هذا، إذا ذكر الاتحاد السوفييتي يقولون لك: روسيا، وإذا ذُكر المسلمون في روسيا يقولون لك: الشيشان، وإذا تحدثت عن الأوضاع في القوقاز يتحدث الناس أيضًا عن الشيشان، في حين أن منطقة القوقاز تعج بالقوميات المسلمة المختلفة، وما الشيشانيون فيها إلا جزء صغير من منطقة مهمة تعج بالعشرات من القوميات المسلمة.

الحديث عن الحركة الإسلامية في منطقة القوقاز هي الأخرى غامضة لدى الكثيرين إلا إذا استثنينا العدد الضئيل من المتخصصين الذين يتابعون روسيا بأسرها والمنطقة خاصة هذه الدراسة التي نضعها بين أيدي القارئ الكريم هي محاولة لتسليط الضوء على الحركة الإسلامية في منطقة القوقاز في منتصف التسعينيات وإلى يومنا هذا، كما ستلقي الضوء على الجذور وأسباب الصراعات في منطقة القوقاز وتحديدًا في جمهورية الداغستان.

أسئلة كثيرة تطرح حول موقف السلطة والإدارات الدينية من تلك الأحداث، وموقف شيوخ الصوفية من الأحداث، وقيادات التيار السلفي والمؤسسات الإسلامية التي رأت النور في السنوات الأخيرة ودورها الأحداث التي تقع بين حين وآخر في جمهورية الداغستان.

الداغستان مهد الإسلام

تعتبر جمهورية الداغستان مهد الإسلام في روسيا ،الحديثة، فالإسلام ظهر على هذه الأرض في القرن السابع الميلادي، عرفت الداغستان بمدينة «ديربند» «باب الأبواب كما يسمونها»، وهى المدينة التي دخلت منها الجيوش الفاتحة حاملة معها راية الإسلام لتلك الربوع، كما تعتبر الجمهورية مهد العلماء لوجود مدارس مشهورة لتخريج العلماء في الشريعة الإسلامية في العديد من التخصصات, التوجهات الدينية مختلفة، لكن الأكثر انتشارًا هي الصوفية على اختلاف مشاربها وطرقها مثل النقشبندية والقادرية والشاذلية والتي تسمى اليوم من طرف السلطات المحلية أو القائمين على الإدارات الدينية بـ«الإسلام التقليدي».

تعتبر الداغستان من أكثر المناطق في روسيا أسلمة تنشط فيها ٢٣ طريقة صوفية و ۱۳ مدرسة وجامعة إسلامية، كما يوجد فيها أكثر من ۲۰۰۰ مسجد مقسمة توجهات بحسب أصحابها.

في الفترة الشيوعية تعرض الإسلام إلى ضربة قوية في الجمهورية، كما هى الحال في المناطق الروسية الأخرى، فتم إغلاق المئات من المدارس والمساجد وتعرض الكثير من العلماء إلى النفى والمضايقة، لكن مع دخول روسيا في التسعينيات مرحلة الديمقراطية ونفضت عنها غبار الفترة الشيوعية، ظهر في الداغستان ما يسمى بـ«الإسلام الرسمي»، و«الإسلام غير الرسمي»، الأول تمثله جميع الإدارات الدينية المشرفة قانونيًا على الحياة الدينية الرسمية في الجمهورية، والتي تعتبر عضوًا رسميًا في الإدارة الروحية لمسلمي شمال القوقاز, القيادات العليا لهذه الإدارات كان غالبيتها إبان الحكم الشيوعي يعمل في توافق كبير مع سلطات «الكي جي بي»، ولم يكن يتورع الكثير منهم إلى إيصال معلومات عن إخوتهم في الدين الذين تصفهم السلطات الشيوعية آنذاك بـ الإرهابيين»؛ نظرًا لعدم تعاونهم معها، واعتبارها سلطة ملحدة كافرة يحرم التعامل معها.

ظهور الصحوة الإسلامية

مع بداية الثمانينيات، وظهور ما يسمى ب«البيريسترويكا»، ظهرت في داغستان كغيرها من الجمهوريات القوقازية بوادر صحوة إسلامية جديدة، وبدأ يظهر تدريجيًا ما يسمى بـ«الأصولية الإسلامية», داخل المجتمع، هذا التيار الجديد الذي بدأ بالاتساع فيما بعد بـ«الإسلام غير الرسمي»، أو «الوهابيين»، مع انهيار النظام الشيوعي تمامًا في بداية ۱۹۹۰م شهدت داغستان عمليات واسعة في إعادة بناء وترميم المساجد، وتسجيل الجمعيات الإسلامية التي أخذت طابع «الجماعات»، وظهرت المدارس الإسلامية الخاصة بها، وطباعة الكتب وغيرها من الأنشطة المسموح بها قانونًا.

الإحصاءات الرسمية التي نشرها مركز الدراسات الاستراتيجية تشير إلى أنه مع بداية عام ۲۰۰۰م بني ما لا يقل عن ١٥٨٥ مسجدًا، منها أكثر من ۹۰۰ تقام فيها صلوات الجمعة بالإضافة إلى ترميم ما لا يقل عن ۸۰۰ مزار شريف وغرف للأولياء، كما سجلت رسميًا ۱۲ جامعة إسلامية منها ٦ حصلت على ترخيص رسمي، بالإضافة إلى ٣٦ مدرسة و ۲۰۳ مدارس دينية تابعة للمساجد، وبلغت أعداد الأئمة والعلماء والمؤذنين في منتصف التسعينيات قرابة ٣٥٠٠ شخص، كما أن عدد الدارسين في الجامعات الإسلامية الأجنبية قد وصل إلى 1500طالب من جمهورية داغستان فقط.

كل هذه الظواهر ترافقت مع ظهور أسلمة غير منظمة، وبدأ البعض بحل المشكلات الاجتماعية مثل الصراعات حول ملكية الأراضي على أساس الشريعة الإسلامية، ومشاركة أصحاب النفوذ والثقة في المجتمعات الصغيرة، بل حصل أن لجأ حاكم القرية إلى الإمام لإعطائه حكما في قضية ما، ثم بعد ذلك يقوم بإصدار «فرمان» رسمي بذلك، كما انتشر الحجاب والأزياء الإسلامية المختلفة.

ثم ظهرت حركات اجتماعية شعبية مثل «حزب النهضة الإسلامي»، وحركة «جماعة المسلمين»، و«الحزب الإسلامي في داغستان»، و«فرع اتحاد المسلمين في روسيا»، وغيرها من المنظمات التي تشير إلى أن حراكًا متسارعًا بدأ يظهر في الساحة الداغستانية، أما في الجانب الديني فقد ظهرت إدارات دينية جديدة قريبة من أولئك الذين كانوا مضطهدين أيام الشيوعية، سواء من الصوفيين أو من غيرهم ومنذ ذلك الحين تحولت الصوفية إلى اتجاه رسمي بل أيديولوجية اعتمدتها الإدارات الدينية التقليدية التي كانت تعمل في فترة الاتحاد السوفييتي.

الصوفية.. والإسلام الرسمي.

على الرغم من أن الصحوة الإسلامية في داغستان قد ارتبطت ذهنيا بفترة بداية التسعينيات، فإنه من العدل القول: إن الطرق الصوفية المنتشرة في الجمهورية القوقازية كانت تمارس دورا مهما في نشر الصحوة بين أبناء الجمهورية، وذلك من خلال ما كان يتمتع به من حرية قانونية في التحرك ونشر أفكار الإسلام بين الناس.

في الوقت الحاضر، يوجد في داغستان ما لا يقل عن ۲۳ جماعة صوفية، غالبية هؤلاء ينتمون إلى الطرق الشاذلية والنقشبندية، كما توجد القادرية في المرتبة الثالثة التي تنتشر بين القومية الشيشانية القاطنة في داغستان «مناطق خاسافيورت»، بعض شيوخ الصوفية يجمعون بين الطريقتين في أورادهم اليومية أكثر الشيوخ انتشارًا وصيتًا في الجمهورية هم الشيخ محمد حاجي غاجييف «توفي عام ۱۹۹۹م»، وسيد أفندي تشيركيسكي والشيخ بدر الدين بتلوخسكي، وأرسلان علي حمزاتوف، ورمضان غيمرنسكي، وعبد الواحد كاكمخينسكي، وعبدالعي زاكاتلسكي، ومحمد مختار كاسوليسكي، وسراج الدين خورينسكي وتــاج الـديـن حـاسـافـيـورتـسـكـي، ومهاجر داغريلينسكي.

في التسعينيات ظهر ما يسمى بـ«التجمعات الأخوية» بين الصوفيين، والتي بلغت أعداد الواحدة منها ما بين ٨٠ - ١٠٠ ألف مريد، ومن بينهم الروس الذين دخلوا الإسلام وشكلوا منظمة «اتحاد المسلمين الجدد». 

أما فيما يخص التأثير السياسي للطرق الصوفية، فيرجع إلى عدد كبير من الأسباب التاريخية والاجتماعية من بينها: ما ترسخ في الأذهان أن الصوفية هي حاملة لواء حرب استقلال القوقازيين سكان المرتفعات الجبلية ضد الإمبراطورية الروسية في القرن ۱۹؛ الأمر الثاني وهو متعلق بالفترة الشيوعية التي عملت بكل ما أوتيت من قوة على تحييد العلماء عن الحياة العامة للشعب، وهو ما دفع الطرق الصوفية إلى الالتحام بالشعب ضمن سرية معينة وساهمت في المحافظة على تقاليد الإسلام وروحه في نفوس الناس، الأمر الثالث والذي لا يقل أهمية وهو ارتباط الطريقة الصوفية بالعشائر ودخولها في التركيبة الاجتماعية للقوميات والعشائر حتى أصبح الانتماء لطريقة معينة يعني انتماءك لعشيرة معينة أو لقومية معينة.

الرابط المختصر :