; الدعاء | مجلة المجتمع

العنوان الدعاء

الكاتب أ.د. السيد محمد نوح

تاريخ النشر السبت 13-أغسطس-2011

مشاهدات 66

نشر في العدد 1965

نشر في الصفحة 36

السبت 13-أغسطس-2011

  • له آداب ينبغي مراعاتها .. منها: الثناء على الله وعدم افتراض شيء عليه سبحانه وتعالى
  • من شروطه المطعم والمشرب الحلال.. الذل والاستكانة والتواضع لله.. العزم واليقين بالإجابة
  • من أموره المستحبة: الوضوء.. استقبال القبلة.. الإقبال على الله بالقلب وعدم الغفلة

أقام رب العزة -سبحانه- أمر هذا الإنسان، وأمر هذا الكون على طائفة من السنن والنواميس أو القوانين، عندما تتوافر يبقى هذا الكون ويبقى الإنسان.. هذه السنن والنواميس نوعها رب العزة: فالسنة الأولى لا يستطيعها بنو آدم ولا الجن ولا أي مخلوق أبداً بذاته أو مع غيره، هذه السنة وفرها ربّ العزة للناس قال: تحتاجون أرضاً تعيشون عليها الأرض موجودة، تحتاجون رزقاً في هذه الأرض الرزق موجود، تحتاجون إلى سماء تظلكم منها تتنزل الرحمات والأرزاق السماء موجودة.

يقول تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَوَاتِ بِغَيْرِ عَمَد تَرَوْنَهَا ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ والقمر كل يَجْرِي لأَجَلٍ مُسَمًّى يُدَبِّرُ الأَمْرَ يُفَصِّلُ الآيَاتِ لَعَلَّكُم بِلقَاءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ﴾ (الرعد:٢)، ويقول أيضًا: ﴿وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الْأَرْضَ وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْهَارًا وَمِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ جَعَلَ فِيهَا زَوْجَيْنِ اثْنَيْن يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتِ لَقَوْم يَتَفَكَّرُونَ﴾ (الرعد:٣).

السُّنة الثانية: يستطيعها الإنسان لكن بعد العمل، وبذل الجهد، وإعمال الفكر والتأمل.. جمع مقدمات، والنظر في هذه المقدمات والربط بينها حتى يصل الإنسان إلى نتيجة.

كان الإنسان قديماً عندما ينتقل من مكان إلى مكان كم كان يقضي من الوقت؟ المسلمون كانوا يأتون من الشرق والغرب للحج سنة ذهاباً وإياباً، الأمور الآن صارت ميسرة يمكن الواحد يحج الآن في يومين أو ثلاثة قال تعالى: ﴿وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً ۚ وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ (النحل:٨). 

لكن هذا بأي شيء؟ بجهد الإنسان وعمله والله لا يبخل الذين يعملون يعطيهم حتى لو كانوا كفاراً، والنموذج حي، الذين يملكون الدنيا الآن بتقدمهم العلمي هم من غير المسلمين، سُنّة الله لا تتبدل أبدا!

السنة الثالثة: قال سأحتفظ بها عندي، وأعطيها لمن أحببت، وأمنعها عمن أحببت لكن عليكم أن تأخذوا بالسبب، وما السبب؟ «الدعاء».. لا تنقطعوا عني أبداً، ولا تتكبروا ولا تغتروا ولا تظنوا أنكم بتقدمكم العلمي سيطرتم على كل شيء ونازعتموني ملكي وسلطاني.. لا، هذه عندي .. ادعوني.

آداب

للدعاء آداب لا بد أن نراعيها، ومنها الثناء على الله -عز وجل- والانشغال بهذا الثناء وعدم افتراض شيء على الله أو أفرض شيئًا في الدعاء.. ولذلك نرى من الهدي النبوي في حال الأزمات والكرب ونزول المكروه، إن كان الإنسان لا بد فاعلاً أن يقول: «اللهم أحيني ما كانت الحياة خيراً لي، وتوفني ما كانت الوفاة خيراً لي، وإذا أردت فتنة بقوم؛ فتوفني غير مخزي ولا مفتون».

والرسول صلى الله عليه وسلم يعلمنا أدب الدعاء، حين يقول: «أحْسَنُ ألا تقطع على الله -عز وجل- تقول: افعل لي كذا وكذا».

فأنا مشغول بالثناء على الله إن صليت فهذا ثناء على الله وإن زكيت فهذا ثناء على الله، وإن صمت فهذا ثناء على الله، وإن كبرت وإن سبحت وإن حمدت فهذا كله ثناء على الله وإن استغفرت وشهدت لله بالوحدانية والعبودية فهذا ثناء على الله .. سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر .. فوضتك في أمري، لأنك تعلم أين تكون المصلحة ولذلك لا أملي عليك أبدا، إنما أنا مشغول بالثناء عليك، وأقول لك: افعل بقدرتك ما أنت أهله، فإنك أهل التقوى وأهل المغفرة.

وهل هناك مانع أن أجمع بين الاثنين؟ أظل أثني على الله، وفي آخر الثناء أدعوه لكن بهذا الأدب الذي سمعت، لا أفرض عليه شيئاً، أقول: الأمر الفلاني يا رب إن كان فيه مصلحة، لأني أظن أن فيه مصلحة فأمض لي هذا الأمر، وإن لم يكن فيه مصلحة فأوقف هذا الأمر.. ولذلك نحن نقول هذا في صلاة الاستخارة عندما يكون هناك أمر أشكل علينا، لماذا ؟ فقد قال أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم: «كان يعلمنا الاستخارة في الأمور كلها، كما يعلمنا الآية من القرآن».

يصلي الإنسان ركعتين من غير الفريضة ثم يدعو الله قائلاً: «اللهم إني أستخيرك بعلمك وأستقدرك بقدرتك وأسألك من فضلك العظيم، فإنك تقدر ولا أقدر، وتعلم ولا أعلم وأنت علام الغيوب، اللهم إن كنت تعلم أن هذا الأمر (وتسمى حاجتك) خير لي في ديني ومعاشي وعاقبة أمري وعاجله وآجله فاقدره لي ويسره لي ثم بارك لي فيه، وإن كنت تعلم أن هذا الأمر (وتسمي حاجتك) شر لي في ديني ومعاشي وعاقبة أمري وعاجله وآجله فاصرفه عني واصرفني عنه، واقدر لي الخير حيث كان، ورضني بقضائك». 

هذا هو أدب الدعاء، وأدب التعامل مع الله، مَنْ أنا حتى أفرض شيئا على ربّي؟! 

شروط

هناك شروط للدعاء، ومنها:

- المطعم الحلال: في الحديث: «ذكر النبي صلى الله عليه وسلم الرجل يطيل السفر أشعث أغبر يمد يديه إلى السماء: يا رب يا رب، ومطعمه حرام ومشربه حرام وغُذِّي بالحرام فأنّى يُستجاب له»، أو كما قال صلى الله عليه وسلم.

ونحن نكثر من الدعاء خاصة في شهر رمضان، ونقول حينما نسمع الدعاء في هذا الشهر: إن السماء ستهتز له، لكن الجدوى قليلة من هذا الدعاء، لماذا؟! لأننا لم نتحر الحلال من الطعام والشراب والملبس إلا ما رحم الله ولا نأخذ بالنا مما يدخل بطوننا، ولا ما نلبس على أجسادنا!

- الذل والاستكانة والتواضع لله وليس الاستكبار.. قال تعالى: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ ۚ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ (غافر:٦٠).

ترى البعض يدعو وهو منتفش .. ما هذا؟!

المسألة تحتاج إلى ذل وانكسار وتواضع لله، وقد كان الرسول يعلمنا هذا وهو يرتدي ملابس اليوم، يعني غير معطر ولا واضع على جسمه أحسن الثياب، فيرونه الصحابة على هذا الحال وهو يدعو ربه ليكون في ذل واستكانة وتواضع كبير، فيخرج النبي -صلى الله عليه وسلم- في هذا الشكل يستمطر رحمات الله وإجابته للدعاء، فأنا الفقير وأنت الغني.

- اليقين: فالعبد يدعو الله وهو موقن بأنه قادر أن يحقق له ولغيره من الناس مسألتهم، لأن المسألة عنده لا تحتاج إلا إلى كُن، وهو بيديه الأمر من قبل ومن بعد، وبيديه أن يهلك العالم في لحظة .. أو يُعجزه أن يعطيك ويعطي كل من يسأله؟!

ثم لا تتشدق ولا تتكلف، يعني لا تكون حافظاً دعاءً وتردده كالببغاء وقلبك غافل، ففي الحديث: «إن الله لا يجيب دعوة عبد وقلبه غافل».

ونرى الناس في الحج يمشون خلف البعض، ويرددون لهم أدعية وهم وراءهم يرددون هكذا ، والبعض يستأجر هؤلاء الذين يدعون لهم ويقولون أحيانا أدعية ليس مقام الحج مقامها يطوف بالكعبة – وسبحان الله – تراه يدعو يقول: «اللهم جنبنا الشيطان وجنب الشيطان ما رزقتنا».. هذا دعاء الجماع في الفراش بين الرجل وزوجته! إذا ، على المرء أن يجهز نفسه ويركز فيما يريد أن يدعو الله به، ويتوجه إلى الله بقلبه،  والمسألة لا تحتاج إلى أكثر من ذلك، فالدعاء لا يحتاج إلى كلمات مسجوعة أو كلمات محفوظة.

وهناك أمور كثيرة يحتاجها الدعاء حتى يستجيب له الله عز وجل، فهناك شخص يقول: دعوتُ الله فلم يستجب لي.. يا سبحان الله هل تريد أن تملي على الله؟ إن الله لم يستجب لك لأنه يعلم أن مصلحتك في أن يبدل هذا الأمر بأمر آخر يعلم أن من المصلحة ألا يستجيب لدعائك في الدنيا أبدا حتى لا تتحول إلى طاغية ولا إلى جبار، وإنما يؤخر ذلك إلى يوم القيامة. إنَّ الله يجيب العبد بواحدة من ثلاث... الأولى: أن يحقق له ما أراد، والثانية أن يبدله في الدنيا بأمر آخر فيه مصلحته، والثالثة : أن يؤخر ذلك إلى يوم القيامة. ولذلك علمنا الرسول الله ألا نستعجل، فيقول : «يُستجاب لأحدكم ما لم يعجل، يقول: دعوت ربي فلم يجبن».

- العزم: أن نعزم المسألة، أي نقطعها فلا نقول : افعل لي كذا إن شئت، ومن الذي يكره رب العزة -سبحانه وتعالى- أن يشاء أولا يشاء؟! الأمر كله بيده، ولذلك يجب أن تدعو ولا تجعل المسألة معلقة، إنما تعزم عزماً أكيداً وتقول: يا رب اصنع لي كذا، يا رب اصنع لي كذا، افعل بي ما أنت أهله، أنت أهل التقوى وأهل المغفرة.

فضلًا عن أن يكون الإنسان مستقبلًا القبلة، وأن يُقبل على الله بقلبه ولا يكون غافلا، ويكون متوضئًا، وهكذا.

وقد علم الرسول صلى الله عليه وسلم المسلمين في فتوحاتهم أن يكون بينهم رجل صالح تقيّ يدعو ويؤمنون على دعائه، حتى إن «سعد بن أبي وقاص» -رضي الله عنه- وهو في بلاد فارس، سأل عن الرجل الذي يدعو، فقالوا له: إنه مريض، فقال: أخاف أن نهزم اليوم.

الرابط المختصر :