العنوان الدعوة إلى الله.. وخيرية الأمة
الكاتب د. سعد المرصفي
تاريخ النشر السبت 10-ديسمبر-2011
مشاهدات 67
نشر في العدد 1980
نشر في الصفحة 55
السبت 10-ديسمبر-2011
شاء الله تعالى أن تكون الأمة الإسلامية خير أمة أخرجت للناس»، أمة شاهدة في الفعل الحضاري والإنساني والأخلاقي والسلوكي والثقافي والاجتماعي والفكري.
﴿وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾. (البقرة: ١٤٣) وهذا الشهود على الناس اختصت به الأمة الإسلامية، لما تتمتع به من خيرية متجذرة في مبادئها، ونقاء في علاقتها بربها، واستجابة لتعاليم دينها، ومن ثم فالأمة الإسلامية بقيمها وأخلاقها من أعدل الأمم وأصلحها وأقومها وأجدرها بالقيادة والسيادة على سائر الأمم.
إن شواهد التاريخ وقرائنه تؤكد أن أمتنا تمرض ولا تموت تضعف ولكن سرعان ما تقوى وتستعيد عافيتها إذا توافرت لها أسباب القوة والمنعة والمكنة، ولكي تبقى الأمة على جادة الصواب مؤتمرة بأمر الله، وقافة عند حدوده، لابد أن ينتصر أهل الحق لدين الله آمرين بالمعروف، ناهين عن المنكر؛ ﴿وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ ۚ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (آل عمران: 104)، وهذا نهج إسلامي قويم لضبط الشاردين، وهداية الضالين، وإيقاظ الغافلين واستنهاض الخائرين وشد أزر العاملين المخلصين.
والدعوة إلى الله أمانة الله في الأرض لا يحملها إلا من هم لها أهل، وفيهم على حملها قدرة، وفي قلوبهم تجرد لها وإخلاص لاستنهاض همم أهل الراحة والدعة، والذين آثروا الأمن والسلامة، ووقعوا أسرى متاع الدنيا وإغراءاتها. إنها لأمانة الخلافة الراشدة العادلة في الأرض، وقيادة الناس إلى طريق الله، وتحقيق كلمته العليا في حياة الناس.. فهي أمانة كريمة، وأمانة ثقيلة في الوقت نفسه، لكنها من أمر الله، يضطلع بها أهل الإيمان والصبر والاحتساب.
إحياء الضمائر وبعث الإيمان في نفوس القاعدين يتطلب جهودا حثيثة ومتواصلة من أصحاب البصائر والأبصار.. الذين يتطلعون إلى آفاق النور والإخاء، والإيثار والفداء والبذل والعطاء، والحب والنقاء والود والصفاء، ليعيشوا في رحاب الهدى والتقى والعفاف والغنى.
وعلى أهل القرآن أهل الله وخاصته الذين قال فيهم الرسول ﷺ فيما رواه أحمد وغيره بسند حسن عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ: «إنَّ الله أهلين من النَّاسِ».
فقيل: من أهل الله منهم؟ قال: «أهل القرآن هم أهل الله وخاصته، أن يكونوا في صدارة المشهد ضاربين نموذجا يحتذى في ترجمة الإسلام واقعا بين الناس. وعلى الإخوة الأحبة جند الحق، الذين صبروا وصابروا ورابطوا، وزادتهم المحن منحًا وثباتًا أن يواصلوا جهادهم في بناء النفوس العالية وعمارة الدنيا بالصدق والعدل ومواقف الرجال الصادقين.. ﴿مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ ۖ فَمِنْهُم مَّن قَضَىٰ نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ ۖ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا﴾ (الأحزاب:23).
إن أصدق الناس قولًا، وأجمعهم لبًا، وأقواهم عزما، الذين جعلوا الجهاد شعارهم واليقين دثارهم لا تتغير بهم في خشية الله عادة، ولا تملكهم في مخافته هوادة؛ ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ (آل عمران:173).
وعلى امتداد آباد الزمان وأبعاد المكان وتواصل جهود المخلصين ستحيا براعم مؤمنة، وأجيال قادمة يحبهم الله ويحبونه يتعاملون مع إخوانهم باللين ومع خصوم الإسلام بالعزة والكرامة؛ ﴿فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ ۚ ذَٰلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ ۚ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ (المائدة: 54).
ويجب أن يعي العاملون في الصف الإسلامي قيم الأخوة الزكية الصافية النقية والمحبة الندية، والمودة الرضية والنفحة العلوية، والألفة القدسية، التي تنشي في القلب إدراكًا كاملًا، ونورًا شاملًا، ونبضًا متصلا وحياة مباركة هي سراج ما بطن وملاك ما علن تشع نورا كأنها قناع رحمة الله: ﴿إنما الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَة﴾ (الحجرات: ١٠). ﴿فأصبحتم بنعمتِهِ إِخْوَانًا﴾ (آل عمران: ۱۰۳).
وهنا يقف الفكر سابحا مستبحا، والحس مشدوها ، أمام وقع التصوير والتعبير، والإدراك والتقدير، في لمسات وجدانية عقلية روحية فكرية فطرية نفسية لا يؤثر فيها إلا الضمير، ولا يطلع عليها إلا اللطيف الخبير إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، وإلى أن يجمعنا الحق جل شأنه في مستقر رحمته ﴿إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ﴾ (الحجر: 47).