; خيرية الأمة | مجلة المجتمع

العنوان خيرية الأمة

الكاتب د. سعد المرصفي

تاريخ النشر السبت 18-مايو-2013

مشاهدات 70

نشر في العدد 2053

نشر في الصفحة 53

السبت 18-مايو-2013

تناولنا في مقال سابق جوانب من وسطية الأمة الإسلامية، وأكدنا أنه لا وسطية إلا بالمحافظة على العمل بهدي خاتم النبيين ﷺ والاستقامة على سُنَته.. وأي انحراف عن هذه الجادة، هو انحراف عن مسار الأمة الوسط، قال تعالى: ﴿كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ (آل عمران:۱۱۰). 

وفي هذا المقام يسعنا أن نلقي الضوء على الأمة الخيرة التي تشهد على الناس جميعًا، فتقيم بينهم العدل والقسط، وتضع لهم الموازين والقيم، وتبدي فيهم رأيها، فيكون هو الرأي المعتمد، وتزن قيمهم وتصوراتهم وتقاليدهم وشعائرهم، فتفصل في الأمر، وتقول: هذا حق، وهذا باطل.

 والرسول صلى الله عليه وسلم يقرر لها موازينها وقيمها، ويحكم على أعمالها وتقاليدها، ويزن ما يصدر عنها، ويشهد عليها، ويقول الكلمة الأخيرة، والتعبير بكلمة «أُخرِجَتْ» يلفت النظر، وهو يكاد يشي بالقدرة اللطيفة، تُخرج هذه الأمة إخراجًا، وتدفعها إلى الظهور دفعا من ظلمات الغيب، ومن وراء الستار السرمدي الذي لا يعلم ما وراءه إلا الله تعالى. 

إنها كلمة تصوّر حركة خفيفة المسرى، لطيفة الدبيب.. حركة تُخرج على مسرح الوجود أمة وسطًا، ذات دور خاص لها مقام خاص، ولها حساب خاص، وهذا ما ينبغي أن تدركه الأمة الإسلامية خير الأمم، لتعرف حقيقتها وقيمتها وتعرف أنها «أُخرِجَتْ» لتكون طليعة، ولتكون لها القيادة، بما أنها خير أمة، والله عز وجل يريد أن تكون القيادة للخير لا للشر في هذه الحياة.

ومن ثم لا ينبغي لخير أمة أن تتلقى من غيرها من أمم الأرض قاطبة، وإنما ينبغي دائمًا أن تعطي الأمم الأخرى مما عرفته من كتاب ربها، وسُنَّة نبيها من الاعتقاد الصحيح، والتصوّر الصحيح والنظام الصحيح، والخُلق الصحيح، والعلم الصحيح، هذا واجب خير الأمم، يحتمه عليها مكانها القيادي وتحتّمه عليها غاية وجودها، كما أن من واجبها أن تكون في الطليعة دائمًا، وفي مركز القيادة دائمًا، ولهذا المركز تبعاته، فهو لا يؤخذ ادعاء، ولا يسلم لها به إلا أن تكون هي أهلًا له.

 وأمتنا بتصورها الاعتقادي، وبنظامها الاجتماعي أهل له فبقي عليها أن تكون بتقدمها العلمي، وبعمارتها للأرض - قيامًا بحق الخلافة - أهلًا له كذلك، وبهذا يتبين أن منهج هذه الأمة يطالبها بالشيء الكثير، ويدفعها إلى السبق في كل مجال، لو أنها تتبعه وتلتزم به وتدرك مقتضياته وتكاليفه، وفي قوله جل شأنه: «كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ» ثلاثة أوجه:

 أحدها: «كان» تامة، فالمعنى وٌجدتم خير أمّة، كأنه قال: أنتم خير أمة في الوجود الآن؛ لأن جميع الأمم غلب عليها الفساد، فلا يعرف فيها المعروف، ولا ينكر فيها المنكر، وليست على الإيمان الصحيح الذي يزع أهله عن الشر، ويصرفهم إلى الخير، وأنتم تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر، وتؤمنون بالله إيمانًا صحيحًا يظهر أثره في العمل!

الوجه الثاني: «كان» ناقصة، والمعنى حينئذ كنتم في علم الله، أو كنتم في الأمم السابقة، كما في كتبها المبشرة بكم خير أمّة.

 وقال أبو مسلم: إن هذا القول يقال لمن ابيضّت وجوههم، والمعنى كنتم فيما سبق من أيام حياتكم خير أمة، شأنكم كذا وكذا، وبذلك كان لكم هذا الجزاء الحسن.

 فالكلام عنده تتمة للآيات السابقة، فكما ذكر فيها ما يقال لمن اسودت وجوههم، ذكر أيضًا ما يقال لمن ابيضت وجوههم.. وقيل غير ذلك.

الوجه الثالث: «كان» بمعنى صار، أي صرتم خير أمّة.

وإذا فسرت «كُنتُمْ» بغير ما قاله أبو مسلم - وهو ما أرجحه - كانت الجملة شهادة من الله تعالى للنبي صلى الله عليه وسلم ومن اتبعه من المؤمنين الصادقين إلى زمن نزولها بأنها خير أمة أخرجت للناس بتلك المزايا الثلاث، ومن اتبعهم فيها كان له حكمهم لا محالة، ولكن هذه الخيرية لا يستحقها من ليس لهم من الإسلام واتباع النبيﷺ إلا الدعوى، وجعل الدين جنسية لهم، بل لا يستحقها من أقام الصلاة، وأتى الزكاة، وصام رمضان، وحج البيت الحرام، والتزم الحلال واجتنب الحرام، مع الإخلاص الذي هو روح الإسلام، إلا بعد القيام بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وبالاعتصام بحبل الله، مع اتقاء التفرق، والخلاف في الدين!

﴿كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ (آل عمران:۱۱۰)؛ ومن ثم نبصر في مقدمة مقتضيات مكانة خير أمة؛ أن تقوم على صيانة الحياة من الشر والفساد، وأن تكون لديها القوة التي تمكنها من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فهي خير أمة أخرجت للناس، لا عن مجاملة أو محاباة، ولا عن مصادفة أو جزاف، تعالى الله عن ذلك علوًا كبيرًا.

إنه النهوض بتكاليف الأمة الخيرة، بكل ما وراء هذه التكاليف من متاعب، وبكل ما في طريقها من أشواك، وإنه التعرض للشر والتحريض على الخير، وصيانة المجتمع من عوامل الفساد، وكل هذا متعب وشاق، ولكنه - كذلك - ضروري لإقامة المجتمع وصيانته ولتحقيق الصورة التي يحبّ الله عزّ وجل أن تكون عليها الحياة!

ولابد من الإيمان الصحيح في حياة الأمة ليوضع الميزان الصحيح للقيم، والتعريف الصحيح للمعروف والمنكر، فإن اصطلاح الجماعة وحده لا يكفي، فقد يعم الفساد حتى تضطرب الموازين وتختل، ولابد من الرجوع إلى تصور ثابت للخير والشر وللفضيلة والرذيلة وللمعروف والمنكر يستند إلى قاعدة أخرى غير اصطلاح الناس في جيل من الأجيال.

وهذا ما يحققه الإيمان في حياة الأمة، بإقامة تصور صحيح للوجود وعلاقته بخالقه، وللإنسان وغاية وجوده ومركزه الحقيقي في هذا الكون، ومن هذا التصوّر تنبثق القواعد الأخلاقية، ومن الباعث على إرضاء الله والبعد عما لا يرضاه، يندفع الناس لتحقيق هذه القواعد، ومن سلطان الله في الضمائر، وسلطان شريعته في المجتمع تقوم الحراسة على هذه القواعد كذلك، والله الموفق والمستعان.


الرابط المختصر :