العنوان الدعوة... والعلم الشرعي
الكاتب د. محمد عبد الغفار الشريف
تاريخ النشر الثلاثاء 08-سبتمبر-1992
مشاهدات 87
نشر في العدد 1015
نشر في الصفحة 59
الثلاثاء 08-سبتمبر-1992
الدعوة إلى الله بين
فريضة الوجوب وشرط العلم
الحمد لله الذي فضل أمة الإسلام بالدعوة إلى الله فقال: ﴿كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ
بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ (آل عمران:
110). والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله القائل: "من رأى منكممنكرًا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعفالإيمان" (رواه مسلم).
وجوب الدعوة وشروطها
1. الدعوة سبيل المؤمنين
قال تعالى مخاطبًا نبيه -صلى الله عليه وسلم-: ﴿قُلْ
هَٰذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ ۚ عَلَىٰ بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ
اتَّبَعَنِي ۖ وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ (يوسف: 108)،
يُبين الله عز وجل أن سبيل المؤمنين هي الدعوة إلى الله.
وقال سبحانه: ﴿وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ
يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ
الْمُنكَرِ ۚ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (آل عمران: 104). واللام
هنا لام أمر، والأمر يفيد الوجوب ما لم تصرفه قرينة عن ذلك. ويقول الحبيب
-صلى الله عليه وسلم-: "من رأى منكم منكرًا فليغيره بيده..." فـ (من)
هنا تفيد العموم.
إذن، الدعوة واجبة على كل مسلم رضي بالله ربًّا، وبالإسلام دينًا، وبمحمد
صلى الله عليه وسلم نبيًا ورسولًا، كل بحسب جهده وطاقته: ﴿لَا
يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ (البقرة: 286).
2. شروط وجوب الدعوة
لهذه الدعوة شروط يجب توافرها فيمن ينتمي إليها، منها: التكليف، الإسلام،
الإخلاص، القدرة، العلم.
العلم الشرعي: أساس
الدعوة
والعلم من أهم هذه الشروط لقوله تعالى:
﴿قُلْ هَٰذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ ۚ عَلَىٰ بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ
اتَّبَعَنِي ۖ وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ (يوسف: 108).
والبصيرة هي العلم.
قال محيي السنة البغوي -رحمه الله-: والبصيرة هي المعرفة التي
يُمَيَّز بها بين الحق والباطل. وقال الألوسي -رحمه الله-: على بصيرة أي بيان
وحجة واضحة غير عمياء.
وقال عز وجل: ﴿ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ
بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ ۖ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ
أَحْسَنُ...﴾ (النحل: 125). قال ابن عباس -رضي الله عنهما-: الحكمة هي الفقه.
وقال ابن جرير -رحمه الله-: الحكمة هي ما أنزله عليه من الكتاب والسنة.
1. تقديم العلم على العمل
قال سبحانه وتعالى: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا
إِلَٰهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ
وَالْمُؤْمِنَاتِ...﴾ (محمد: 19). قال ابن القيم -رحمه الله-: فقدم العلم
على العمل. وقال رحمه الله: وهذا جارٍ في الكتاب والسنة بتقديم ما من شأنه أن
يُقدَّم.
فالعلم بدين الله تعالى هو الأساس المتين الذي تقوم عليه الدعوة
الإسلامية. وكل بناء لا يقوم على أساس متين ينهار على رأس صاحبه. وعجبًا لمن
يتصدى لأمر الدعوة وهو لا يُمَيِّز بين ألفها ويائها، ولا يفرق بين الواجب والسنة
والحلال والحرام. إن خطر هذا الإنسان على الدين أكبر من نفعه.
قال الله عز وجل: ﴿وَلَا تَقُولُواْ لِمَا
تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ ٱلْكَذِبَ هَٰذَا حَلَٰلٌ وَهَٰذَا حَرَامٌ لِّتَفْتَرُواْ
عَلَى ٱللَّهِ ٱلْكَذِبَ ۚ إِنَّ ٱلَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى ٱللَّهِ ٱلْكَذِبَ
لَا يُفْلِحُونَ﴾ (النحل: 116).
2. العلم المطلوب من
الداعية
لا نعني بالعلم هنا الإحاطة بكل جزئيات الشريعة، ولكن التمكن مما تبلغه إلى
الناس من دين الله تعالى. قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "نضر الله
امرءًا سمع مقالتي فوعاها فبلغها كما سمعها" (حديث متواتر). ونضع تحت وعاها
خطًا عريضًا، أي أن شرط التبليغ هو العلم بما تحمله إلى الناس.
قال الزبيدي -رحمه الله-: فمن زاد أو نقص فهو مُخبِر لا مُبَلِّغ، فيكون
الدعاء مصروفًا عنه.
مراتب العلم الشرعي
ومكانة العلماء
1. العلم المطلوب للدعاة
تحتاج الدعوة الإسلامية إلى أن يكون جنودها مسلمين بحد أدنى من العلم
الشرعي، يتمثل ذلك في معرفة أحكام عباداتهم ومعاملاتهم وأنكحتهم، علاوة على
القضايا الأساسية في العقيدة. كما أنها تحتاج إلى علماء شرعيين متخصصين
ليرجع إليهم الدعاة في أمور الفُتْيَا وفي المسائل الاجتهادية المتجددة.
2. أقسام طلب العلم
قال الإمام البغوي -رحمه الله-: الفقه هو معرفة أحكام الدين، وينقسم إلى فرض
عين وفرض كفاية:
- فرض
العين: مثل علم الطهارة والصلاة والصوم، فعلى كل مكلف معرفته، وكذلك كل عبادة
أوجبها الشرع على واحد يجب عليه معرفتها ومعرفة علمها (مثل علم الزكاة إن كان
له مال، وعلم الحج إن وجب عليه).
- فرض
الكفاية: وهو أن يتعلم حتى يبلغ درجة
الاجتهاد ورتبة الفُتْيَا. فإذا قعد أهل بلد عن تعلمه عصوا جميعًا، وإذا قام
من كل بلد واحد بتعلمه سقط الفرض عن الآخرين، وعليهم تقليده فيما تقع لهم من
الحوادث.
منهج تلقي العلم وتدارك
الجفوة
1. منهج التعلم الصحيح
المنهج الصحيح في تلقي العلم هو منهج السلف الصالح، ويتمثل في تحصيل
العلم على أيدي العلماء. قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "إنما العلم
بالتعلم" (حديث حسن).
وقد اشتهر عن سلفنا الصالح أنهم قالوا: "من لا شيخ له فالشيطان
شيخه" وقالوا: "من كان شيخه كتابه كثر خطؤه وقل صوابه".
وينبغي لطالب العلم أن يلزم شيخًا أو شيوخًا يتعلم عليهم المتون المعتمدة في
العلوم الأساسية.
2. تدارك الجفوة بين
الدعاة والعلماء
لم يمر على الأمة الإسلامية زمان عصيب مثل هذا الزمان في كل تاريخها الطويل؛
ففي كل العصور التي مرت على الأمة الإسلامية كنا نرى تلاحمًا قويًا بين العلماء
والدعاة، بل إن العلماء كانوا قادة الدعاة، كالأئمة الأربعة، والعز بن عبد السلام،
والنووي، وابن تيمية وغيرهم -رحمهم الله جميعًا.
أما في أيامنا هذه، فنرى جفوة مصطنعة بين الدعاة والعلماء، لأسباب
كثيرة. وقد استطاع أعداؤنا أن ينجحوا في تحقيق مآربهم هذه، ليبقوا العلماء في عزلة
عن الناس حتى يستطيعوا غزو الناس في عقائدهم ودينهم، وهذا يشكل أكبر خطر على
الدعوة، لأن الدعوة بلا علماء تكون دعوة على عماية لا على بصيرة.
وقد آن الأوان لشباب الدعوة أن يلتحموا بعلمائهم ولا يستمعوا لبعض
الدعايات المغرضة التي يطلقها بعض الناس عن العلماء. وآن الأوان للعلماء أن
يأخذوا دورهم في توجيه الدعوة إلى وجهتها الصحيحة، وأن لا يتركوا الفرصة
للرويبضة للتصدر على رؤوس الناس.
ألا هل بلغت... اللهم فاشهد...