العنوان الدكتاتور
الكاتب ا. د. عماد الدين خليل
تاريخ النشر السبت 19-نوفمبر-2011
مشاهدات 66
نشر في العدد 1977
نشر في الصفحة 66
السبت 19-نوفمبر-2011
يمكن أن تكون الدكتاتورية نوعا من إفناء أو امتصاص الآخر، حيث تتضخم على حسابها كينونة الطاغية.. حالة سرقة وقهر وابتزاز يمارسها الدكتاتور الذي يقف وحيدا في مواجهة شعب بكامله.
حالة من عدم التوازن، حيث يميل الميزان بشكل غير مبرر على الإطلاق لتأكيد شخصانية الطاغية ورغباته ونزواته ونزوعه الذاتي على حساب الجماعات المقهورة والمستلبة والمستعبدة، وإقصائها عن مطامحها ورغباتها ومنازعها، وتوقها للتحقق، بل عزلها عنها تماما.
شهوات الطاغوت لا تقف عند حد، إنها تمارس نوعا من التضخم السرطاني الذي تصعب السيطرة عليه حتى من قبل أقرب المقربين إلى الطاغية، بل وحتى من الطاغية نفسه، وبمرور الوقت تجد الشعوب والجماعات المقهورة نفسها إزاء الظاهرة الفرانكشتاينية، حيث تنهار الحواجز ويفلت الزمام، ويصبح فرانكشتاين ذلك العملاق الذي تصعب السيطرة على تصرفاته والذي يتهدد الجميع، ويرهبه الجميع، رغم أن تضخمه في الأساس يعكس حالة مرضية مترعة بالالتواء والشذوذ.
والدكتاتورية بهذا الميل الجنوني باتجاه تضخم الذات وتقديسها تشكل - بمرور الوقت - جملة من الطقوس التي يتعبد بها الاتباع الدكتاتور أو يساقون إليها، وبمرور الوقت أيضا تصبح جزءا أساسيا من سلوكهم، من مفرداتهم المعيشية، وقد ينسون أنها فرضت عليهم، فتتملكهم القناعة الأسرة بأن الصنم هو المعبود وألا خضوع إلا له، ولا صلاة إلا لأجله.
نوع من المسخ الآلي يسلط على إنسانية الإنسان فينتزع منه خصائصه الذاتية، ويجرد من حيثيته ويفقده شخصانيته، ويحوله إلى رقم من الأرقام أو ترس في عجلة تدور مسبحة بحمد الطاغوت.
إنها واحدة من أبشع صيغ الاستلاب في تاريخ البشرية، وقد التقى بها الكثير من القراء في روايتي الأديب الإنكليزي «جورج أرويل» «مزرعة الحيوان» (١٩٨٤م)، ورواية الأديب الكولومبي «ستورياس» «السيد الرئيس »، ورواية الأديب الروماني كونستانتان جيوروجيو» «الساعة الخامسة والعشرون»، ورواية الأديب الروسي بوريس باسترناك» «دكتور زيفاغو» وغيرها كثير.
يفرغ دماغ الإنسان، وتخلى روحه، وتنزع بصماته لكي يستوي مع الآخرين الذين ملئت عقولهم، وأشبعت أرواحهم، بمنظومة من الكليشيهات الجاهزة والممارسات القسرية التي تظل تكرر نفسها حتى تصبح عادة طقوسية لا ينال الإنسان الثواب وينجو من العقاب إلا بممارستها والامتثال لمطالبها .. إنه - باختصار شديد - الانفصال التام والمحزن بين الإنسان وبين شخصانيته.
تنفيذ غير مباشر لحكم الإعدام بالإنسان.. من أجل ذلك يصبح الدين، والإسلام بوجه الخصوص، ضرورة من الضرورات الإنسانية، إذا أريد للإنسان أن يحتفظ بخصائصه.
إنه في أساسه عقيدة تحرير الإنسان من كل أنماط القسر والاستلاب، والصنمية والطاغوتية والدكتاتورية والاستبداد.. تحريره حتى أعمق نقطة في كينونته.
إن شعار لا إله إلا الله هو في جوهره العميق انقلاب على هذا كله، وحماية للإنسان من كل الأنماط والممارسات التي تسعى إلى اغتيال إنسانيته.
أفلا يتحتم على البشرية أن تتشبث به من أجل ألا يفترسها الكهنة والطواغيت؟