; الدكتور رشدي فكار للمجتمع: القرن 21 قرن الأزمة الكبرى في الاختيار | مجلة المجتمع

العنوان الدكتور رشدي فكار للمجتمع: القرن 21 قرن الأزمة الكبرى في الاختيار

الكاتب عبيد الأمين

تاريخ النشر الثلاثاء 13-فبراير-1990

مشاهدات 61

نشر في العدد 954

نشر في الصفحة 33

الثلاثاء 13-فبراير-1990

 

الدكتور رشدي فكار مفكر إسلامي معروف في الأوساط العربية والإسلامية والدولية؛ فهو عضو مجمع الخالدين في باريس، وأستاذ محاضر في عدة جامعات عربية ودولية، وهو عالم في مجال العلوم الإنسانية، صدر له عدة مؤلفات، كان آخرها كتاب "الحوار الحضاري في بعد واحد"، وله دراسات واسعة في المادية الماركسية والفلسفة الغربية الحديثة، وهو يدعو باستمرار إلى ضرورة الاستفادة من معطيات التجريب في الحضارة الغربية الحديثة، واختزالها في فترة قصيرة للحاق بركب الأمم المتحضرة دون الأخذ بقيم وعادات الإنسان الغربي. "المجتمع" كان لها معه هذا اللقاء:

•       المجتمع: بصفتك على صلة مباشرة بالعمل التربوي، يُلاحظ أن العملية التعليمية في العالم الإسلامي تشكو من الازدواج والثنائية؛ حيث إن هناك متعلمين شرعيين وآخرين غير شرعيين، وهناك حالة صدام وعدم توافق بين الجانبين، مما وَلَّد مفاهيم أضرت وما تزال تعمل بشكل سلبي في المجتمع؟

•       د. فكار: هناك أطروحات تحرص المؤسسات العلمية في بلاد المسلمين على شكلها المنهجي، وقد أتاح لها طول التجربة والاستمرارية الزمنية تكوين بعض القناعات، على أن تلك القناعات تعد عطاء المقل فيما يتصل بروح وذاتية البيئة الإسلامية.

أما الحيثيات التي توجب تأطير المنهجية التعليمية لتصل لهدف تعليمي متأصل حضاريًّا، فلا بد أن تأخذ بالثقافة الإسلامية المجردة "نقية" من تشويش الدخيل الثقافي "الغربي"، وأن تتجاوز أجواء الارتداد وعصر الانحطاط التاريخي. وفي هذا يتحتم أن نصب اهتمامنا بالطفل، وأهمية بناء الرجل القادم، فالطفل هو محور القضية التعليمية والتربوية، والازدواجية القائمة حاليًا ليست لصالح الطفل المسلم، فيجب أن تسعى المناهج التعليمية إلى تأصيل الانتماء في الطفل- والانتماء يكون للعقيدة أولًا ثم إلى اللغة- لغة القرآن- ومن ثم تأتي الحضارة والأرض والتاريخ. وهذا في جانب الأولوية البيئية. ولكي تُؤتي تلك الجهود نتائجها لا بد أن يتم التناغم بين الأسرة والمؤسسة التربوية، وفي صياغة التربية في هذا الإطار يتأكد لنا حضور الذات الحضارية، وهو ما يجعل إمكانية التواصل مع الآخر تتم في إطار مُعافى، ولذا لا بد من تعلم لغة الآخر، ولتكن اللغة الإنجليزية أو الفرنسية، وهنا تُطل مشكلة مهمة للغاية، فاللغة الأجنبية التي أدعو إليها لا بد أن تكون لغة لغوية، بمعنى مفردات التواصل وليست لغة المضامين الثقافية والحضارية، حتى لا تحدث ازدواجية ثقافية بحضور لغة الآخر، هذا ما أدعو إليه كنموذج تربوي اختياري ومتجانس، يمكن أن يأتي لنا بالطفل "الإنسان" الموحد الأمة، حتى لا نقع في أخطاء دعوات سابقة.. تريد أن توحد الأمة دون التوحيد في الطفل "الإنسان"، مما يؤدي إلى نتائج معكوسة.

 

عالمية رسائل البحث

•       المجتمع: على المستوى الجامعي نجد الآن مثلًا نظام التعليم يفتقد التناغم مع الشريعة الإسلامية، فهل يمكن أن يقوم نوع من التكامل بين الفهم الإسلامي أو النهج الإسلامي والدراسات الإنسانية بصفة عامة كدراسة الاقتصاد؛ بحيث تصبح دراسته مرتبطة بالدراسات الإسلامية، وكذلك بالنسبة لعلم الاجتماع والعلوم الأخرى؟

•       د. فكار: هناك طرح آخر- مع احترامي لهذا الطرح- نأتي بالقضية ونطرحها بموضوعية، وهو أنني من أنصار أن تكون المضامين إسلامية، لكن وسائل البحث ومناهجه وهي كونية وعالمية ومتفق عليها من كل الباحثين، تكون هي هي، يعني عكس ما يعتقد البعض، يعني لا داعي لأن آتي بوسائل وفحص وطرق ودراسات جديدة في حين أن الغرب مرت عليه ثلاثة قرون حتى وصل إلى ما وصل إليه، وأنا أبدأ من حرف الألف حتى أبتكر وسيلة، هذه الوسائل المشتركة ليس لها عنوان، ليس لها انتماء حضاري أو لغوي، ولكن المضامين هي صاحبة الانتماء، بمعنى أن نكون بصدد الاقتصاد، وأنا لست من أنصار الاختلاف في العلم والانفراد بالساحة الفكرية والتعسف بفرض الرأي وإلغاء رأي الآخرين، وإنني ما كنت متحمسًا للتسمية المجردة بـ "الاقتصاد الإسلامي"، ولكن نتفق على المعايير، قضية علم اقتصاد إسلامي- كنت في الحقيقة مع احترامي للذين كتبوا عنها ونادوا بها- كنت أميل إلى تسمية علم اقتصاد العالم الإسلامي، لماذا؟ لأنني عندما أقول الاقتصاد الإسلامي- والبعض الآن بدأ يستغلها، ويحاول أن ينفخ فيها لحاجة في نفس يعقوب- حينما تأتي تجربة اقتصادية وتصبح إسلامية، وقد تفشل، أو يعتريها نوع معين من التوعك لظروف ما، فَتُرمى أخطاء التطبيق والتنظير على المنهج، ويكون الإسلام هو موضع الاتهام حين يقال هذا هو الاقتصاد الإسلامي، هذه القضية قد حذرت منها منذ سنوات، وقلت: سموا الأمور بمسمياتها، علم اقتصاد العالم الإسلامي، لأن الظاهرة الاقتصادية ظاهرة بشرية في عالم إسلامي، حتى إذا ما أخطأ البشر يبقى البشر هم الذين أخطؤوا... عالم إسلامي عالم غير قادر على أن يتكيف مع الظاهرة الاقتصادية، لكن عمدًا يُحشر معها الإسلام، فالإسلام أسمى من أن ينزل إلى مستوى المضاربات القابلة للتصوير والتخفيف، الإسلام شريعة كاملة متكاملة، ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ (المائدة:3)، ولها صفة القدسية، ومن الأولى أن تظل حيث هي في هذا الموضع السامي، ويظل المسلم يجتهد ليطبق ويلتزم بها وهو يعترف ببشريته، أما أن يتجنى الإنسان ويضع نفسه موضع الإسلام ويصبح له قداسة، وإذا ما اهتزت قداسته يهتز معه الإسلام، هذه مشكلة تلبيس، لأنني أعتقد- مع احترامي للآراء الأخرى- ليس في الإسلام إلا نبي واحد، وليس في الإسلام إلا عصر نبوة واحد، ولهذا أميز دائمًا بين الإسلام وبين تراث المسلمين؛ فيجب أن أميز ما هو تحت كلمة تسمية إسلامية بين الإسلام في عصر النبي- صلى الله عليه وسلم- والصحابة والتابعين، وبين ما أنتجه العقل البشري الإسلامي بعد ذلك من فقهاء ومتكلمين وأئمة. لهذا أفضل كلمة عالم إسلامي، علم اقتصاد العالم الإسلامي، علم اجتماع العالم الإسلامي، علم تربية العالم الإسلامي، ويكفي أن وُضعت عالم إسلامي حتى يكون فيه التزام؛ لأن الذين يقومون بها بشر وليسوا أنبياء.

 

الإسلام يدعو للتبصر

•       المجتمع: ظهرت خلافات واسعة جدًّا بين المسلمين وما زالت، وتقريبًا الأطروحة الفردية في هذا الزمن تكاد تغطي على دائرة الخلافات، كما أن هناك عدم تواصل بين المفكرين الإسلاميين حتى في تحديدهم للإشكالات وللحلول وغيرها، ألا ترى ضرورة إقامة مراكز توجيه على المستوى القيادي الفكري للأمة؟

•       د. فكار: حسب رأيي لا بد أن نسلم- بصدر رحب، أو برحابة صدر- بتعدد الرؤى، أي ليس هناك رؤية أحادية، وهذا من روائع الإسلام الذي يأذن للعقل بالتفكير وبالتبصير، أي أن الإسلام ليس فيه مصادرة أو إلغاء العقل البشري، وإنما دعاه إلى التفكير وإلى التبصر، إذن يكون لدينا تعدد، وهناك تعدد في أئمته وتياراته. وهناك قواعد وأصول مسلَّم بها من الجميع، الكل يجتهد بهذه الأمور، يستنير بالسلف الصالح والخلف الصالح، ويضيف هو بالنسبة للعصر، ولا داعي لأن يتجه باجتهاده إلى القداسة؛ لأن هذا هو الذي أفسد الديانات الأخرى. ولا مانع أن يتم التواصل في ظل أطر الإقرار بالتعددية، واحترام اجتهادات الآخرين، وتوسيع قواعد المشاركة والحوار، وليس بالضرورة توحيد الرأي، وهو أمر قليل الفائدة فيما أعتقد، إذا ما توحدت طرق وقواعد التفكير.

 

الإسلام قادر على الاحتواء

•       المجتمع: في دعوتك للحوار مع الغرب نستدرك أن هناك وضعًا تاريخيًّا تمثل في هجمة التتار على الدولة الإسلامية، وفي وقت لاحق أصيب العالم الإسلامي بالاستعمار، ومعروف أن التتار أصبحوا فيما بعد قوة إسلامية، غير أن الاستعمار الغربي ظل يحارب الإسلام بالرغم من أن ظروف التفهم والحوار الآن أوفر مما كانت عليه زمان التتار؟

•       د. فكار: القضية مختلفة بعض الشيء، يعني أنا برأيي ما تم في الماضي يؤكد لنا قدرة احتواء الإسلام لمن يتواجه معه ويحتويه في النهاية، حاليًا الوضع اختلف، في وضع المواجه والمواجَه، يعني أن وضع المسلمين مختلف حاليًا، والوضع الذي يواجهنا مختلف، الذي يواجهنا فعلًا هو مغرور بإنجازاته وقدراته، وكذلك بالعقلانية المبرمجة، فمن الصعب احتواؤه، أنا في رأيي المتواضع أن القرن 21 سيكون قرن الأزمة الكبرى في الاختيار، والمؤمن عنده قناعة تامة بأن الله موجود، والذي يجيب على ذلك هو الإسلام.

•       المجتمع: حسب معرفتي أنك تتبنى الربط العضوي بين الإسلام والجنس العربي؟

•       د. فكار: أنا لا أؤمن أن هناك جنسًا عربيًّا، ليس هناك جنس عربي، وإنما هناك سلالات عربية، أساسًا أقول: لا إسلام بلا عربية، فالقرآن جاء بالعربية، وهناك حكمة في ذلك، والنبي- صلى الله عليه وسلم- عربي، ومع ذلك فأنا أفرق بين العرب "العنصر" والإنسان العربي، أي المقابلة بين العربي صاحب النزعة والعنصرية "المتطوتم"، فالعربي "المتطوتم" ليس من مقاصدنا، وإنما نُجلُّ العروبة من باب الإنسان الذي حمل وأدى الأمانة، ونشر الإسلام والسلام في العالم القديم. فالعروبة ليست بالآباء "النسب"، وإنما هي لغة القرآن، والذي لا يعرف أسرار العربية لا يعرف أسرار القرآن، والمسلم الذي لا يعرف العربية متنازع الوجدان واللسان، ولهذا قصدت بأن العربي وحده هو صاحب رسالة الإسلام على الدوام، وليس المقصود عروبة العصبية المنكرة "الطوطمية"، وأنا أعتقد وأصر على هذا، أن العربي هو المسلم، والمسلم هو العربي، والمسلم مطالب بلغة القرآن، ولذا أقول لمن لا يؤمن ولا يعمل ليصبح عربي اللسان، أقول له: إن إسلامك ناقص، وعبادتك ناقصة، وأكرر هنا لا يمكن أن يكون الإسلام بلا عروبة، ولا عروبة بغير إسلام.

 

شكلية الانتماء

•       المجتمع: هل يمكن أن نتطرق لقضية متداخلة مع التوحد الذي سقته في نظريتك بين المسلم والعربي، قضية الوحدة العربية الإسلامية "المجتمعية" بالرغم من الحواجز والأعراف القائمة، وتفرق اللغات بين المجتمعات الإسلامية؟

•       د. فكار: أنا أرى أن هناك تآمرًا تم في فترة سابقة، حيكت خيوطه بدقة بالغة، لقد ضارب الآخر "المستعمر" على شكلية الانتماء، واصطاد كل نقاط الضعف في شخصية عالم المسلمين في ذلك الوقت، وأبرز بالتالي أهمية التواصل عن طريق لغته- لغة القوة- وبإقصاء اللغة بدأ في الإيهام حول إفراد الذات لكل كيان، ومن هنا جاء تاريخ خاص، وشخصية خاصة، وأعراف، وتفرقت الأمة، وتعمقت جذور التباعد بين المجتمع الواحد، ربما كانت تلك الفروقات في المجتمع المسلم من طنجة إلى الصين هي مصدر تنوع وإثراء، أما الآن فقد تكون مدخل اختلاف، وهنا أقول: إن الأمريكي في انتمائه لمجتمع الأمريكان ربما جاء حديثًا من اليابان، أو اليونان، أو من الصين، وبعد أسبوع يصبح عضوًا في المجتمع الأمريكي برغم كل الاختلافات... ونحن لدينا العقيدة المشتركة، والأرض المشتركة، والتاريخ المشترك، ومع ذلك تجد الصعوبة في اللقاء والتوحد فيما بيننا، ونبقى أسرى المضاربة على شكلية الانتماء، وباللغة العربية يصبح عندنا مليار عربي، ومن أراد أن يعيش على أرض الإسلام "من غير المسلمين"، ويفخر بالانتماء الحضاري، وبهذا المكان الذي يضم رفات آبائهم وأجدادهم، فإننا نسميهم أقاربنا بالمودة، فأهلًا بهم، أما أن يخترع كيانًا داخل الدولة والمجتمع، ويحاول أن ينتمي إلى غيري، فأقول له: اذهب والحق بأبناء عمومتك، بهذا الوضوح نقيم مجتمع الإسلام الذي هو خير ما افتقدته بشرية القرون الحديثة.

 

الرابط المختصر :