; الدلالات السياسية لجولة أربكان الآسيوية | مجلة المجتمع

العنوان الدلالات السياسية لجولة أربكان الآسيوية

الكاتب محمد العباسي

تاريخ النشر الثلاثاء 27-أغسطس-1996

مشاهدات 73

نشر في العدد 1214

نشر في الصفحة 37

الثلاثاء 27-أغسطس-1996

لا شكَّ أن زيارة رئيس الوزراء التركي نجم الدين أربكان -زعيم حزب الرفاه الإسلامي- التي استغرقت ١٠ أيام، وانتهت يوم الثلاثاء الماضي 10\8 لكل من: إيران، وباكستان، وسنغافورة، وماليزيا، وإندونيسيا، كانت لها من الدلالات السياسية الهامة ما أثار قلق واشنطن خصوصًا، والعواصم الغربية عمومًا، لأنها باختصار بداية الإعلان الرسمي عن توجهات أربكان الخارجية والطلاق الأول بين تركيا والغرب، وإن كان ما زال في مرحلته الرجعية، مما يحتم على الغرب أن يغير سياسته مع تركيا قبل أن يكون الطلاق بائنًا، خاصة وأن التقدم التكنولوجي والاقتصادي لم يعد مقتصرًا على الغرب، كما أن حضارة القرن المقبل وفقًا للدراسات المستقبلية ستكون على شواطئ الباسفيك التي توجه إليها أربكان دون إبطاء حالة توليه السلطة في تركيا.

وبالطبع فإن خيار أربكان لزيارة إيران جارته المسلمة صاحبة التجربة الثورية وعدو واشنطن رقم واحد، وباكستان صاحبة الثقل السكاني الإسلامي الكبير والتي تفرض عليها واشنطن حظرًا عسكريًّا بسبب رفضها للخضوع لطلبها بالكشف عن برنامجها النووي، وماليزيا أحد النمور الآسيوية الجديدة التي شكلت نموذجًا عصريًّا متقدمًا لدولة إسلامية وصاحبة الدور المعروف في مواجهة بريطانيا والغرب، ودعمت البوسنة في حربها بشكل أحرج باقي دول العالم الإسلامي.

 وإندونيسيا ذات الثقل الإسلامي والناهضة حاليًا للحاق بالدول المتقدمة، علاوة على سنغافورة غير المسلمة نموذج التقدم الاقتصادي، ودون أن تكون تلك الدولة غربية، لم يكن ذلك الأمر خيارًا عشوائيًّا، بل مدروسًا وبدقة.

إذ اختار الدول الإسلامية ذات الثقل الإسلامي والتي تقلق واشنطن، علاوة على أنها صاحبة تجرِبة في مضمار التقدم الاقتصادي لتوطيد العلاقات معها؛ بهدف الاستفادة المشتركة وعمل جبهة ضد القُوَى المعادية للمشروع الإسلامي.

النتائج والخطاب السياسي:

ولذلك إذا تفحصنا نتائج زيارة أربكان وتتبعنا خطابه السياسي أثناء زيارته، سنجد أنه ركز على التعاون الاقتصادي والعسكري ولم تخلُ كلماته من البعد الإسلامي.

فها هو يوقع اتفاقيات مع إيران أطلق عليها صفقة القرن مقدارها ۲۳ مليار دولار رغم أنف قرارات الحظر الأمريكية، ويرفع حجم التبادل التجاري مع الدول الإسلامية الأربع من مليار إلى ١٠ مليارات دولار.

ويتفق مع إيران على إنتاج أسلحة مشتركة، ويدرس عرض باكستان بإنتاج طائرة الميراج الفرنسية إنتاجًا مشتركًا، خاصة وأن الولايات المتحدة تفرض حظرًا على بيع طائرات إف - ١٦ لباكستان والتي تنتجها تركيا، وطلبتها منها ماليزيا أيضًا، إلا أنها لم تعطِ إجابة نهائية لها إلا بعد استئذان الولايات المتحدة لأنها إنتاج تركي - أمريكي مشترك.

أول طائرة إسلامية:

لذلك سوق أربكان فكرة إنتاج طائرة إسلامية مشتركة أثناء رحلته، خاصة أثناء زيارته لمصانع الطائرات في باندونج بإندونيسيا، فهناك رأى إمكانية تحقيق حلمه بإنتاج تلك الطائرة التي يمكن بخبرات علماء تلك الدول إنتاجها بشكل متقدم وتقديمها للعالم الإسلامي، وبالتالي عدم السقوط في فخ الحظر الذي تحفره واشنطن لأي معارض لسياستها.

وتمويل ذلك المشروع لن يكون أمرًا صعبًا؛ فهناك بنك التنمية الإسلامي، والدول العربية الغنية وتحقيق فكرة إقامة بنك تنمية آسيوي.

 فإذا كانت تركيا قد نجحت في إقامة صناعة عسكرية متميزة في قطاع الغواصات والمدرعات مما شجع ماليزيا وباكستان وإندونيسيا وحتى إيران على التعاقد معها لشراء احتياجاتها، فإنه يمكن بالخبرة التركية المكتسبة في إنتاج الـ «إف-16»، والتكنولوجيا الماليزية المتقدمة والخبرة العلمية لعلماء باكستان، والتجربة الواعدة لإندونيسيا في صناعة الطائرات، والحماس الإيراني الزائد لفكرة الاكتفاء الذاتي في الصناعات العسكرية والابتعاد عن مؤثرات الضغوط الغربية، بكل ذلك يكون من السهل إنتاج أسلحة إسلامية متقدمة وليست طائرة فقط، وهذا الأمر ليس حلمًا، فباكستان نجحت في إقامة خط دفاعها النووي ضد الهند والغرب، وهو أعقد من إنتاج الطائرات، بل كان هناك مشروع نووي مشترك بين تركيا وباكستان وإيران، إلا أنه فشل في البداية بسبب عدم إخلاص بعض الأطراف التي خضعت للضغوط الغربية.

كما اتسمت رحلة أربكان بتمسكه بلغة خطابه السياسي الإسلامي، ففي ماليزيا أكد أن القرآن الكريم كان مصدر إلهام لكل العلماء، إذ يتضمن أسس العلم وأسرار حياة الكائنات، وأساس سعادة الأسرة والبنية الأساسية لسعادة العالم.

وقال: إنه يفكر في إقامة جامعة إسلامية في تركيا، ويكون لها فروع، أحدها في ماليزيا لتكون مركزًا لفكرة الوحدة الإسلامية وترسيخها، وأثنى على النموذج الماليزي الذي يتضمن التقدم التكنولوجي مع الاحتفاظ بمبادئ الإسلام.

 وفي إندونيسيا أعلن أن الإسلام هو الطريق الوحيد لإنقاذ البشرية، وانتقد أربكان الذين يرون في زيارته للدول الإسلامية عودة إلى الوراء، قائلًا إنها عبارة عن لحظات عناق بين الدول الإسلامية الشقيقة والتي لا تقل تقدمًا عن الغرب.

فزيارة أربكان لتلك الدول فتحت آفاقًا واسعة للتعاون بين الدول الإسلامية يمكن أن يقتدي بها المخلصون من الحكام التي تتلخص أمنياتهم في الحصول على موعد من البيت الأبيض لإعلان الولاء والطاعة لواشنطن، وكذلك محاولة للخلاص من عقدة الغرب، وهو الأمر الذي كان سببًا مباشرًا لقلق الغرب الذي يعمل على تفريق المسلمين ليظلوا ضعفاء يتسولون منهم رغم أنهم الأكثر ثراءً.

الرابط المختصر :