; الدموع | مجلة المجتمع

العنوان الدموع

الكاتب د. حمود الحطاب

تاريخ النشر الثلاثاء 03-أغسطس-1976

مشاهدات 56

نشر في العدد 311

نشر في الصفحة 37

الثلاثاء 03-أغسطس-1976

شاب سمح الوجه نحيف المعالم جاحظ العينين فصيح اللسان سريع الكلام واضح الابتسامة كثير الخدمة للناس شديد الحياء أحبه كل من عرفه وتكلمت عنه الألسن بالمدح والثناء والشكر والوفاء. 

صدمته الأيام في آماله فمحت آثار السعادة من محياه وأشحبت بشرته البيضاء وأغارت عيونه البارزة إلى أغوار مقلته التي أصبحت مجرى عميقا لما انحدر من الدموع واختفت الابتسامة السمحة الواضحة واختفى بين رجليه رأسه وقد أنطوى على نفسه يتفق هزال جسمه المعتدل الطول على تجميع الدموع وإراقتها على ثيابه التي أوشكت أن تنبت منها النباتات لكثرة ما سقيت من عيونه المبذرة. وبات الجدار حوله والمكتب والكرسي والكتاب المقلوب على وجهه وشيكا على البكاء تأثرا لحزنه وحالته.

لقد ربط هذا المسكين كل سعادته بوالده الحنون الذي خلف أمه المرحومة وقام بما كانت تستطيع أن تسديه لولدها من سعادة وعطف وحنان ولكن العمر لا يمتد بمربيه ليتابع معه النشأة الضعيفة التي لـم تعرف طعم الخشونة ويتركه صريح العاطفة الجياشة التي كانت كل كيانه وحركته وسكونه. كما علق سعادته على تلك الشابة التي تشابهه في النشأة فالتقت أحزان وفاة أبيه بامتناع أهلها عنه لاختلاف أنسابه عن أنسابهم.

فانتهت الدنيا إلى ما يشبه العدم في نفسه وبات طريح سجن لا يعرف سبيل براءته منه ولا يعي سجانه وظل طريحا لقيوده لا أنيس معه ولا جليس. ولكن الأيام لا ترحم الضعفاء فتتركهم وضعفهم لقد جرفته متطلبات الحياة وإحساسه بالجوع والألم إلى البحث عما يسد حاجته بعدما انتقل من بلد الذكريات في محاولة لنسيان الدموع في تلك البقاع ويا لشد ما فعل هذا الحائر المسكين لقد زاد إلى مآسيه مأسى جديدة لم يحسب لها حساب لقد ألقى نفسه في هوة الغربة العميقة، وهي لوحدها تكون كافية لهدم كيان السليم المعافى فكيف بالممتحن المحروم قد سقط صاحب الوجه الصبوح قديما في أزمة لا فكاك لها ولا خلاص عند الناس.

 ومن شدة ما أصابه وأنهكه التزم بجانب البيت واستسلم للمرض ينهش جسمه كالكلب الجائع أو الذئب المفترس، وقد سال لعابه وكشرت أنيابه وبرزت مخالبه واشتد عواءه على هذا الضعيف الذي التصق جلده بعظمه شفقة وحنانا على فراق طال بينهما أيام الصحة والعافية والآمال والأحلام الواهمة.

وانكشف قناع السر عن حالته لجار كان يصحو طول الليل على أنينه ولم يستطع أن يحدد مصدره حتى داهمه العزم بتفقد الجيران الذين أقلق راحتهم بطرق الباب عليهم وإزعاجهم بالسؤال عن أحوالهم في مثل تلك الساعة المتأخرة من الليل ومضى يصافح الأبواب بابا بابا حتى انحنى أمامه أحد الأبواب عن شاب قد تكشف بدنه وانزاح الغطاء من عليه وقد تجمع بعيدا وأصبح مطرودا ذليلا لا يجرؤ على العودة إلى صاحبه الذي فارقه وأعلن رفضه له بالرغم من عهد الود بينهما. ويسكت الأنين لقدوم القادم وكأن رحمة قد انبعثت معه دون مقدمات. ويتوقف الجار القادم يحاول التعرف على هذه الملامح التي لم تعد قادرة على تحديد أوصاف أو معالم لبقية إنسان بات يودع الحياة. ويعلن الزمن عن مرور دقائق معدودة فيرى هذا الشاب نفسه في بياض من المسكن والملبس والناس في مستشفى لأحد الصالحين بناه في تلك البلدة يعالج فيه طلاب المدارس وغيرهم من الناس دون مقابل ومرت ساعات طويلة والجار العزيز واقفا بالباب ينتظر النتيجة التي بات يشك في إيجابيتها وأصبح قلقاً مضطرب البال على نتيجة جاره المريض وكان لا يفتر لسانه عن الاستغفار والتوبة إلى الله مما حصل من إهمال حق الجيران والسؤال عنهم وبات يعاهد ربه ألا يعود لنسيان أحد أبدا وإن أخذ ذلك كل وقته. 

ويأتيه الجواب يبشره بسلامة صاحبه، ولم يكن يفيق صاحبنا المريض حتى أخذ يسأل عن هذا المؤمن الذي أنقذ حياته من الخطر ويلح بإحضاره لمجرد رؤيته، وما أن التقت عيونهما حتى صاح المريض وقد دب الشفاء إلى نفسه مصعب مصعب أأنت الذي أحضرني إلى هنا أتسكن في هذه المنطقة ولم يستطع مصعب أن يفتح فاه ببنت شفه لأنه ما استطاع أن يتعرف على هذا الذي أصبح يعرفه ويبدو أنها معرفة قديمة.. أنا أسامة يا مصعب أسامة صاحبك ...

أسامة أصحيح أنت أسامة.. نعم نعم لقد بدأت أعرفك.. سبحان الله كيف اصبحت هكذا وانهارت الدموع غزيرة وتوقف الحديث لحظة.

 وعادت الذكريات إلى الأذهان تحيي النفوس من جديد وعلى الرغم من جرأة مصعب وعمله لله عز وجل وحبه للخير إلا أن أحوال المجتمع قد أشعرته بنوع من الغربة أنساها إياه صديقه أسامة الممتحن ودار تهامس في الأذهان أشرق له الوجه الذي بدأ يستعيد صفائه وينسى أكداره في مجتمع الأخوة الإسلامية الذي نقله إليه صديقه الحبيب ومرت الأيام فإذا بأسامة يصبح زوجا لأخت مصعب ويرزقه الله مولودة جميلة غطت عليه أيام الشقاء كلها وبدأت همته تسمو إلى السماء وترتفع مع النجوم وصار الماضي عنده قصة تدفعه لرحمة هذا المجتمع الذي فقد التكافل والتعاون والإخاء وأصبحت غايته في الأرض أن يدعو إلى الله كل شارد عن الطريق ليلتحق برحمة الله وعدله.

الرابط المختصر :