العنوان الدور الصهيوني في تحريك الحملة الأمريكية ضد العمل الإسلامي
الكاتب د. أحمد يوسف
تاريخ النشر الثلاثاء 05-مايو-1998
مشاهدات 94
نشر في العدد 1298
نشر في الصفحة 26
الثلاثاء 05-مايو-1998
■ الهدف الاستراتيجي لهذه الحملة هو ضرب مؤسسات العمل الإسلامي بكافة أشكالها حتى لا تقوى على النهوض في حمل رسالة الإسلام إلى المجتمع الأمريكي كافة.
استطاعت إسرائيل بعد حادث التفجير المأساوي في مركز التجارة الدولي بمدينة نيويورك فرض رؤيتها حول وجود شبكة إسلامية عالمية للإرهاب تتحرك على الساحتين الأوروبية والأمريكية، مستفيدة حسب ادعاءات الحكومة الإسرائيلية من أجواء الحرية والأمان التي تتوافر لها في هذه البلدان، وقد حاولت إسرائيل وبخاصة بعد انتهاء الحرب الباردة البحث عن دور وظيفي بعدما تعطلت قيمتها الاستراتيجية للغرب بسقوط الشيوعية وانهيار المعسكر الشرقي، والانفتاح الاقتصادي والسياسي الذي ساد علاقات الدول، وتصاعد نداءات التعايش والتفاهم بين الشعوب والأمم، لقد وجدت إسرائيل نفسها – فجأة – في موقع الدولة الهامشية، ولكنها في الوقت نفسه أمام تحديات إقليمية تشكل تهديدًا محتملًا على وجودها، إذ إن الصورة التي ظهر عليها التيار الإسلامي في خطابه المعادي لإسرائيل في الثمانينيات والفرص التي غدت مواتية لهذا التيار في التأثير وصياغة مستقبل المنطقة، قد جعلت الحكومات المتعاقبة في إسرائيل تلهث وراء افتعال أحداث عنف لإدانة العمل الإسلامي، وربطه بالإرهاب.
ولتجاوز حالة الدور الهامشي قامت إسرائيل بادعاء تهديدات وأخطار «الإرهاب الإسلامي» على المجتمعات الغربية، والمكانة المتميزة التي يمكن أن تلعبها أجهزتها الأمنية في التصدي لهذه الأخطار، لقد عملت إسرائيل على توظيف آلاتها الإعلامية وتسخير نفوذ الجاليات اليهودية في الدول الغربية لتسويق فكرة «الأصولية الإسلامية هي الخطر القادم»، إلا أن هذه الجهود لم تأت بالنجاح المطلوب، إلا بعد حادث التفجير بمركز التجارة الدولي والذي أحدث هزة ضخمة في أوعية التفكير الأمني بالغرب وبخاصة الولايات المتحدة.
فمنذ ذلك الحادث والغرب تطارده مخاوف «الإرهاب الإسلامي»، فليس لوسائل الإعلام المرتبطة بعجلة الحركة الصهيونية من مشغلة ولا قضية إلا الحديث عن الإرهاب والتطرف الإسلامي ومخاطر الوجود الإسلامي المتزايد في الدول الغربية.
وبالرغم من أن تيارات الإسلام الرئيسة كانت بعيدة عن كل مظاهر الغلو والعنف، إلا أن الهجمة الصهيونية الإعلامية في الدول الغربية قد عمدت إلى تعميم الحالة باعتبار أن الظاهرة الإسلامية تشكل خطرًا يهدد الغرب في عقر داره ويتجاوز ذلك إلى مصالحه الحيوية في البلدان العربية والإسلامية.
لقد نشط العديد من الأقلام المعروفة بارتباطها مع أجهزة الأمن الإسرائيلي، ودوائر النفوذ الصهيوني في الولايات المتحدة من أمثال دانيال باييس وستيفن إيمرسون، وجوديث ميللر بتأليب حكومات الدول الغربية لملاحقة التيارات الإسلامية ومطاردة الناشطين الإسلاميين فيها، وقد تمكنت إسرائيل من خلال حملتها الشرسة تلك من إقناع الأجهزة التشريعية بالكونجرس لسن العديد من القوانين تحت اسم مكافحة الإرهاب، وشجعت حكومة الرئيس بيل كلينتون على إصدار أوامر وقرارات استثنائية تمنح المكتب التحقيقات الفيدرالي (FBI) صلاحيات مطلقة للقيام بالمتابعة والملاحقة للفعاليات الإسلامية وأوجه النشاط الإسلامي بكافة أشكاله الخيرية والسياسية.
ماذا وراء حملة
مكتب التحقيقات الفيدرالي؟
اعتمد الكونجرس في عام ١٩٩٦م مبلغ مليارين من الدولارات لما يسمى بجهود «مكافحة الإرهاب»، وقد تم تجنيد العديد من العناصر بهدف جمع المعلومات عن أنشطة الجاليات العربية والإسلامية وقد لجأ مكتب التحقيقات الفيدرالي إلى أساليب عدة لمتابعة نشاط المؤسسات العربية والإسلامية واختراق تجمعاتها، وذلك باعتماد سياسة «العصا والجزرة»، وأسلوب الترغيب والترهيب لاستقطاب بعض أبناء الجالية لأعمال التجسس وجمع المعلومات، وبالرغم من أن العرب والمسلمين – بشكل عام – يتمتعون بسجل أمني نظيف إلا أن حجم الدعاية الإعلامية عن الشبكة الإسلامية العالية للإرهاب، قد جعلت الدوائر الأمنية بالولايات المتحدة تصدق أكاذيب وتلفيقات الأجهزة الإعلامية الصهيونية، ومجموعات المصالح اليهودية ذات الارتباط الوثيق بإسرائيل.
إن أحد أهم أسباب شراسة الهجمة الإعلامية الصهيونية على النشاطات والمؤسسات الإسلامية هو تعاظم قدرات هذه المؤسسات على تحريك وعي الجالية بحقوقها المدنية والسياسية، وكذلك فإن النشاط الخيري والإنساني الداعم للقضايا والجماعات العاملة في المنطقة العربية والإسلامية قد أزعج دوائر الضغط الصهيوني الأمريكي التي كانت تعمل لدعم إسرائيل، وتحاول في الوقت نفسه إسكات أصوات المعارضة العربية المسلمة المتعاطفة مع الحق الفلسطيني.
ومما لا شك فيه أن هدف المخطط الإسرائيلي هو تطويق العمل الإسلامي على الساحة الفلسطينية، وتجفيف ينابيع الخير الواردة إليه عبر منح ومساعدات المؤسسات الخيرية والإنسانية بالولايات المتحدة.
ويمكن القول إن حملة الرصد والملاحقة للهيئات والمؤسسات الخيرية والإنسانية قد بدأت بشكل مقلق وملحوظ منذ عام ١٩٩٣م، ولكنها أصبحت مزعجة ومفزعة بعد اعتقال د. موسى أبو مرزوق مسؤول حركة حماس سنة ١٩٩٥م حيث عمدت بعض الجهات الصهيونية إلى تسويق الاتهامات للأشخاص والمؤسسات الإسلامية بأنها تعمل كواجهات لحركة حماس، الأمر الذي جعل الأجهزة الأمنية الأمريكية تقوم بفتح ملفات عديدة للتحقيق في أعمال د. أبو مرزوق، وفي رحلاته وعلاقاته خلال فترة إقامته بالولايات المتحدة، وقد استدعت السلطات القضائية بوزارة العدل عددًا من زملائه للسؤال وجمع المعلومات وقد تمحورت التحقيقات حول تجميع الأموال وتحويلها إلى الأراضي المحتلة عن طريق مؤسسات خيرية وهيئات إنسانية قد تأسست لذلك ولقد توقفت الحملة مؤقتًا بعد خروج د. أبو مرزوق من المعتقل وتراجع إسرائيل عن طلبها بتسليمه إليها، وعودته إلى الأردن المباشرة عمله في المكتب السياسي لحركة حماس.
الفشل الذي منيت به إسرائيل العام الماضي في إثبات إدانتها للمؤسسات الخيرية والإنسانية في بريطانيا وبعض الدول الأوروبية الأخرى بأنها تقف خلف دعم نشاطات حركة حماس بالمناطق المحتلة، جعلها تعاود التفكير في فتح ملفات العمل الإسلامي الخيري والإنساني على الساحة الأمريكية، والتحقيق في نشاطات هذا العمل، وبخاصة بعد عودة الناشط الإسلامي «محمد صلاح»، الذي قضى خمس سنوات في السجون الإسرائيلية بسبب اتهامه بالانتماء لحركة حماس وتقديم الدعم المالي لعناصرها بالضفة الغربية وقطاع غزة.
لقد أعطت عودة «محمد صلاح»، إلى الولايات المتحدة، بعد انتهاء فترة اعتقاله في إسرائيل منذ عام ١٩٩٣م الذريعة لمكتب التحقيقات الفيدرالي لمتابعة التحقيق مع العناصر التي وردت أسماؤها في ملفات التحقيقات معه في إسرائيل، وتأتي حالات استدعاء كل من د. عبد الحليم الأشقر – رئيس صندوق الأقصى للتعليم والأستاذ إسماعيل البرعصي – أحد الناشطين على ساحة العمل الإسلامي – والانتهاء بسجنهم على خلفية استخدام الحق الدستوري على أساس التزام الصمت، وعدم التعاون في الرد على أسئلة المدعي العام كأول حلقة في سلسلة من الاستدعاءات للشباب الإسلامي الفلسطيني في العديد من الولايات المتحدة.
أصداء الحملة: حتى الآن ربما لم تتضح أبعاد هذه الحملة، وإن كان الحديث عنها قد أخذ يتسع ويتشعب فالمحامي عابدين جبارة - الرئيس الأسبق للجمعية العربية الأمريكية المناهضة التمييز - يرى أن إصدار هذا الأمر القانوني للأستاذ البرعصي، وما انتهت إليه القضية باعتقاله بسبب امتناعه عن الإدلاء بشهادته في الحملة الضارية المستمرة لتخويف وإرهاب أبناء الجالية العربية والمسلمة في الولايات المتحدة عن طريق وزارة العدل الأمريكية، وذلك عبر محاولاتها لترحيل حوالي ١٢ من النشطاء العرب بناء على بند الأدلة الأسرية، وحرمان البعض من حق اللجوء السياسي، بالرغم من الأدلة القاطعة التي تثبت أحقيتهم في اللجوء إن كل ذلك يثبت بما لا يدع مجالًا للشك أن هناك مخططًا يستهدف العرب والمسلمين في أمريكا وأضاف قائلًا: «إن الأمر الآن قد ازداد توكيدًا بظهور هذه الأوامر القانونية المخالفة للدستور والتي صدرت مؤخرًا وطالت بشكل مكثف الناشطين من العرب المسلمين. إن هذه الإجراءات من الحكومة الأمريكية يجب أن تقاوم وأن يتم التصدي لها وأن يعمل الجميع للتنديد بها وتعريتها.
أما الأستاذ رفيق جابر – الرئيس الأسبق للاتحاد الإسلامي لفلسطين – فقد أشار إلى أنه قد سبق للاتحاد أن حذر من المحاولات المغرضة للنيل من العناصر الإسلامية النشطة ومحاولات جهات معينة تجريمهم وقال: «إن الخوف أن تتلاحق قضايا متابعة هذه العناصر، وألا تتوقف عند د. الأشقر والأستاذ البرعصي. إن على الجالية الإسلامية أن تعي أن العناصر المسلمة مستهدفة بسبب آرائها السياسية التي لا تتفق مع التوجه السياسي العام في المؤسسات الحكومية وأن جماعات الضغط الصهيونية – على وجه التحديد – تسعى للهيمنة على مجالات الصراع العربي – الإسرائيلي المختلفة ويظهر ذلك جليًا في مواقف اليهود المعادية للإسلام، والتي تعمل على محاربة كل نشاط خيري أو إنساني لصالح أبناء فلسطين.
وقد حملت تعليقات العديد من الصحف الأمريكية على القوانين الاستثنائية التي تستخدمها الأجهزة الأمنية في ملاحقة العناصر الإسلامية الناشطة، واعتبرتها مخالفة لدستور الولايات المتحدة، فقد جاء في صحيفة «أورلندو سينتل»، وفي مقال كتبه تشارلي ريس بأنه قد بات من الواضح أن الحكومات قد أفسحت المجال لتشكيل عصابة معادية للإسلام هدفها استخدام قانون مكافحة الإرهاب كغطاء لأعمالها المخالفة للدستور، ولوثيقة الحقوق المدنية أما صحيفة الواشنطن بوست أكتوبر ۱۹۹۷م، فقد اعتبرت اللجوء إلى استخدام بند الأدلة السرية لحرمان شخص أو أشخاص من حرياتهم بناء على معلومات ليس لأحد حق الاطلاع عليها، بأنها تمثل أكبر إساءة لنظام العدالة الأمريكي وقد هاجمت صحيفة «ميامي هيرالد» في شهر يناير الماضي إدارة الهجرة والتجنيس.
الهدف الاستراتيجي لهذه الحملة هو ضرب مؤسسات العمل الإسلامي بكافة أشكالها حتى لا تقوى على النهوض في حمل رسالة الإسلام إلى المجتمع الأمريكي كافة
ووزارة العدل، وطالبت بالوقف الفوري لهذه الأساليب في إدانة الأشخاص، وحرمانهم من حرياتهم بناء على شهادات سرية أو تحطيم مستقبلهم بادعاء ارتباطهم بأشخاص أو جهات مشبوهة.
أهداف الحملة
إن الجميع يعلم أن هذه الحملة ضد الناشطين الإسلاميين تخفي وراءها دوافع سياسية تستهدف ضرب مؤسسات العمل الإسلامي بشتى أشكالها، وإن الأسلوب المتبع الآن هو التخويف والترهيب عن طريق ملاحقة الأشخاص وطلب مثولهم أمام هيئات قضائية أو فتح ملفات هذه المؤسسات ووضعها تحت المراقبة وهذه الحملة تشبه إلى حد كبير ما كان شائعًا في الخمسينيات من تهديدات وملاحقات لإلصاق تهمة الشيوعية بالعناصر التي تبدي معارضة أو مخالفة لبعض التوجهات الحكومية، وقد قاد هذه الحملة عضو مجلس الشيوخ جوزيف مكارثي، ويسمى البعض هذه الحملة ضد المسلمين اليوم «مكارثية التسعينيات».
إن الأهداف الآنية لهذه الحملة هي إشاعة الخوف والذعر بين أبناء الجالية العربية والإسلامية، وبخاصة الفلسطينية منها، حيث إن إظهار المتابعة والملاحقة للناشطين الإسلاميين الفلسطينيين والعمل على إظهارهم بشكل المخالف للقانون، من خلال اتهامهم بالعضوية في تنظيمات إرهابية أو المشاركة في أعمال غير مشروعة غسيل أموال، أو نحو ذلك وقد يعني كل هذا في المحصلة النهائية تحقيق الآتي:
١-صرف الناس عن هؤلاء الأشخاص والمؤسسات المرتبطة بهم.
٢-إرهاب العمل الإسلامي وخلق حالة فزع في الجالية الإسلامية.
٣- ابتعاد أبناء الجالية الإسلامية عن أنشطة المؤسسات الإسلامية، وتقليص حجم التفاعل مع نشاطاتها السياسية والدعوية.
٤- تخويف الناس من مؤسسات العمل الخيري والإنساني، وقفل باب التبرع لها، بهدف شل قدرات هذه المؤسسات وتعطيل رسالتها في الاستجابة لنداءات المنكوبين والمحتاجين من أبناء المسلمين.
٥-قفل أبواب الخير أمام المشاريع الإسلامية الناهضة على الساحة الأمريكية التي تعتمد على تبرعات وجهود أبناء الجالية.
٦-ابتعاد العامة من أبناء الجالية عن كافة أوجه النشاط السياسي والدعوي والخيري بدافع الخوف من استخدام بند «الأدلة السرية» ضدهم.
إن الهدف الاستراتيجي لهذه الحملة هو ضرب مؤسسات العمل الإسلامي بكل أشكالها، حتى تقوى على النهوض بمشروعها الطموح في جعل رسالة الإسلام تأخذ طريقها إلى كافة أوجه الحياة السياسية والثقافية والمجتمعية في هذه القارة العظيمة بإمكاناتها البشرية وخيراتها الطبيعية ومكانتها بين الأمم.
إن الجالية وهي تعيش هذا التحدي، وتواجه هذه الحملة ليس أمامها من خيارات سوى التصدي والاستجابة بالقوة التي تحفظ لها نيل حقوقها، وقد سبقتها جنسيات أخرى واجهت ظروفًا مشابهة على هذه القارة الأمريكية كالجالية الأيرلندية والإيطالية وحتى اليهود مروا قبل ثمانين عامًا بظروف مشابهة ولقد أشار المحامي ستانلي كوهين بأن أسلوب العصيان المدني بالتمرد على هيئة المحكمة الذي لجأ إليه كل من د. الأشقر والأستاذ البرعصي هو أحد الوسائل التي بإمكان العرب المسلمين استخدامها للوقوف في وجه محاولات الحكومة لتخويفهم وإرهابهم.
إن التضحية التي قدمها كل من د. الأشقر والأستاذ البرعصي تستحق الثناء والتقدير، وسيكون لها كبير الصدى في تحريك وعي الجالية الإسلامية والعربية وتعريفها بحقوقها، ودفعها للتصدي للإجراءات غير العادلة التي تنتهك حقوقها الدستورية.
وفي كلمة للشيخ محمد الحانوتي إمام مسجد دار الهجرة بمنطقة واشنطن أشاد فيها بمواقف د. الأشقر والأستاذ البرعصي، وقال: «إنهما سيكونان رأس النفيضة فقد سبقا بالتضحية لتجلية الحقيقة وكشف غامض اللغز، وهو استهداف العمل الإسلامي برجالاته ومؤسساته».