; الدور الغربي في تقسيم البوسنة والهرسك | مجلة المجتمع

العنوان الدور الغربي في تقسيم البوسنة والهرسك

الكاتب النذير المصمودي

تاريخ النشر الثلاثاء 10-أغسطس-1993

مشاهدات 60

نشر في العدد 1061

نشر في الصفحة 38

الثلاثاء 10-أغسطس-1993

الدور الغربي في تقسيم البوسنة والهرسك

إن تتبعًا موضوعيًا للجهود الديبلوماسية التي بذلتها وتبذلها الوساطة الدولية بشأن إنهاء الحرب الحالية في البوسنة والهرسك تثبت أن خيار تقسيم البوسنة والهرسك على أساس عرقي وبطريقة مجحفة واضحة، لم يكن خيارًا صربيًا وكرواتيًا فقط، بل هو خيار أوروبي أيضًا، ورغبة غربية ملحة في تقسيم تركة البوسنة على أساس يضمن لأوروبا والغرب:

1- توازن المصالح الغربية في المنطقة.

2- منع قيام دولة إسلامية في أوروبا.

ولتحقيق هذين الهدفين الأساسيين سعت الدول العظمى في أوروبا، وعلى رأسها بريطانيا وفرنسا، إلى منع أي تدخل عسكري غربي لإيقاف حرب الإبادة المعلنة من الصرب في المرحلة الأولى، ومن الكروات في المرحلة النهائية ضد المسلمين.

وكان البديل عن التدخل العسكري خطتين مدروستين بدقة:

الخطة الأولى: إطالة عمر المفاوضات بين الأطراف المتحاربة كمناورة سياسية لربح الوقت وتمكين المعتدي من حصد أكبر عدد ممكن من المسلمين وتصفيتهم جسديًا عن طريق المذابح الجماعية المشهورة.

الخطة الثانية: فتح باب الهجرة أمام البوسنويين المسلمين، ومحاولة إقناعهم بطريقة مباشرة أو غير مباشرة بضرورة هجرتهم من وطنهم الأم.

وقد عملت بعض الدول الأوروبية كالسويد والنرويج مثلًا على منحهم جنسية المواطنة ليس حبًا فيهم إنما ترغيبًا لهم في ترك وطنهم الأم إلى الأبد، ومن ثم محاولة تذويب هويتهم الحضارية في بوتقة المجتمع الجديد وتحويلهم بعد ذلك إلى «هنود أوروبا» لا وطن لهم ولا هوية، حسب ما وصف به العملية أيوب جانيتش، نائب الرئيس علي عزت بيجوفيتش.

وإذا كان عدد المهاجرين قد وصل منذ بداية الحرب إلى الآن، حسب إحصائيات رسمية، إلى مليون ونصف المليون موزعين على بلدان أوروبا، فإنه من المتوقع أن يرتفع هذا العدد أكثر خلال هذه السنة نتيجة التصفية العرقية التي بدأ الكروات ممارستها خلال الشهرين الأخيرين بشرق البوسنة وجنوبها، كما أنه من المتوقع استنادًا إلى مؤشرات كثيرة ألا ترجع نسبة كبيرة منهم قد تصل إلى 30٪ إلى الوطن الأم في حالة الوصول إلى تسوية المسألة البوسنوية.

شهر يوليو 93.. انتصارات جريئة للمسلمين

لا يمكن في العملية التقويمية للمسألة البوسنوية تجاهل الانتصارات الجزئية التي حققتها القوات المسلمة في غضون شهر يوليو المنصرم كعامل جديد في تفاعلات القضية، وسواء أشارت الأنباء إلى هذه الانتصارات أو لم تشر -عن قصد أو عن غير قصد- فإن ساحة جبهات القتال على طول البوسنة وعرضها تميزت خلال الشهر المنصرم بحدثين بارزين:

الأول: تمثل في تحالف الكروات مع الصرب عسكريًا في أكثر من جبهة وخاصة في مثلث (ماغلاب - زافيدوفيتشي – جيبتشا)، وهي مدن استراتيجية ذات أغلبية مسلمة في شمال البوسنة.

الثاني: تمثل في النجاح النسبي الذي استطاعت القوات المسلمة تحقيقه على مستوى صد الهجمات العنيفة التي شنتها القوات الصربية والكرواتية أو «الصربوكرواتية» المشتركة على المدن والقرى المسلمة من جهة، وفي السيطرة على بعض المناطق والمواقع بعد استردادها بقوة النار من العدو من جهة أخرى.

وكانت المواجهة بين الكروات والمسلمين حول مدينة موستار الإستراتيجية في إقليم الهرسك في غضون شهر يوليو المنصرم من أعسر الامتحانات الحقيقية التي تعرضت لها القوات المسلمة عسكريًا، ورغم قلة سلاحها وعتادها فقد استطاعت إحراز نجاح نسبي في هذه المعركة الامتحانية، حيث استطاعت وفي ظرف قصير وبخسائر أقل الاستيلاء على ثكنة عسكرية استراتيجية كانت تسيطر عليها الميليشيات الكرواتية والتغلغل (16 كلم) في الخطوط الدفاعية الكرواتية، وصد كل الهجمات الكرواتية حول المدينة.

هذا الأمل الجديد في تطورات القضية عجل، حسب المحللين، بالضغط الأوروبي على القيادة السياسية المسلمة في البوسنة للجلوس إلى طاولة المفاوضات مع الطرفين الصربي والكرواتي خوفًا من تطور الوضع لصالح المسلمين على الساحة العسكرية ودخوله كعامل قوي في قلب أوراق اللعبة السياسية وسياسة المفاوضات.

مفاوضات الإرغام لا الإقناع

ولقاء جنيف الأخير بين الأطراف الثلاثة المتحاربة سبقته تصريحات رسمية من الطرف المسلم تؤكد أن الجلوس إلى طاولة المفاوضات مع الطرفين الكرواتي والصربي والقبول بالتقسيم الكونفدرالي المقترح من جانب الصرب والكروات لم يكن بإرادة الطرف المسلم ولا ناجمًا عن رغبته في تقسيم البوسنة والهرسك على أي أساس كان. جاء هذا على لسان الرئيس البوسنوي علي عزت قبل توجهه إلى جنيف في لقاء مع راديو سراييفو يوم 8/7/93 حين قال: «إن الكونفدرالية المقترحة من طرف الصرب والكروات هي تقسيم على أساس عرقي، وإن هذا التقسيم فرض علينا بالقوة والسلاح، ولن نقود أنفسنا للانتحار في حرب لا نهاية لها..».

وسبقت مثل هذه التصريحات مناورة عملية وقعت في أواخر شهر يونيو (جوان 93) تمثلت في افتعال زوبعة سياسية بين مجلس رئاسة البوسنة والهرسك لتغذية الخلاف القائم بين فريقين داخل المجلس، أحدهما يؤيد استمرار المفاوضات يقوده فكرت عبديتش، والآخر يقيدها بشروط ولا يرى جدوى من استكمالها يقوده الرئيس علي عزت بيجوفيتش. ورغم أن وسائل الإعلام وبعض الأوساط الدولية حاولت استغلال هذا الخلاف لإقصاء علي عزت عن طريق إظهاره بمظهر الرجل المتشدد الرافض للحوار والسلام – وإظهار عبديتش بمظهر الرجل المعتدل القابل للحوار والسلام، فإن بيانًا رسميًا عمليًا صدر عن مجلس الرئاسة البوسنوية وضع حدًا لهذه الزوبعة الحقيقية أو المفتعلة، وقضى تمامًا عما كان مطلوبًا من عبديتش أو غيره القيام به ضمن طقوس سياسية معروفة تمارسها عادة الأطراف المناورة في اللعبة لإقصاء الرئيس البوسنوي «الأصولي» حسب الأوروبيين، أو تحجيم دوره في صنع القرار على الأقل.

مفاوضات جنيف.. هل تكون بداية لأزمة جديدة؟

بصرف النظر عما يمكن التوصل إليه في مفاوضات جنيف الأخيرة حول تقسيم البوسنة والهرسك، فإنه من المؤكد أن مشروع التقسيم على الورق ليس كالتقسيم على أرض الواقع؛ ذلك لأن عوامل موضوعية وفعلية هي التي ستحسم مشروع التقسيم على أرض الواقع، وليس بمقدور القيادات السياسية التحكم فيها أو على الأقل توجيهها لتتفاعل في اتجاه إقرار التقسيم.

في طليعة هذه العوامل طبيعة تركيبة القوات المتحاربة في البوسنة والهرسك؛ إذ إن معظمها مكونة من ميليشيات شعبية لا تخضع لقيادة عسكرية قوية.. ومثل هذه التركيبة العسكرية يصعب معها عادة توقيف القتال الفعلي بين الأطراف المتحاربة. والعارفون بطبيعة تركيبة القوات المسلمة المدافعة في البوسنة والهرسك لا يرجحون ميل هذه القوات إلى القبول بتقسيم البوسنة والهرسك إطلاقًا، أو على الأقل قبول التقسيم على أساس مجحف تصبح فيه الأغلبية المسلمة أقلية على مستوى الأراضي الممنوحة لها.

أما قوات الكروات والصرب، وإن كانت تركيبتها العسكرية لا تختلف كثيرًا عن تركيبة القوات المسلمة، فإن ميلها واضح لقبول مشروع التقسيم الجديد الذي هو في صالح الصرب بالدرجة الأولى ثم الكروات بالدرجة الثانية، وليس في صالح المسلمين بكل المقاييس.

ولهذا، فمن المتوقع أن يواجه مشروع التقسيم صعوبات عديدة جمة في حالة توصل القادة السياسيين إلى أي اتفاق يقضي بتقسيم البوسنة والهرسك، وأخطر هذه الصعوبات في نظر المحللين رفض القوات المسلمة المرابطة داخل البوسنة والهرسك هذا التقسيم، وقد يصل هذا الرفض حسب بعض المصادر إلى حد التمرد على القيادة السياسية والانفراد بموقف آخر تكون فيه البندقية المفاوض الوحيد. فهل يستطيع وقتها الرئيس البوسنوي علي عزت إقناع القوات العسكرية المسلمة بمشروع التقسيم الجديد والرضا به كبديل عن حرب لا نهاية لها كما وصفها؟ أم أنه سيفشل في ذلك لتبدأ أزمة جديدة يصعب معها الحل السريع؟

عندما توجه الرئيس البوسنوي بيجوفيتش إلى جنيف بتاريخ 26/7/93 أعلن قبل توجهه أنه قرر المشاركة في المفاوضات لإنهاء العذاب والقتل عن المسلمين، كما طلب بيجوفيتش أن لا يؤاخذه أحد لأنه سيتكلم هذه المرة باسم «المسلمين» فقط، وليس باسم الشعب البوسنوي بكافة انتماءاته العرقية.

والجدير بالملاحظة أن الرئيس البوسني كان قد شكك قبلها في صلاحية فكرة الدولة الاتحادية، وقال وقتها إنه لم يعد يرى فرصة للإبقاء على وحدة أراضي البوسنة والهرسك.

وعلى هذا فإن مجرى مفاوضات السلام الأخيرة بني أساسًا على ألا يفاوض الرئيس البوسني باسم الحكومة البوسنية أو باسم أحد غير شعبه المسلم، مما شكل في النهاية أساسًا واضحًا لدى الأطراف الصربية والكرواتية في التوصل بشكل ما إلى شبه حل أو اتفاق؛ لأن فكرة وحدة الأراضي البوسنية أصبحت عديمة الجدوى عندما تحول بيجوفيتش من رئيس البوسنويين إلى رئيس المسلمين فقط.

والسؤال الذي يطرح نفسه هو: ما مدى تقبل مسلمي البوسنة لخطة التقسيم الجديدة التي وافق عليها «بيجوفيتش» والقاضية بتقسيم البوسنة إلى ثلاث دويلات عرقية يجمعها «اتحاد جمهوريات البوسنة والهرسك»؟

يرى المراقبون أن غالبية مسلمي البوسنة يدركون تمامًا أن الرئيس «بيجوفيتش» قدم كل ما بوسعه للمحافظة على وحدة أراضي البوسنة ومارس كافة الأساليب السياسية والديبلوماسية لتحقيق هذا الهدف، إلا أنه شعر في نهاية الأمر أن الوقت يمر في غير صالح مسلمي البوسنة، وأن اقتراب الصرب من العاصمة سراييفو يعني نهاية كل شيء، لأجل ذلك بدأ بيجوفيتش التفكير بمصير المسلمين- والمسلمين فقط- لأنهم -على حد تعبيره- هم الطرف المظلوم في المسألة البوسنية.

لهذا يرى بعض المراقبين أن المؤيدين للرئيس بيجوفيتش يتعاملون مع التطورات الجديدة بحذر يدفعهم إلى عدم المراهنة على المتغيرات العسكرية التي لا تبشر بخير، مع إصرار المجموعة الأوروبية على منع وصول السلاح للمسلمين، ومع التباطؤ الأمريكي في التدخل وحلف شمال الأطلسي في دفع المعتدي وتأديبه، ناهيك عن عجز أو تقاعس الدول الإسلامية عن عمل أي شيء ذي بال على المستوى السياسي.

وترى طائفة أخرى من المراقبين أن الخطة الجديدة ما هي إلا صمت للمدافع لحين، ما يلبث الزمن أن يكشف عن عيوب خطيرة في خطة السلام الجديدة، سوف تؤدي في نهاية الأمر إلى تجدد الصراعات العرقية لأسباب جغرافية وأحقاد بشرية مازالت تتأجج في صدور المتصارعين.

ولهذا فإن الخطة الجديدة في نظر هؤلاء المراقبين تحمل في مضمونها غموضًا نابعًا من أنها بنيت على أساس مبدأ القوة وليس العدل، ويرجح أصحاب هذا الرأي أن طائفة من الشعب البوسنوي المسلم سترفض الخطة الجديدة، وقد يؤدي ذلك إلى حدوث انقسامات داخل الجيش البوسنوي المسلم يصعب معها التنفيذ العملي للخطة على أرض الواقع.

كلمة حق أريد بها باطل

التصريح الذي أدلى به يوم 1/8/93 العضوان الصربيان في مجلس الرئاسة البوسنوي تعقيبًا على مقترحات التقسيم الجديدة أثار بعض الشكوك حول وحدة موقف مجلس الرئاسة البوسنوي، واحتمال حدوث تصدع قد يؤدي إلى عرقلة مباحثات السلام. وهنا يبرز تساؤل موضوعي عن سبب رفض العضوين الصربيين لخطة التقسيم المقترحة، ولا يكفي تبريرهما للموقف بأن الصرب سيأخذون النصيب الأكبر من الأراضي على حساب المسلمين.

الإجابة عن هذا التساؤل تقودنا إلى الرجوع إلى ما ذكرناه من قبل أن الرئيس علي عزت ذهب إلى جنيف هذه المرة وهو يمثل مسلمي البوسنة فقط بعد أن كان دستوريًا يمثل رئيس جميع البوسنويين على اختلاف انتماءاتهم العرقية؛ هذا التحول جعل عضوي مجلس الرئاسة الصربيين يشعران بانتهاء دورهما في الحكومة البوسنوية ولا يد لهما بعد ذلك لا عند الصرب ولا عند المسلمين، ولهذا فهما يسعيان إلى تقويض الاتفاق الجديد وتأجيج الانقسامات داخل مجلس الرئاسة.

ويبقى السؤال مطروحًا: هل يستفيد الرئيس البوسنوي «بيجوفيتش» من موقف الرافضين للخطة ويسعى ديبلوماسيًا للحصول على مزيد من الأراضي والمنافذ والمعابر بين جمهورية المسلمين المتقطعة الأوصال؟ وهل سيغير الموقف الأمريكي الجديد المعلن يوم 1/8/93 الذي ألمحت فيه الولايات المتحدة الأمريكية إلى احتمال انفرادها بموقف عسكري يقضي بفك الحصار عن العاصمة البوسنوية سراييفو، من موقف الطرف المسلم المفاوض في جنيف؟


اقرأ أيضًا:

 المؤامرة على البوسنة تدخل فصولها الأخيرة

الرابط المختصر :