العنوان الدور الغربي في حصار المشروع الإسلامي في السودان
الكاتب د. محمد الغمقي
تاريخ النشر الثلاثاء 28-يناير-1997
مشاهدات 69
نشر في العدد 1236
نشر في الصفحة 28
الثلاثاء 28-يناير-1997
- مرتزقة غربيون مثل رولف ستينار قاموا بتأطير حركة التمرد في جنوب السودان.
- تطبيق الشريعة في السودان كشف مدى حساسية الجهات الغربية لوضع المشروع الإسلامي في حيز التطبيق مهما كانت محدوديته.
- تطويق الكيان الإسلامي لمنع انتشار الإسلام جنوب الصحراء والسيطرة على منابع النيل ومراقبة البحر الأحمر هي سمات الإستراتيجية الصهيونية في منطقة القرن الإفريقي.
إن موقع السودان الإستراتيجي عامل أساسي في تكريس التوتر وعدم الاستقرار السياسي والأزمة الاقتصادية داخل هذا البلد، ذلك أن هذا الأخير يربط بين العالم العربي– الإسلامي والعالم الإفريقي، وهو البوابة الإسلامية التاريخية نحو إفريقيا مثلما يمثل المغرب البوابة الغربية للقارة السوداء، وهذه الأهمية الإستراتيجية جعلت السودان محل أطماع القوى الخارجية وتنافس حاد بينها من أجل مصالحها الاقتصادية والثقافية، وكانت الحرب في جنوب السودان هي المؤشر الدائم لقوة الضغوط الأجنبية على الخرطوم، ويتحمل عدة جهات غربية مسؤولية إشعال نار الفتنة بين المكونات العرقية والإثنية للتركيبة الاجتماعية والسياسية المعقدة في السودان.
ويبدأ الدور الغربي الصليبي في هذا الاتجاه منذ القرن التاسع عشر بشكل غير مباشر، ثم بشكل مباشر، فقد تم توظيف التواجد المصري في السودان منذ عام۱۸۲۰م في عهد محمد علي باشا لفتح ثغرات واختراقات داخل الكيان الإسلامي.
ومنذ عام ۱۸۹۸م، أقيم في السودان ما يسمَّى بالحكم الثنائي المصري–البريطاني الذي لم يكن في الواقع سوى غطاء للاستعمار البريطاني المباشر وإدماج مصر كان يهدف إلى تحميلها مسؤولية مآسي الاستعمار وإبقاء عقدة تاريخية بين الشعبين المصري والسوداني، علمًا بأن مصر منذ عام ١٨٨٢م، كانت تحت وصاية بريطانية، فكيف يقوم بلد تحت الوصاية باحتلال بلد آخر أو حكمه بالقوة ولهذا فإن مرحلة الاستعمار التي دامت ٥٧ سنة «۱۸۹۹م –١٩٥٦م» تركت بصماتها على التاريخ المعاصر للسودان. فإضافة إلى المشاكل التي تورثها السياسة الاستعمارية في كل الدول المستقلة من حيث تمزق التركيبة الاجتماعية لهذه الدول وتبعية أنظمتها لإرادة القوى الاستعمارية، فإن السودان ورثت وضعًا خاصًا بحكم أن شرخًا كبيرًا أحدثه الاستعمار البريطاني في العلاقات السودانية المصرية مازالت آثاره إلى اليوم، إلى جانب الدور البريطاني في إشعال نار الفتنة بين شمال البلاد وجنوبها.
ومعلوم أن الشعبين المصري والسوداني كانا يحملان نفس التطلعات التحررية من ربقة الاستعمار، وكانت للتحركات والانتفاضات المصرية صدى دائمًا في السودان، فقد أعلن المصلح السوداني محمد أحمد عن مهديته بعد شهر من ثورة عرابي في مصر، كما أن الحركة الوطنية السودانية استلهمت مواقفها وحركتها من المخاض الفكري والحركي الوطني الذي عاشته مصر، وكانت كل التيارات الفكرية المتواجدة في مصر تجد لها نظيرًا في السودان، كما أن تحرير وادي النيل من الاستعمار الأجنبي كان الخيط الرابط بين القيادات الوطنية والجماهير الثقافية والحضارية والسياسية بين الشعبين، حتى لا تتحول كل من مصر والسودان إلى كتلة متناسقة وموحدة، لذلك كان مطلب «وحدة وادي النيل» المدخل الرئيسي لإحداث الشرخ بين البلدين، وليس السودان وجيرانه الأفارقة، وركز الاستعمار البريطاني على الفوارق من حيث تقديم الامتيازات بين الطائفتين الكبيرتين في السودان الختمية والمهدية، وانتهت الصراعات بين قيادات الطائفتين «الميرغني، وعبد الرحمن المهدي» إلى شق صفوف الحركة الوطنية بين داع إلى وحدة مع مصر «الاتحاديون»، وداع إلى الاستقلال التام، وتجلت هذه الاختلافات والانشقاقات في الصراعات داخل مقر الخريجين الذي يمثل صفوة الحركة الوطنية في ذلك الوقت ثم في التعامل مع حكومة نجيب ذي الأصول السودانية.
ومن بين الأسباب الأساسية للأزمة السياسية في السودان منذ عهد الاستقلال وتواصل عدم الاستقرار بين أنظمة مدنية وأخرى عسكرية الخلافات القوية بين الطائفتين الختمية والمهدية التي تعود إلى جذور تاريخية كان للدور الاستعماري تأثير بالغ عليها.
إشعال نار الفتنة بين الشمال والجنوب:
لكن الأمر زاد تعقيدًا نتيجة السياسة الاستعمارية في الاتجاه الآخر أي علاقة السودان بمحيطه الإفريقي، وقد نجح الاستعمار البريطاني في إحداث هوة بين التركيبة ذات الطابع العربي في الشمال والتركيبة الجنوبية للسودان ذات الطابع الإفريقي، وذلك من خلال عزل الشمال كليًّا عن الجنوب فيما يسمى بـ «المناطق المغلقة، وحدثت في ذلك العهد أكبر عملية ترحيل جماعي في تاريخ المنطقة، بحيث نقلت العناصر ذات الانتماء الإسلامي في الجنوب إلى الشمال والعكس بالعكس، وتم محو كل المظاهر التي توحي بالثقافة العربية الإسلامية في الجنوب بداية من الاسم إلى اللباس؛ الشيء الذي يفسر وجود أسماء مسلمة لجنوبيين إلى اليوم بالرجوع إلى أسماء الأجداد حسب الترتيب للاسم الثلاثي «شلا غبريال قرنق إسماعيل».
مقابل ذلك أعطيت الإشارة الخضراء للمبشرين المسيحيين للقيام بحملات تنصيرية في صفوف الوثنيين وحتى بعض المسلمين الجنوبيين، ونشأت نخبة جنوبية ذات ثقافة غربية وتتكلم الإنجليزية وتحمل في نفس الوقت أحقادًا دفينة على كل ما يتعلق بالعرب والمسلمين؛ حيث كان المبشرون يركزون على تشويه صورة العربي والمسلم في أذهان هؤلاء الجنوبيين باستغلال أخطاء بعض العرب الذين قاموا في عهد محمد على بالمشاركة في تجارة الرق، وإضافة إلى توظيف ملف الرق أو العبودية، فقد تم تضخيم الفوارق في نمط العيش بحيث ترك الجنوب في وضع اقتصادي متدهور لكي يحس الجنوبيون بأن أهل الشمال استأثروا بالخيرات، فيطالبون بالانفصال عن «العرب»، وفي أحسن الحالات يطالبون بالتوزيع العادل للثروات وللسلطة.
ولعل المسألة الأخيرة هي الأكثر حساسية بحكم تأثير السياسة على الاقتصاد، ولذلك فإن عملية السودنة التي تتمثل في تسلم السودانيين للإدارة قبل الخروج النهائي للاستعمار كانت فرصة لتفجر التوتر بين الشمال والجنوب بعد عملية غسل الأدمغة من قبل المبشرين، فقد حصلت أخطاء من طرف الشماليين في توزيع الوظائف ولم يعط الجنوب حقه كاملًا من حيث التوزيع العادل لهذه الوظائف، فانفجرت الحرب في الجنوب عام ١٩٥٥م أي قبل الاستقلال و تمردت كتيبة جنوبية يوم ١٨/٨/١٩٥٥م وقتلت حوالي ٣٥٠ شخصًا أغلبهم من التجار والضباط الشماليين واتسع التمرد ليتحول إلى حركة مدعومة من الخارج بقيادة جوزيف أوديهو وتكفي الإشارة إلى أن هذه الحركة التي تكونت في بداية الستينيات تدعى «أنيانيا»، أي السم أو الثعبان القاتل حسب لغة إحدى القبائل الجنوبية، وفي ذلك دلالة على مدى حقد القائمين عليها على أهل الشمال.
وإلى جانب هذه الحركة المسلحة، تكونت ما بين ١٩٥٥م و١٩٦١ أحزاب جنوبية وجدت مساندة قوية من دول إفريقية وغربية، وسمح في لندن بالبث الإذاعي تحت اسم صوت جنوب السودان، وفي إيطاليا تحت اسم «صوت السودان المسيحي»، وطاف كل من ساتورينولوهير مع وليام دنغ نيال من قادة حزب سانو الجنوبي المنادي بالانفصال بدول إفريقية وغربية طالبًا الدعم المادي والمعنوي والإعلامي.
وحسب بعض المصادر، فإن هذه، فإن هذه الحركة لقيت دعمًا من وكالة الاستخبارات الأمريكية بموافقة بعض البلدان الغربية، وصرح أعوان بريطانيون بأنهم تلقوا توصيات وآلاف الدولارات من هذه الوكالة الاستخبارية لتدريب مرتزقة، كما ذكرت الصحيفة الألمانية «كويك» بأن رولف ستينار قام بتأطير الحركة المسلحة الجنوبية في السودان خلال الستينيات، وقد عمل هذا الضابط الألماني سابقًا في «خدمة» تمرد جنود السودان بعد قيادته عام ١٩٦٨م الكومندوس سيسافرا.
الدعم الإسرائيلي للتمرد:
والجدير بالذكر أن هذا التوجه الغربي لدعم التمرد في جنوب السودان تزامن مع نشاط مكثف إسرائيلي في نفس الاتجاه منذ عام١٩٦٩م باعتراف مجلس الكنائس الدولي نفسه. ويتمثل هذا النشاط في تقديم العتاد والأسلحة للمتمردين، وكل ما يحتاجونه من الخبرة العسكرية للتوغل في السودان، وبدون شك فإن الإشعاع السياسي للناصرية في المنطقة العربية ولدى العديد من شعوب العالم الثالث والإفريقية منها على وجه الخصوص ساهم في تكثيف النشاط الإسرائيلي في المنطقة، جنوب الصحراء الإفريقية، لكن هذا النشاط يسبق ويتجاوز المحطة الناصرية في تاريخ العالم العربي والإسلامي، فالمخطط الإسرائيلي يحمل في طياته مشروعًا توسعيًا من أجل السيطرة على منابع مياه النيل ومراقبة البحر الأحمر الشريان الإستراتيجي للملاحة الدولية - وذلك بهدف وقف الانتشار الإسلامي جنوب صحراء إفريقيا وحصره في منطقة شمال إفريقيا.
الصراع حول الهوية:
وتعتبر الحالة السودانية من أكثر الحالات الإفريقية التي تواجه تحديًا غربيًّا، ذلك أن الصراع في السودان حول مسالة الهوية مازال غامضًا، ثم إن هذا البلد مرَّ بتجارب سياسية مدنية وعسكرية عديدة، لكل واحدة مشروع وبرنامج للمجتمع والدولة أو على الأقل سياسة مختلفة، لكن القاسم المشترك بين التجارب السياسية في السودان هو تأثير العامل الديني القوي على الحكم، وتفاعلت القيادات السياسية مع هذا المعطَى بطريقة تكتيكية أحيانًا وأخرى استراتيجية.
فارتباط الدين بالدولة في السودان نهج قائم منذ الاستقلال ولم يتم تحييد الدين عن السياسة بشكل قاس ومُتعنت إلا خلال سنتين أو خلال فترة قصيرة من عمر حكم نميري العسكري الذي دام ستة عشر عامًا «١٩٦٩م -١٩٨٥م» عندما تحالف هذا الأخير مع النخبة اليسارية العلمانية التي عملت على إجهاض المشروع الإسلامي في السودان وإقامة مشروع بديل عنه علماني مرتبط بالقطب السوفييتي في عهد الثنائية القطبية، ولكن المحاولة الانقلابية التي قام بها الشيوعيون في السودان عام ١٩٧١م بقيادة هاشم العطا لم تحكم سوى ثلاثة أيام وكان التدخل المصري إلى جانب نميري حاسمًا لقلب موازين القوى وإعادة الأخير إلى الحكم.
وخارج هذه الفترة القصيرة، كانت السلطات العليا للدولة مدنية كانت أم عسكرية توازن بين قناعاتها دينية كانت أم علمانية وبين ضغط الحركة الإسلامية الحديثة التي تصاعد شأنها خاصة بعد المصالحة الوطنية عام ١٩٧٧م. وكانت هذه الحركة بقيادة حسن الترابي تنافس القوى الدينية التقليدية «طائفتي الختمية، والمهدية»، وأثبتت انتخابات ١٩٨٦م أن القوى التقليدية والحركة الإسلامية تكسب ثقة الجزء الأكبر والأهم من الرأي العام السوداني من الشمال إلى الجنوب، في حين أثبتت نفس الانتخابات تضاؤل حجم التأثير للأحزاب العلمانية والجنوبية والإقليمية «العرقية»، في الشارع السوداني.
وبدون شك، فإن الحضور الإسلامي الواسع في الساحة السياسية والاجتماعية السودانية يجعل من السودان محط أنظار الخبراء وأصحاب القرار في الغرب على وجه الخصوص، فالحضور السياسي يترجم بشعبية واسعة لدى التيارات الدينية الإسلامية، وهذا يعني بروز هوية إسلامية للسودان وتقلص الهوية أو العنصر الإفريقي بالمعنى الزنجي أو المسيحي، ثم إن السودان جرب عام ١٩٨٣م تطبيق الشريعة الإسلامية في عهد نميري ورغم العيوب التي صعبت هذا التطبيق فإن انعكاسات هذا الأخير على مستوى الاستقطاب الغربي ضد السودان كشفت مدى حساسية الجهات الغربية لوضع المشروع الإسلامي حيز التطبيق مهما كانت محدوديته.
وقد ركزت وسائل الإعلام الغربية على قانون الحدود، واعتبرت أن حقوق الإنسان منتهكة خاصة في الجنوب، وإلى جانب الحملة الإعلامية الواسعة، هددت دوائر القرار الغربية بإيقاف المساعدات المالية وغيرها إذا لم يتم التراجع عن النهج الإسلامي واشترطت كذلك ضرب الحركة الإسلامية ورموزها، وانقلب الخطاب الرسمي في السودان نتيجة لهذه الضغوط من تمجيد الشعارات الإسلامية إلى استهداف الإسلاميين الذين أدخل نميري رموزهم السجن.
ومن بين وسائل الضغط على النظام السوداني، تم دعم التمرد الجنوبي الذي انطلق من جديد عام ۱۹۸۳م بقيادة جون قرنق بعد هدنة طويلة إثر اتفاقية أديس أبابا عام ۱۹۷۲م بين نميري وحركة التمرد في مرحلتها الأولى، وقام الإعلام الغربي بتوظيف عودة الحرب في الجنوب بربطها بتطبيق الشريعة الذي بدأ في نفس السنة من شهر سبتمبر «أيلول». لكن المتتبعين لتطور الأوضاع في السودان يعرفون أن عودة الحرب إلى الجنوب كانت بسبب تراجع نميري عن سياسته الجنوبية المتمثلة في إسناد جانب من السلطة إلى كيان جنوبي تحت إطار حكم ذاتي في ظل لا مركزية بقيت صورية لأن نزعة التسلط لازمت نميري، وقد لاحظ نميري تصاعد قوة قبيلة الدنكا التي ينتمي إليها قرنق المتمرد وتحدث بعض الملاحظين عن بروز ما يسمى بـ Kinkratie وترجم ذلك في نزعة التفوق السلطوية لدى هذه القبيلة على قبيلة الشلك التي ينتمي إليها رياك مشار المنشق عن الحركة الشعبية لتحرير السودان بقيادة قرنق.
اهتمام أمريكي بالسودان:
ومنذ الحكم العسكري النميري بدأ الاهتمام الأمريكي بالسودان، ويعود ذلك إلى عدة عوامل منها ما يتعلق بالسياسة السودانية الداخلية وخاصة حساسية نميري إلى كل ما هو شيوعي مرتبط بالاتحاد السوفييتي سابقًا بعد الانقلاب الشيوعي ضده عام ۱۹۷۱م. والذي نجم عنه تحول إيديولوجي رسمي نحو الغرب الرأسمالي وقد وضعت الولايات المتحدة انفتاح النظام السوداني في عهد نميري على الغرب لكي تجعل حدًّا لعزلتها عن العالم العربي بعد حرب عام ١٩٦٧م ولكي تربط علاقاتها الدبلوماسية من جديد مع العواصم العربية.
ويتزامن هذا التوجه مع خطة أمريكية إستراتيجية في القارة السمراء تقضي بمنافسة. التواجد الإنجليزي في إفريقيا الأنجلوفونية والتواجد الفرنسي في إفريقيا الفرنكفونية وقام وفد أمريكي بزيارة إلى السودان عام ١٩٧٧م في إطار السياسة الأمريكية الإفريقية الجديدة واختارت الإدارة الأمريكية ثلاث دول نيجيريا، وتنزانيا، والسودان التي وصفها بونغ بـ «مراكز الثقل» في إفريقيا جنوب الصحراء، وأكدت خطة كارتر عام ۱۹۷۹م هذه الخطة، واعتبرت الإدارة الأمريكية أنه لا يمكن التعويل على أنظمة مهزوزة بعد سقوط شاه إيران، وأنه على الولايات المتحدة التدخل مباشرة لتحمي مصالحها «الحيوية» وبناء عليه تم إنشاء قوة تدخل سريع والبحث عن قواعد عسكرية في كل من كينيا، والصومال، ومصر، وعمان، والسودان.
صراع ذو أبعاد حضارية:
وتعتبر مصادر الطاقة إحدى الركائز الأساسية الإستراتيجية الأمريكية والغربية عمومًا في المنطقة، وقد كان لاكتشاف النفط في منطقة القرن الإفريقي وفي السودان «جنوبه بالتحديد»، دور فاعل في تضاعف الاهتمام الغربي بالمنطقة، واستطاعت العديد من الشركات الحصول على عقود هامة لاستخراج النفط في السودان بالإضافة إلى الاستثمار في قطاعات اقتصادية عديدة مثل النسيج والنقل، وبحجم توسع المصالح الغربية في المنطقة بقدر حساسيتها لكل المشاريع السياسية ذات النفس التحرري من التبعية الغربية.
في هذا الإطار تتنزل السياسة الغربية - الأمريكية تجاه السودان في عهد البشير، فمنذ أن اتضحت التوجهات الإسلامية للنظام السوداني الحالي الذي وصل إلى الحكم عن طريق انقلاب عسكري عام ۱۹۸۹م، بدأت محاصرة الخرطوم بكل الوسائل، كان أهمها الحرب النفسية عن طريق الحملات الإعلامية المتواصلة والمتصاعدة حول نفس القضايا القديمة الجديدة، وملف حقوق الإنسان وانتهاك حقوق الأقليات خاصة في الجنوب، مع الفارق الكبير المتعلق بالتطورات الدولية وقيام نظام دولي جديد أحادي القطبية وهيمنة أمريكا على القرار في العالم.
وقد جاء المشروع السوداني الجديد لنظام البشير مناقضًا للتوجهات الأمريكية وللنظام الدولي الجديد، فكان لابد أن يحدث التناقض يومًا ما إلى الصدام الجزئي أو الشامل، وبالطبع استغلت الجهات الغربية فتح السودان أراضيه لكل العرب للدخول بدون تأشيرة لاتهامه بكل النعوت ومنها على وجه الخصوص «بالإرهاب»، وباحتضان عناصر «إرهابية» إشارة إلى اللاجئين السياسيين من الإسلاميين الذين يتعرضون للاضطهاد في بلدانهم، وتحت الضغوط العديدة تراجع السودان عن سياسة الحدود المفتوحة لكنه بقي مُصِرًّا على سياسة استقلالية القرار السوداني عن التبعية للغرب، وبالطبع فإن مثل هذا الإصرار كلف وسيكلف النظام السوداني الحالي متاعب من الغرب ومن جيرانه.
ولعل الأزمة الأخيرة في علاقة السودان مع محيطة الإفريقي دليل قاطع على أن الحملة على السودان تجاوزت الحملة الدعائية الإعلامية والتهديدات إلى الصدام عن طريق تحريك أطراف داخلية وخارجية لقلب نظام الحكم، ويلعب النظام الإريتري ذي العلاقات القوية مع إسرائيل وكذلك النظام الإثيوبي الدور الأساسي في تنشيط المعارضة المدنية والمسلحة على نظام البشير خاصة بعد صعود الترابي إلى رئاسة البرلمان بعد ان كان أمينًا عامًا للمؤتمر الشعبي العربي - الإسلامي، ويعتبر نظام أسياس أفورقي رأس الحربة في إعادة تشكيل نظام إقليمي يخدم المصالح القومية الإسرائيلية في منطقة القرن الإفريقي، فبعد أن تسبب النظام الإريتري في أزمة كبيرة مع اليمن اتجهت سهامه منذ سنوات إلى الخرطوم، فكيف تتحول دولة صغيرة حديثة عهد بالاستقلال عن دولة كبيرة ذات تاريخ قديم مثل الحبشة للقيام بتهديد بلد مثل السودان أكبر الدول الإفريقية من حيث المساحة، ووقفت إلى جانب الإريتريين حتى نالوا استقلالهم المسألة أعمق من خلافات بين نظامين وتتعداه إلى إستراتيجية أمريكية بالتحديد لمنع السودان من القيام بدوره الحضاري في نشر الإسلام جنوب الصحراء، فالرهان حضاري بغض النظر عن طبيعة النظام القائم في السودان والتحديات تتجاوز السودان كبلد إلى الأمة الإسلامية ككيان حضاري بإمكانه أن يلعب دورًا فعالًا في إقامة توازن بين مختلف الكيانات السياسية - الثقافية في العالم بشكل يضع حدًّا لحالة الهيمنة الأمريكية في الوقت الحاضر.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل