; الدولة المظلومة والخليفة المفتري عليه | مجلة المجتمع

العنوان الدولة المظلومة والخليفة المفتري عليه

الكاتب الأستاذ الدكتور جابر قميحة

تاريخ النشر الثلاثاء 11-يونيو-1974

مشاهدات 84

نشر في العدد 204

نشر في الصفحة 46

الثلاثاء 11-يونيو-1974

الدولة المظلومة والخليفة المفتري عليه تقديم ما برحنا نؤكد مرة بعد مرة أن تاريخنا الإسلامي، قديمه وحديثه، قد زوره أعداؤه تزويرا قبيحا أوهم الناشئة الإسلامية في كثير من الأحيان، وأخرجهم إلى اعتقاد السوء تجاه كثير من ثقات الخلفاء وأبطال الأمة. ولأن مطامع اليهود لم يتم تحقيقها، ولم يصلوا المدينة والنيل والفرات، فإنهم ركزوا على مهاجمة كل من وقف في طريقهم وقاومهم من قبل، إرهابًا لغيره، وتحذيرًا للحاضرين من أن يعرقلوا سيرهم إلى نهاية أمالهم. ومن هذا المنطلق كان ما نراه من تشويه حقيقة السلطان عبد الحميد ورميه بالاستبداد وسفك الدماء، عقوبة له منهم، قبحهم الله وأعزه، إزاء رفضه هجرتهم إلى فلسطين. ولذلك شعرت بواجبي من قبل فنافحت عنه، وذببت، في أربعة مقالات متتالية نشرتها في مجلة المجتمع الغراء خلال رمضان الفائت، بعد أن قدمت لها بمقالة رائعة للأستاذ المؤرخ محمد جميل بيهم كان قد نشرها من قبل في مجلة الأسبوع العربي، وطفقت أرقب كل بحث منصف حول السلطان لأعيد نشره في مجلة المجتمع، تعميمًا للفائدة. واليوم نقدم للقراء هذه المقالة الصريحة المدعمة بالمصادر، بقلم الأستاذ جابر المتولي قميحة، بارك الله فيه وشكر له نطقه بالحق، مستلة من العدد ۱۸۱ من مجلة «الرائد» الصادرة عن جمعية المعلمين الكويتية، المؤرخ ۲۳ مايو «أيار» ١٩٧٤، راجيًا أن تكون الحقائق المذكورة خلالها حجبا بينة في محاورات دعاة الإسلام مع الواهمين الذين غشتهم دعايات اليهود.  محمد أحمد الراشد  الأكذوبة بقلم جابر قميحة مسخ تلده الضمائر المنكوسة.... وتتلقفها أحضان الأسماع لتروجها الألسنة الببغائية... ثم تلبس الأكذوبة ثوبًا من الرواء.  وينمو الوليد ابن السفاح ... ويتسرب إلى بطون التاريخ وأقلام الرواة مسلمة من المسلمات ... وبديهية من البديهيات … ينقلها الأساتذة الكبار إلى عقول الناشئة والناس كحقائق لا تقبل الجدل … وآه لو عادوا إلى المنشأ والنسب لعلموا أن «المسلمة المطلقة» والحقيقة الباهرة أكذوبة ولدت سفاحًا في ليل منكر بهيم. أقول هذا لأن كتبنا ما زالت حتى الآن تصور «الخلافة العثمانية» نكبة على الإسلام والعرب والمسلمين.. وترد أسباب التخلف العربي إلى الدولة التركية، وتجعل من السلطان عبد الحميد طاغية دموي الطبع منهوم الضمير. فهل كانت الخلافة العثمانية في الوطن العربي استعمارًا همه احتلال الأرض ونهب الثروة وفرض السيطرة وضرب المشاعر؟ هل كان عبد الحميد حقًا «سفاحًا» ساديًا يتلذذ باللون الأحمر كما وصفته الكتب الغربية التي تأثر بها كثير من كتاب العرب؟ لقد سيطرت الدولة العثمانية على الشرق العربي بدوله المختلفة قرابة أربعة قرون «١٥١٤-١٩١٤»، واستطاعت الدولة - التي كانت تجسيدًا للخلافة الإسلامية - أن تثبت أقدامها في الوطن العربي طيلة هذه القرون، وإن اختلف هذا النفوذ من قطر إلى قطر، ولكنه كان اختلافًا في الدرجة ولم يكن اختلافًا في النوع. وحتى نستطيع أن نخلص إلى حكم صحيح وسديد دون أن ننساق انسياقًا أعمى وراء الأكاذيب التي لبست ثوب الحقائق، يجب -إنصافًا وأمانة- أن نقف -بفكر مجرد من الهوى والعشوائية- عند الملاحظات الأربع الآتية: - الملاحظة الأولى أن الخلافة العثمانية استطاعت أن تدافع عن الشرق العربي ضد الاستعمار الأوروبي، وأن توقف المد الصليبي الغربي طيلة أربعة قرون، فقد كان من اللازم أن يتحول الوطن الإسلامي كله إلى قوة عسكرية هائلة لتواجه الموجة الصليبية العاتية التي أخذت تتجمع وتتكثف بعد نهضة الشعوب الأوروبية، وبداية الكشوف الاستعمارية. في وقت تعالت الأصوات فيه مطالبة باستعادة بيت المقدس، بل إن أحد القادة الغربيين نادى بضرورة الزحف إلى مدينة الرسول ونبش قبر محمد ووضع عظامه -كأثر تاريخي- بمتحف اللوفر بفرنسا. صحيح أن الدولة العثمانية لم تستطع أن توقف هذا المد إلى النهاية. ومع ذلك يبقى لها فضل الصمود المشرف، وإلحاق هزائم منكرة بالدول الأوروبية الصليبية مجتمعة، تعد نقاطًا وضيئة في سجل التاريخ الإسلامي، ومن ثم أخرت الاستعمار الغربي، وأعاقت تقدمه نحو الوطن العربي، وإن لم توقفه إلى الأبد. الملاحظة الثانية أن البلاد العربية والإسلامية لم تكن تنظر إلى الدولة العثمانية كدولة استعمارية متسلطة، كما كانت تنظر فيما بعد إلى فرنسا وإنجلترا وإسبانيا، بل كانت تنظر إلى الخلافة التركية كضرورة يجب أن تظل وتبقى في مواجهة عالم غربي صليبي منهوم، وثمة أدلة كثيرة تؤيد هذه النظرة، منها على سبيل التمثيل: - ١- الجزائر قد دخلت باختيارها في الدولة العثمانية وكذلك أمراء لبنان وشريف مكة.  ۲- إن أهل المغرب قد رفضوا أن يجندوا في جيش المماليك لمقاتلة السلطان سليم، لأنهم على حد قولهم لا يقاتلون إلا الفرنج أعداء الإسلام . ٣- أن العرب والمسلمين من جميع الأجناس اشتركوا اشتراكًا فعليًا مع الأتراك في حروبهم المختلفة. فإذا ما ظهرت نذر الحرب بين تركيا وروسيا مثلا رأينا الإمداد - كما يقول الدكتور محمد حسین «تنهال على تركيا بالمؤن والرجال من سائر الأقطار الإسلامية، وينبث الدعاة في كل مكان يحرضون الناس على الدفاع عن الإسلام حتى تبلغ دعوتهم الهند والصين». ٤- وقد كان التعاطف الوجداني مع الدولة العلية -كرمز للخلافة الإسلامية- واضحًا قويًا، فالنزعة الإسلامية كانت غالبة على العصبية الجنسية والرابطة القومية، وبخاصة في مصر، ولذلك لم يجد المصريون غضاضة في الاعتراف بسلطة الخليفة التركي، وحين ثار عرابي على فساد أساليب الحكم في مصر، وعلى تغلغل النفوذ الأجنبي فيها لم يخطر بباله أن يخلع طاعة الخليفة أو يخرج عليه، فهو يعرض خطواته مستمدًا منه السلطة والبركة في كل ما يفعل. ومن ناحية أخرى كانت المنشورات التي كان الخديوي توفيق يصدرها تستعين على تنفير الناس من عرابي بتصويره خارجًا على الخلافة، عاصيًا أو أمر أمير المؤمنين..  وزعماء الوطنية المصرية الذين لا يشك في إخلاصهم، والذين كافحوا وعانوا في سبيل القضية المصرية كانوا يبدون دائمًا ولاءهم الخالص لخليفة المسلمين عبد الحميد، فمصطفى كامل كان يرى فيه «أعظم سلطان جلس على أريكة آل عثمان، ووجه عنايته لأبطال مساعي الدخلاء، وتطهير الدولة من وجودهم» بل كان يرى أن بقاء الدولة العلية ضروري «للنوع البشري ، وأن في بقاء سلطانها سلامة أمم الغرب وأمم الشرق» وكان محمد فريد خليفة مصطفى كامل متفقًا معه في أن مؤازرة مصر لتركيا هو السبيل الأمثل إلى مناهضة المستعمرين.  والذي يطالع أدب هذه الفترة -وبخاصة الشعر- يؤمن بأن نظرة العرب إلى تركيا والخليفة العثماني كانت نظرة تعاطف ومحبة وتجلة وتعظيم. وقد أنشد شوقي أمير الشعراء خير مطولاته الشعرية في الخليفة التركي وانتصارات الأتراك، ومنها مطولته الملحمية المشهورة التي بلغت مائتين وستين بيتًا، ومطلعها:  بسيفك يعلو الحق والحق أغلب                          وينصر دين الله أيان تضرب الملاحظة الثالثة إن تاريخ هذه الفترة -على الرغم من أنها أقرب العهود إلى عصرنا الحديث- لم يكتب كتابة دقيقة شاملة وافية حتى الآن، فما زالت هناك خفايا لم يكشف عنها النقاب، وما زالت هناك مواقف تحتاج إلى تفسير، وشخصيات تفتقر إلى استجلاء.  فالغربيون الذين كتبوا تاريخ هذا العصر أعماهم التعصب عن ذكر كثير من الحقائق، أو تشويهها. وإنساق كثير من كتاب العرب يتلقفون هذه الافتراءات دون تبصر أو تمحيص ويطلقونها كالمسلمات أو الأمثلة السائرة. إلا أن بعض الركام النكد بدأ ينهار فيكشف عن كثير من الحقائق المجهولة، أو التي شاء أعداء الإسلام والعرب أن تظل مجهولة، وهي في مجموعها تصم اليهودية العالمية التي كانت تعمل على تقويض الخلافة العثمانية طبقا لمخطط مرسوم. فأيسر ما يقال في هذا المقام أن تاريخ هذا العصر في حاجة إلى «إعادة نظر» ليكتب من جديد بدقة وتعمق، في ضوء ما أسفرت وتسفر عنه الأيام من أدوار خبيثة لعبتها الصهيونية العالمية، قليل منها على سبيل الجهر والعلانية، وأغلبها أدى بمهارة فائقة خفية في الظلام من وراء الكواليس. وقد يؤيد ما ذهبنا إليه أن الجمعيات والتنظيمات التركية التي ضمت العناصر المناهضة للسلطان عبد الحميد نشأت في سالونيك «مقدونيا» وكان نصف سكانها تقريبا من اليهود، كما كانت هذه المنطقة تزخر بالقوميات البلقانية، وكانت أكثر اتصالا بالعالم الأوروبي. ومن هذه الجمعيات جمعية «الوطن» التي أسسها مصطفى كمال «أتاتورك» سنة ١٩٠٦، ثم سماها «الوطن والحرية». ومنها «الجمعية العثمانية» التي كان يتزعمها أنور ونيازي. وقد ثبت بالوثائق الدامغة أن هناك علاقة قوية بين حركة تركيا الفتاة والماسونية، والصلة بين المحافل الماسونية واليهودية العالمية معروفة ثابتة، وكان في مقدمة الوفد الرباعي الذي تقدم للسلطان عبد الحميد حاملًا وثيقة العزل: المحامي اليهودي الصهيوني عمانويل کاراسوافتوس، وهو أحد قادة الحركة الماسونية فـي سالونيك. وقد حاول اليهود بشتى الوسائل وبكل ما لهم من ثقل عالمي أن يدخلوا إلى فلسطين ولو عددًا محدودًا من اليهود، وأن يتملكوا بعض الأراضي، ولكن السلطان عبد الحميد رفض في قوة كل هذه المحاولات،  وأخذ «هرتزل» يتردد على الآستانة ما بين سنة ۱۸۹۷، ۱۹۰۲ ليقنع السلطان عبد الحميد بفكرة الاستيطان الجزئي لبعض اليهود في فلسطين ومنحهم بعض أرضها مقابل مبلغ ضخم من المال تفرج به الدولة ضائقتها المالية، ولكن عبد الحميد السلطان المسلم رفض في آباء كل عروض الصهيوني الخبيث. وكتب «هرتزل» في يومياته ... «بعث إلى السلطان خطابا يقول فيه: بلغوا هرتزل ألا يبذل بعد اليوم محاولة في هذا السبيل، فإني لست مستعدًا أن أتخلى عن شبر واحد من هذه البلاد لتذهب إلى غير أهلها.  فالبلاد ليست ملكي، بل هي ملك شعبي الذي روى أرضها بدمائه، وليحتفظ اليهود بملايينهم الذهبية»..  ومن هنا نستطيع أن ندرك في يسر سر التنظيمات التي قامت تناهض الخلافة والسلطان، وسر حرص اليهود على عزل عبد الحميد. ونستطيع أن ندرك كذلك سر هذه الصورة المشوهة التي رسمتها الصليبية والصهيونية للسلطان التركي حين شوهوا سمعته فيما كتب عنه فهو - من وجهة نظرهم: زير نساء ومبذر وسفاح ومتعصب .... إلخ. ولكن التاريخ لم يخل من منصفين ردوا على كثير من هذه المزاعم والمفتريات ومن هؤلاء الكاتب «فمبرى المجري» الذي شهد لعبد الحميد بالتواضع والبعد عن البذخ، وذكر «فمبرى» أنه بحث واستقصى بنفسه كل ما نسب لعبد الحميد من نقائص فوجد أن كل ما سمعه اختلاق أو مبالغة وغلو. والمؤسف حقًا أن يتأثر كثير من كتاب العرب والمسلمين ما كتبه الغربيون واليهود بروح صليبية وتعصب أعمى، وأن يروجوا -بقصد أو بدون قصد- كثيرًا من الأخطاء والأكاذيب التي تهدف الإساءة إلى الفترات المشرقة في تاريخ الدولة التركية، ومن أمثلة ذلك ما زعمه عبد الرحمن الكواكبي في كتابه «أم القرى» من أن السلطان محمد الفاتح قد اتفق سرًا مع «فردیناند» و «إيزابيلا» على تمكينهما من إزالة ملك «بني الأحمر» آخر أمراء الدولة العربية في الأندلس، ورضي بما جرى على خمسة ملايين من المسلمين من التقتيل والإكراه على التنصر، فشغل أساطيل أفريقيا عن نجدة المسلمين، وذلك في مقابل ما قامت به روما من خذلان للإمبراطورية الشرقية عند مهاجمته مقدونيا ثم القسطنطينية. ولو كلف الكواكبي نفسه قليلًا من عناء البحث والتمحيص لعلم أن «محمد الفاتح» استولى على القسطنطينية عام ١٤٥٣، وأن فرديناند، وإيزابيلا لم يعتليا عرش إسبانيا إلا عام ١٤٧٩، وقد توفي محمد الفاتح سنة ١٤٨١، ومملكة غرناطة الإسلامية لا تزال قائمة، ولم تسقط في يد فردیناند وإيزابيلا إلا سنة ١٤٩٢، ولم يتعرض مسلمو الأندلس للتقتيل والتنصير إلا بعد ذلك ببضعة أعوام. وكل هذه الحقائق تنفى عن محمد الفاتح تهمة هذا التواطؤ المزعوم. وأخيرًا: الملاحظة الرابعة إن سقوط الخلافة العثمانية كان نتيجة لمجموعة من الأسباب الخارجية والداخلية تضافرت جميعها.. وبتخطيط مدروس، فكانت هذه الأسباب أقوى من أن تصمد أمامها دولة.. أية دولة، فقد استطاعت أوروبا الصليبية والصهيونية العالمية أن تصنع لها عملاء من الداخل: عربًا وأتراكًا ويهودًا، واستغل أعداء الدولة سوء الإدارة في بعض الولايات وغباء السياسة عند بعض الولاة الأتراك فاتخذوا كل ذلك -بعد أن جسموه وبالغوا فيه- ذريعة للانقضاض الذي انتهى بتصفية الخلافة وتوزيع تركة «الرجل المريض». ولكن تركيا وهي في أضعف مواقفها، وفي أواخر أيام «الرجل المريض» كما يحلو للغربيين أن يطلقوا. أقول إن تركيا حتى في هذه الفترة كانت لها شخصيتها الشامخة واستقلالها السياسي ولم تكن «تابعة» أو ظلا لدولة أخرى. كما حدث لها بعد «التخلص» من الخلافة على أيدي «الأحرار التقدميين» وشعوب الأمة العربية لم تقاس من «الحكم التركي المتخلف» مثلما عانت وتعاني في ظل «حكومات عربية تقدمية» … والأمثلة معروفة لا تحتاج منا لعرض وتسجيل ... جابر قميحة من المراجع ا - د. محمد حسين: الاتجاهات الوطنية في الأدب المعاصر ۲- د . محمد أنيس: الدولة العثمانية والشرق العربي ٣- د. ماهر حسن فهمي: حركة البعث في الشعر العربي الحديث. ٤- د. محمد زكي عشماوي: الأدب وقيم الحياة المعاصرة 5 - المقتطف عام ١٨٨٩ ٦ -الرسالة « العدد ۱۱۰۱»
الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 2

1639

الثلاثاء 24-مارس-1970

حَديث صَريح للشيخ محمد أبو زهرة

نشر في العدد 1

1417

الثلاثاء 17-مارس-1970

مع القراء

نشر في العدد 2

1441

الثلاثاء 24-مارس-1970

مع القراء 1