العنوان الدولة والدستور.. وتجار الفوضى
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر السبت 01-ديسمبر-2012
مشاهدات 67
نشر في العدد 2029
نشر في الصفحة 22
السبت 01-ديسمبر-2012
- نحن الآن أمام موقف مريب من أطراف كثيرة تهدف إلى هدم الدولة وتعطيل الدستور.. أطراف لم تستوعب انتقال الإسلاميين من موضع الضحية التاريخي إلى السلطة والنفوذ.
- واقع الحال يقول: إن الإسلاميين هم من كفل للثورة الاستمرار حتى سقوط النظام.. وهم من كانت لهم القوة النفسية لمقاومة النظام طيلة سنوات الاستبداد.
- القومية العربية استبعدت كل دور للدين في البناء الثقافي والفكري والنفسي والاجتماعي والاقتصادي والسياسي للفرد والمجتمع.. فأورث ذلك عجزا عند التيار القومي لحل مشکلات الأمة ودفعه إلى نقل حلول من الغرب وهو ما يفسر تحول عدد كبير من القوميين العرب إلى الفكر الماركسي.
- مالك بن نبي: الشرق لا ينهض في غياب الفكرة الدينية.
- الكاتب الأيرلندي «ماليز روتفن» إذا أردنا البحث عن حل سلمي لأمراض العالم فإنه من الجوهري أن نعي دور الدين.
تمر مصر الآن بمرحلة أتصور أنها الأخيرة والأخطر في مرحلة الوصول إلى «الدولة والدستور».. أنجزنا في المطلب الأول نسبة كبيرة وبقدر من الصعوبة، ومازلنا نراوح مواضعنا في المطلب الثاني.
بالقرارات المهمة التي أصدرها الرئيس في ۲۲ نوفمبر الماضي نكون قد قطعنا شوطاً مهما في مسألة استقرار «الدولة» وتحقيق هيبتها؛ وهو ما سيتبعه إن شاء الله استقرار المجتمع».. استقرار الدولة والمجتمع على نحو صحيح شرط من أهم شروط التقدم والإصلاح، وهو ما يعيه الرئيس جيدًا، وتعيه أيضًا جذور «الدولة العميقة» من جهة والأطراف الرافضة لفكرة «الإصلاح الإسلامي» من جهة أخرى.
ورغم الوضوح التاريخي لاستحالة نهوض للشرق في غياب «الفكرة الدينية» كما يقول مالك بن نبي في ميلاد مجتمع وكما تدل كل القراءات التاريخية للحضارات الشرقية وكما يذكر الكاتب الأيرلندي «ماليز روتفن» في كتاب «الأصولية والبحث عن المضمون، الذي يقول: «إننا إذا أردنا البحث عن حل سلمي لأمراض العالم، فإنه من الجوهري أن نعي دور الدين»
ويعيب على فكرة القومية العربية استبعادها للدين من تشكيل الأمة فاستبعدت بذلك كل دور بناء له في البناء الثقافي والفكري والنفسي والاجتماعي والاقتصادي والسياسي للفرد والمجتمع، وأورث ذلك عجزًا عند التيار القومي في طرح مشكلات لحلول الأمة، ودفعه إلى نقل حلول من الغرب؛ وهو ما يفسر تحول عدد كبير من القوميين العرب إلى الفكر الماركسي».
وهو أيضًا ما فهمته الشعوب بفطرتها، بعد سنين الاستبداد التي خاصمت الدين في شخص التيارات الإسلامية واضطهادها فكان أن أتت الشعوب بهم في سدة الحكم ورغم أن الأمر لم يتم على صورته المثلى كما كان يرجو العقلاء خاصة في اتجاه المشاركة الواسعة وترتيب الخطوات على نحو متدرج إلا أن واقع الحال يقول: إننا الآن أمام دولة تتشكل، ودستور يُكتب ومجتمع يتطلع بكل اللهفة إلى الاستقرار والتنمية، ولا يملك أي مصري يحمل في قلبه خفقات الحب والولاء لوطنه وشعبه إلا دعم الخطوات التي تصل بنا إلى «الدولة» و«الدستور».. البوابة الكبرى للنهوض والإصلاح.
نحن الآن أمام موقف مريب من أطراف كثيرة تهدف إلى هدم الدولة وتعطيل الدستور، وهي الأطراف التي لم تستوعب إلى الآن وجود الإسلاميين في الحكم وانتقالهم من موضع الضحية التاريخي إلى موضع السلطة والنفوذ، ورغم أن الثورة التي بهم قد شارك فيها الجميع بقدر أو بآخر، فإن واقع الحال يقول: إنهم هم من كفل لها الاستمرار حتى سقوط النظام، وهم من كانت لهم القوة النفسية لمقاومة النظام طيلة سنوات الاستبداد، ليس هذا وحسب، بل حافظوا على أنفسهم وتماسكهم التنظيمي بصبر جميل، إلى أن كانت الانتخابات والتي ما كان ليكون غيرها لإتمام مرحلة ما بعد الثورة.
فكانوا هم الجهة الوحيدة في المجتمع التي تمتلك كتلة تنظيمية ضخمة، ورصيدًا جماهيريًا كبيرًا من الصبر على السجون والتفاني في العمل الاجتماعي؛ ففازوا في الانتخابات كلها، وبدا للجميع أنهم هم من التقط ثمرة الثورة، وأخرجت تلك النتيجة من نفوس بعض النخب قدرًا كبيرًا من الكراهية المخزونة عبر التاريخ لهذا التيار وهي كراهية تراوحت بين حالة نفور من قصة الدين وتعاليمه إلى حالة غيظ فكري وأيديولوجي، وانصب ذلك كله على الوطن في غمامة الحقد والصراع، لم يستطع هؤلاء المساكين أن يسمو بأنفسهم وبانتمائهم الوطني على تلك الحالة المقيتة وفي نهاية الأمر، يبقى المستقبل أمامنا مفتوحا على كل الاختيارات، ويبقى صندوق الانتخابات هو معيار الحقيقة.
في أربعينيات القرن الماضي، استطاع الأستاذ البنا أن ينفذ إلى قلوب العامة بالبساطة والوضوح واستطاع أن يكون زعيمًا يتبعه مليون رجل، كما قال الراحل إحسان عبدالقدوس في مقالته الشهيرة ب «روزاليوسف»: هذا «الرجل يتبعه مليون رجل».. على الجانب الآخر كان هناك عدد كبير من المفكرين الإسلاميين لا يقلون عنه حبًا وغيرة لدينهم وأنتجوا للفكر الإسلامي ذخائر الإصدارات، فرأينا أحمد أمين صاحب الدراسات الإسلامية العميقة»، ورأينا السنهوري صاحب «الخلافة الإسلامية» و«مصادر الحق في الفقه الإسلامي»، ورأينا العقاد صاحب العبقريات» و«الفلسفة القرآنية» و«الإنسان في القرآن الكريم و«حقائق الإسلام وأباطيل خصومه»، وغيرها من روائع الإسلاميات، ومحمود شاكر صاحب التحقيقات المهولة لعيون التراث.
كان البنا يحمل عقل السياسي وقلب الولي، كما وصفه الشيخ علي طنطاوي - يرحمهما الله تعالى - فما كان منه إلا أن استشعر الخوف على هذه الحركة الكبيرة، فذهب إلى أهل الفكر يدعوهم إلى تحمل المسؤولية معه وخاطبهم في ذلك شخصًا شخصًا، إلا أنهم وقفوا منه موقف الرفض والـصـدود، وعلى الرغم من قبول العقاد لدعوة الأستاذ البنا بكتابة مقال في مجلة «الشهاب» التي كان يصدرها الإخوان، فإنه تراجع فجأة، وقلب موقفه إلى الهجوم المباشر على البنا والإخوان.
لم يكن هذا الصدود منهم إلا حقدًا على الرجل من تنظيمه الجماهيري العريض، ولو قدر للحركة الإسلامية وقتها أن تتفاعل - كما كان يرجو البنا - مع هؤلاء الفطاحل في التجديد الفكري والفقهي لاستفادت عمقًا كبيرًا كان قد عصم مصر من كثير من الأخطاء والأخطار، ورغم ذلك كان البنا ينصح شباب الإخوان بالذهاب إلى صالونات هؤلاء المفكرين وزيارتهم للاستزادة من فكرهم وعلمهم، إلا أن ذلك لم يغن عن وجودهم داخل هذا الكيان الكبير كقيادات رائدة له في المجالات التربوية والفكرية.
لم يكن هذا الموقف إلا موقفًا نفسيًا بامتياز، وهو ما نرى شبيها له هذه الأيام في لم يكن هذا الموقف إلا موقفًا نفسيًا بامتياز، وهو ما نرى شبيها له هذه الأيام مرحلة من أهم المراحل التاريخية التي يمر بها الوطن التفسير النفسي للتاريخ له تطبيقات كثيرة وعديدة في حياة الأمم، لكن أن يصل إلى حد تهديد الوطن بأسره وإحراقه على أهله وناسه فهو ما لا سابقة له في التاريخ.
الأمر يتجاوز قرارات قد تصيب وقد تخطئ، وأمامنا المدى المتطاول نصحح فيه ما بدا لنا خطأ، أو شبيهًا بالخطأ، مع الحرص التام على صون الدولة وهيبتها.
من كان منا لا يرى النائب العام في صورته الحقيقية كخادم للسلطة البائدة؟ استخدم نفسه واستخدم ما شاء له الاستخدام في مطاوعة الفساد والمفسدين وحمايتهم والتستر عليهم.
من كان منا لا يرى في تيار غير قليل داخل القضاء المصري العظيم تم اختراقه وتطويعه، وأن أوان إصلاحه ورده إلى مكانه الصحيح؟ ورأينا في تركيا كيف كان القضاء الذراع الطويلة للعسكر في الفساد والاستبداد.
من منا لا يتمنى وجود مؤسسة منتخبة من الشعب في هذه المرحلة تمارس دورها - على ضعفه وقلته - إلى جانب باقي المؤسسات، وأقصد مجلس الشورى؟
من منا لا يتمنى إتمام التأسيسية» - على ما بها - لمشروع الدستور وإصداره، وفي النهاية هو ليس كتابًا مقدسًا لا يجوز المساس بنصوصه نعدل فيه وفق ما يتراءى لنا من تقدير؟
إلى جانب ذلك، قد تكون باقي القوانين المتعلقة بتحصين قرارات الرئيس مما يستدعي مراجعته ومناقشته.
ألا نستطيع تجاوز أحقادنا وحساباتنا لندخل في كتلة تاريخية» تصنع لنا وطنًا عظيمًا، وتحمي الاختلاف في صلب الوحدة والتماسك؟
أليس من حقنا التشكك في نوايا ودوافع «تجار الفوضى» هؤلاء؟