; الدول الصناعية السبع.. موسكو من «الخطر»... إلى «الاستجداء» | مجلة المجتمع

العنوان الدول الصناعية السبع.. موسكو من «الخطر»... إلى «الاستجداء»

الكاتب أسعد طه

تاريخ النشر الثلاثاء 24-يوليو-1990

مشاهدات 52

نشر في العدد 975

نشر في الصفحة 23

الثلاثاء 24-يوليو-1990

  • مارشال جديد.. هذه المرة للدب الروسي.

    الصحف الألمانية.. جوربي يضحك.. كول يدفع.

    الرئيس الأمريكي يفرض شروط المساعدة.

    والرئيس الكوبي: إنها دورة غطرسة.

    مساعدة الكتلة الشرقية.. هل تكون على حساب العالم الثالث؟قضية الشرق الأوسط.. على هامش المؤتمر.

    كول وزعامة ألمانيا الموحدة.

    مولروني رئيس وزراء كندا.

    ميتران: يجب ألا ننسى دول العالم الثالث.

    بوش.. إملاء الشروط.

    لقد كانت بحق قمة الدهشة! عظماء الدنيا السبع يلتقون في تكساس شاهرين قراراتهم وتوصياتهم، مهمومين برسم خارطة اقتصادية جديدة للعالم كله. فجأة، يطل عليهم وجه (جوربي) الشاحب. هذه المرة أتى من خانة (الاستجداء) بعد أن غادر - ربما إلى الأبد - خانة (الخطر). وجماهيره التي لم تُشبعها البريسترويكا خرجت تدق أبواب الكرملين مطالبة بالخبز والتعددية، طامعة في أن توقف بأي ثمن اندفاع بلادها نحو (قوة من الدرجة الثانية)، مفضلة أن ينحني جورباتشوف طالبًا النجدة والمعونة عبر خطاب الاستغاثة إلى قمة الأغنياء.

    وقمة الأغنياء تشهد خلافًا أمريكيًا - أوروبيًا، ليس كما هو في المرة السابقة حول قضية الديون المتراكمة على الدول النامية، بل عن المعونة الطارئة - المشروطة - للدب الأحمر العجوز. إنه الغرب الذي لا يقنع إلا بمزيد من التنازلات.

    الغرب الذي يريد لموسكو أن تسقط كل أعلام ماركس ولينين دفعة واحدة، لتصبح رأسمالية ربما أكثر منه! وعلى الجانب الآخر يقف (العالم الثالث) مشدوهًا إلى القمة، يحمل على عاتقه دينًا بمقدار 1.2 تريليون دولار، يرنو إلى جورباتشوف وهو يزاحمه مصدر معوناته وقروضه ومعاناته. لقد كانت بحق (قمة)... فهل كانت من أجل موسكو؟


    ما قبل القمة

    ظهر الأربعاء السادس والعشرين من يونيو (حزيران) 1990 أنهت المجموعة الاقتصادية الأوروبية اجتماعاتها في دبلن، بعد أن ناقشت الوضع الراهن في أوروبا الشرقية، وقضية توحيد شطري ألمانيا، وموعد بدء المباحثات الحكومية بشأن الوحدة الأوروبية السياسية التي من المفترض أن تبدأ مع عام 1993. وأخيرًا، مسألة تقديم مساعدة اقتصادية للاتحاد السوفياتي التي أيدها بشدة كل من المستشار الألماني هيلموت كول والرئيس الفرنسي ميتران، بينما أعلنت بريطانيا تحفظها الشديد على تقديم أية قروض للاتحاد السوفياتي في هذه المرحلة بالذات. وللخروج من هذه الأزمة، أُعلن عن «الاتفاق المبدئي على تقديم المساعدات» وتم تكليف لجنة بروكسل الأوروبية بإعداد تقريرين يُقدمان لوزراء خارجية الدول الأوروبية خلال اجتماعهم المقبل في روما في أكتوبر (تشرين الأول) القادم.

    التقرير الأول خاص بالوضع الراهن للاقتصاد السوفياتي، والثاني يحدد أولويات الإصلاحات الهيكلية التي يجب أن تُخصص لها المساعدات. عشرة أيام مرت، ويتكرر نفس المشهد، لكن هذه المرة بولاية تكساس الأمريكية عندما التقت الدول الصناعية السبع (الولايات المتحدة الأمريكية - بريطانيا - إيطاليا - اليابان - كندا - ألمانيا - فرنسا) يوم التاسع من يوليو (تموز) وعلى مدى ثلاثة أيام لتتم قمتها السنوية، والتي عقدتها العام الفائت بفرنسا يوم الرابع عشر من يوليو (تموز) 89 متزامنة مع الذكرى المئوية الثانية للثورة الفرنسية، لكن الأحداث كانت هذه المرة أكثر إثارة.

    فقد أرسل جورباتشوف رسالة إلى الرئيس الأمريكي جورج بوش في الأسبوع الذي سبق القمة يناشده فيها أن يُسهم زعماء الدول الصناعية السبع الكبرى في إنقاذ برنامجه الإصلاحي، بما يعني أنه طلب مباشر وعاجل لاستقبال معونات الغرب لإنقاذ بلاده، وبما يعني من جانب آخر أن ثورة 1917 في محنة لم تواجهها في تاريخها من قبل، هذه المحنة التي أراد العالم الاقتصادي المعروف ونائب مؤتمر نواب الشعب أن يجعلها قضية عامة لا تقف فقط في تناوله لتأكيد دور الغرب الذي يجب أن يقوم به، فقد صرح «نيكولاي شميليف»: أن الغرب وعلى ما يبدو يقترب اليوم من الحد الذي بدأ يدرك عنده أن البريسترويكا تدخل أحرج مراحلها، وإن فشلها لن يكون مأساة للاتحاد السوفياتي وحده بل وللعالم بأسره.


    مواقف الأعضاء

    ورغم ذلك فإن قمة الأغنياء شهدت «مناقشات» عنيفة في هذه القضية، وانقسمت مواقف الأعضاء إلى فريقين: باريس وبون كانتا من أشد المتحمسين لقضية المعونة العاجلة للاتحاد السوفياتي، وكان رأيهما في ذلك أن تقديم مثل هذه المعونة سيُشكل أهم العوامل التي تساعد جورباتشوف على المضي قدمًا على طريق التحول، وكذلك على مواجهة الصعوبات والمشاكل التي يعاني منها اليوم سواء الاقتصادية أو انتقادات المحافظين والمتشددين في الحزب وفي الدولة الذين يعارضون سياسته، بل إن سقوط جورباتشوف يعني إجهاض هدف وأمل عمل الغرب من أجله طيلة الأربعين عامًا الماضية.

    ولذلك فقد صرح ميتران (إذا لم نُقرر المساعدة الفورية، فإنني أخشى ألا تكون هناك فرصة). أما ألمانيا الغربية فإن لديها من الأسباب ما يجعلها أن تكون من أشد المتحمسين لقضية المعونة العاجلة، فالمستشار الألماني كول يدرك جيدًا مخاطر فشل المشروع (الجورباتشوفي) على مشروع (ألمانيا العظمى)، ويدرك كذلك أن من مصلحة ألمانيا الغربية التي تدين بوحدتها الوشيكة إلى موقف الاتحاد السوفياتي من الأحداث في أوروبا الشرقية أن تتحمل القسط الأكبر من هذه المساعدات لقاء موافقة موسكو على وجود ألمانيا الموحدة عضوًا في منظمة حلف شمال الأطلسي.

    لذلك فقد صرح كول لدول القمة «أنه يريد قرارًا بشأن المساعدات للاتحاد السوفياتي بحلول شهر ديسمبر»، والتوصل إلى مثل هذا القرار المبكر يتناسب مع إجراء أول انتخابات يتم تنسيقها بين شطري ألمانيا؛ مما يحد من أي اعتراضات لموسكو على عملية (ألمانيا العظمى)؛ ولذلك فقد استبق كول كافة الدول الغربية ومنح موسكو قرضًا فوريًا بمبلغ خمسة مليارات مارك ألماني.


    مشروع مارشال الجديد

    بل إن ألمانيا ترى مع فرنسا أن انتهاء الحرب الباردة، يستلزم (مارشال) آخر لمساعدة الاتحاد السوفياتي ودول أوروبا الشرقية للخلاص من نتائج الحقبة الشيوعية التي ألمّت بها، مستدلين على أهمية ذلك بثمار مشروع مارشال السابق بعد الحرب العالمية الثانية لإعادة إعمار دول أوروبا التي يمثل سقوط الشيوعية أهمها. وتقترح ألمانيا مبلغ خمسة عشر بليون دولار للاتحاد السوفياتي فقط، وهو مبلغ يزيد بليوني دولار عن مشروع مارشال السابق.

    ومن جهة أخرى فإن الفريق المعارض يرى أن الاتحاد السوفياتي لم يقم بعد ببناء المؤسسات التي تؤكد النهج الجديد، والتي تعكس فعليًا ذلك التحول، ويشترطون ربط تقديم هذه المعونات العاجلة بكل خطوة عملية يتخذها الاتحاد السوفياتي على طريق الانتقال إلى النظام - الاقتصادي الحر، أي إلى النظام الرأسمالي.

    فقد صرح وزير الخارجية البريطاني «أن معونات مالية للاتحاد السوفياتي هو من قبيل الحماقة لأن المانح في هذه الحالة يضع نقودًا في جيب مملوء بالثقوب، وعلى السوفيات إصلاح نظامهم أولًا بحيث يصبح هذا النظام مؤهلًا لاستغلال المساعدات بكفاءة». كما صرح وزير المالية البريطاني (جون ميجر) لمحطة أنباء لندن التلفزيونية المستقلة «أن المساعدات المباشرة ستذهب هباء على الأرجح». ولقد كان هذا بالطبع نفس موقف بريطانيا أثناء انعقاد قمة دبلن، حيث كانت ترى أن منح هذه المساعدات سيأتي بأثر عكسي، حيث سيؤدي إلى إبطاء وتيرة الإصلاح الاقتصادي. أما اليابان فقد تضامنت مع الموقف الرافض المشروط، بل ضمت إلى مطالبها قضية إعادة جزر أرخبيل كوريل إليها. الرئيس الأمريكي جورج بوش أخذ يُملي شروطه، فقد صرح «أن استكمال معاهدة جديدة للحد من الأسلحة الاستراتيجية سيكون خطوة في طريق تلبية طلب تقديم مساعدة أمريكية إلى الاتحاد السوفياتي». كما اشترط بوش (تخفيض الإنفاق العسكري السوفياتي، ومساهمة السوفيات في تخفيف الصراعات الإقليمية ووقف المساعدات لما وصفها بالأنظمة المتطرفة) في إشارة إلى كوبا التي ذكرها مباشرة في تصريح صحفي له حين قال: (إنه ليس مستعدًا بعد لمساعدة مالية مباشرة للاتحاد السوفياتي، فالصواريخ السوفياتية لا تزال موجهة إلى المدن الأمريكية، وأن موسكو لا تزال تدعم كوبا بآلاف الملايين من الدولارات). الرئيس الكوبي ذكر معقبًا على ذلك «إنها دورة غطرسة، وإن ربط بوش بين مسألة في هذه الأهمية وبين قضية كوبا يثبت للعالم (هوس) بوش تجاه بلاده».

    ورغم ذلك فإنه يبدو أن هذا الموقف هو موقف (أمريكا) كلها وليس بوش وحده، فـمارتن فيلد شتاين الرئيس السابق لمجلس المستشارين الاقتصاديين في البيت الأبيض الأمريكي اقترح نظرية المقايضة كبديل، وذلك أن يتلقى الاتحاد السوفياتي سلعًا استهلاكية وتكنولوجيا متعلقة بإنتاج هذه السلع مقابل خفض إنفاقه العسكري وقدراته المسلحة خاصة القدرة على شن هجوم فوري. كما صرح وزير الدفاع الأمريكي (ديك تشيني): ماذا يمكن أن يحدث للاتحاد السوفياتي ككل إذا ما سقط جورباتشوف وجاء زعيم آخر لحكم الإمبراطورية المنهارة؟ فطالما أن البرهان على جورباتشوف نفسه وليس مؤسسات متشابكة فإن هذا الرهان ضعيف لأن (قوة) جورباتشوف ليست بالمستوى الذي كان يتوقعه قادة الغرب.


    الموقف الختامي

    كان على مؤتمر القمة أن يصل إلى صيغة نهائية تمثل الخط الوسطي. وقد حاول ذلك عبر محاور ثلاث: المحور الأول: ربط البيان الختامي بين إجراء إصلاحات اقتصادية وسياسية جذرية في الاتحاد السوفياتي وبين حصوله على معونات غربية. المحور الثاني: قرر إعداد دراسة تستغرق ستة أشهر لاحتياجات الاقتصاد السوفياتي، يشترك فيها صندوق النقد الدولي والبنك الدولي والمؤسسات المالية الأخرى. المحور الثالث: أبقى الباب مفتوحًا أمام كل من الدول السبع لتنظيم سياسات منفردة إلى موسكو.

    ولم ينس البيان أن يذكر أن زعماء الدول الصناعية الكبرى يرغبون في تأييد الاتحاد السوفياتي في جهوده لبناء مجتمع مفتوح وديمقراطية تعددية واقتصاد حر موجه. بالنسبة للمحور الأول: اعتبر مسؤول أمريكي أن القرار كان انتصارًا لموقف الرئيس الأمريكي السلبي حيال المساعدة، والذي يشترط المزيد من التغيير داخل البنية السوفياتية قبل إقرارها.

    أما المحور الثاني، فقد صرح وزير الخزانة الأمريكي (نيكولاي برايدي) أن الدراسة سوف تُجرى تحت إشراف صندوق النقد الدولي والبنك الدولي والبنك الأوروبي للتعمير والتنمية ومنظمة التعاون والتنمية الاقتصادية. وأضاف «أن مشاورات وثيقة مع المجموعة الأوروبية ستصاحب الدراسة التي من المقرر أن تُعلن نتائجها قبل نهاية العام الحالي». وأكد «أن الدراسة ستُجرى منفصلة عن الدراسات التي قررتها المجموعة الأوروبية في دبلن ولكن بالتشاور الوثيق». ورغم ذلك فقد ذكر «أن الدراسة لن تؤدي بالضرورة إلى تقديم مساعدات، ولا أعلم ما الذي ستقود إليه الدراسة». بل إن وزير الخارجية البريطاني دوجلاس هيرد ذكر «أن الأموال وحدها لا تنهي الفوضى». البنك الدولي أثار الشك بشأن المشروع بأكمله، وما إذا كان سيمكنه أن يشارك فيه أو أن يلتزم بالموعد النهائي المقترح لإكماله في ديسمبر القادم. وقال متحدث باسم البنك «إن البنك قد لا يتمكن في إطار قوانينه من الاشتراك في الدراسة» وذكر «أن إجراء دراسة قد يستغرق عامًا على الأقل، وأنها لا يمكن أن تكون أساسًا لمنح مساعدات مالية عاجلة مثلما اقترح بعض زعماء القمة». فهل لم يعد أمام موسكو إلا اللجوء لصندوق النقد الدولي؟!

    المحور الثالث: صيغ مراعاة لظروف (كول)... الذي سارع بعد انتهاء القمة إلى موسكو؛ ليعلن منحها قرضًا جديدًا قدره ثلاثة مليارات دولار، آملًا أن يستمر الاتحاد السوفياتي في مواقفه الإيجابية من قضية الوحدة. وقد خرجت الصحف الألمانية تعلن نبأ الزيارة متصدرة صفحاتها بصورة لجورباتشوف وكول كتبت تحتها «جوربي يضحك ... وكول يدفع».

    ورغم ذلك فإن هذه النقطة بالذات، أعني المساعدات الألمانية للسوفيات، تثير قلق أمريكا. فهي ترى أن ذلك يمكن أن يؤدي إلى قيام علاقة خاصة بين ألمانيا والاتحاد السوفياتي. وقد عبر عن ذلك (يوجين روستو) أستاذ القانون والعلاقات الدبلوماسية في أكاديمية الدفاع القومي ورئيس لجنة الخطر المباشر التي تعمل مع الرئيس الأمريكي حيث قال «ليس هناك في المستقبل سيناريو أكثر خطورة على الولايات المتحدة الأمريكية من أن يتم تحديث الاتحاد السوفياتي في إطار علاقة مشاركة مع ألمانيا الغربية أو مع دول أوروبا الغربية فقط، وليس في إطار علاقة مشاركة مع الدول الصناعية ككل». كما وجه روستو تحذيرًا إلى البيت الأبيض من «خطر قيام صداقة ألمانية - سوفياتية» قائلًا: «إن الولايات المتحدة إذا سمحت بذلك فإنها ترتكب خطأ قاتلًا متجاهلة بذلك كل دروس التاريخ».

    لكن يبدو أن بوش يعي التاريخ جيدًا، فرغم كل الشروط التي فرضها على قضية المساعدات لكنه أبقى الباب (مواربًا)، فقد جاء في تعليقه على البيان الختامي «أنه يؤكد على أهمية تلقي مساعدات تقنية فورية للاتحاد السوفياتي». كما أن صحيفة (نيويورك تايمز) نقلت عن عدد كبير من كبار المسؤولين في البيت الأبيض أن الأمريكيين سيساعدون الاتحاد السوفياتي في إعادة بناء شبكات السكك الحديدية والمواصلات ومخازن الغلال وشبكة توزيع الأغذية). وتعليقًا على البيان الختامي ذكر (جينادي جيراسيموف) المتحدث باسم الخارجية السوفياتية «أن نتائج القمة إنما تمثل إجماعًا من الدول الغربية السبع على تأييد البريسترويكا، وأن الاختلاف في وجهات النظر بين الدول الغربية على مساعدة موسكو هو مجرد اختلاف في التوقيت والأسلوب الذي يجب اتباعه في هذا الشأن».


    فرنسا.. حليفة الفقراء!

    في غمرة هذه الأحداث لم تنس القمة أن تطمئن «العالم الثالث» إلى أن هذا الاهتمام الجاري بقضايا المعونة للاتحاد السوفياتي لن يترك آثارًا سلبية عليها، حيث ذكر بيان القمة أن مساعدة ما كان يطلق عليه المعسكر الشرقي لن تكون على حساب الدول الفقيرة والنامية. ولا بد من القول أن فرنسا تحملت عبء السعي في ذلك، «لأن لديها قناعة بأنه إذا دخلت دول العالم الثالث بما تشهده من أزمات اقتصادية ومالية خانقة في مرحلة اليأس، فإن ذلك سيهدد بمرحلة عدم استقرار خطيرة في العالم أجمع». وربما تكفيرًا لذنبها لسعيها الحثيث لدعم موسكو على وجه العجل.

    على كل حال فقد أجرى ميتران خلال الأيام السابقة للقمة مشاورات دبلوماسية مع عدد من قادة الدول النامية خاصة مصر والهند والسنغال وفنزويلا، وهي الدول التي حثت ميتران خلال ترؤسه مؤتمر القمة للدول الصناعية العام الماضي في باريس على طرح اقتراح بهذا الخصوص على الدول الصناعية الكبرى، والذي لقي حينها تحفظًا شديدًا من الدول الأخرى خاصة الولايات المتحدة التي كانت ترى أنه من الأفضل ممارسة أساليب المفاوضات الثنائية مع كل دولة لأنها تخشى أن يؤدي هذا الاقتراح إلى ما أسمته (تسيس الجهود الرامية لإيجاد حلول لمشاكل العالم الثالث الاقتصادية)! ورغم ذلك فقد ذكرت مصادر الإليزيه أن ميتران سوف يطالب بعقد مؤتمر قمة بين الدول الصناعية ودول العالم الثالث النامية سعيًا لحل قضايا المديونيات. كما طرحت فرنسا خطة لمعالجة قضية الديون الخارجية لدول العالم الثالث، حيث اقترح ميتران أن تختار الحكومات الدائنة واحدًا من ثلاث خيارات، وهي خفض أصول الديون أو خفض سعر الفائدة السنوي أو الجمع بين قروض جديدة كبيرة وإعادة جدولة الديون التي تبلغ - على حد قول مسؤول فرنسي كبير - حوالي 1.2 تريليون دولار منها 150 مليار دولار تقريبًا مستحقة على دول متوسطة الدخل مثل جامايكا والكاميرون وساحل العاج.

    وقد ذكر (أوبير فيدرين) المتحدث باسم ميتران (أن رد الفعل الأولي للخطة الفرنسية الجديدة كان إيجابيًا). ومن جهة أخرى بذلت الدول السبع جهدًا كبيرًا للتوصل إلى اتفاق حول القطاع الزراعي يمنح دول العالم الثالث فرصة أفضل للتنافس في الأسواق العالمية، وبينما أعلنت ألمانيا وفرنسا وبريطانيا أنه تم التوصل إلى اتفاق، أصرت الولايات المتحدة وكندا واليابان وإيطاليا على أن الخلافات لا تزال قائمة.

    وجدير بالذكر أن الدول الكبرى تدفع 245 مليار دولار كل عام لحماية مزارعيها من المنافسة الأجنبية ودعم صادراتها، وترى العديد من الدول الأكثر فقرًا أن إحراز تقدم في موضوع الحد من الدعم لمصالحها الاقتصادية مستقبلًا.

    ورغم حرص فرنسا على قضايا العالم الثالث، إلا أن هناك من يعارض ميتران في قضية مساعدات الاتحاد السوفياتي، فقد اعتبر رئيس الحكومة الفرنسية السابق ورئيس الحركة الديغولية الجديدة جاك شيراك أنه يتعين على فرنسا أن تقدم المساعدة لدول المغرب العربي وأفريقيا «التي تحتاج لمساعدتنا قبل مساعدة الاتحاد السوفياتي». وذكر شيراك في مقابلة مع صحيفة (لوفيجارو): أنه من الأفضل بالنسبة لنا مساعدة المغرب العربي وأفريقيا بدل مساعدة دولة تتحمل أعباء عسكرية هائلة لأننا بذلك نساعد أنفسنا. وقد قصد شيراك بـ (نساعد أنفسنا) ما طرحه يمين فرنسا أيام ثورتها على حجاب العفيفات المسلمات، وما أثير وقتها عن الإجراءات المقترحة لوقف هجرة أبناء المغرب العربي إليها، حيث كان يؤكد اليمين على أهمية مساهمة فرنسا في تطوير البلدان المصدرة للهجرة، ومساعدتها على تجاوز أزمتها الاقتصادية كواحدة من الحلول المطروحة (لفرنسة) فرنسا.


    أزمة الشرق الأوسط!

    وهي القضية التي لا بد من ذكرها في كل المحافل الدولية، التي لم تأت لها قمة الأغنياء بجديد، فقد أعلن وزير الخارجية الأمريكي أن الزعماء ناقشوا أزمة الشرق الأوسط، واتفقوا على ضرورة تحريك (عملية السلام) في المنطقة. وأبلغ وزير الخارجية الأمريكي مؤتمرًا صحفيًا (على هامش) القمة «لقد أعربنا عن الأمل في أن تنتهي دائرة العنف والقمع، وأن يفسح المجال لإجراء حوار مبكر بين إسرائيل والفلسطينيين يؤدي إلى إجراء انتخابات ديمقراطية حرة ومن ثم إلى مفاوضات». كما دعت القمة إلى التوصل إلى اتفاقات لوقف إطلاق النار وتسويات متفاوض عليها تؤدي إلى انتخابات حرة في كمبوديا وأفغانستان وأنجولا. كما أعربت القمة عن القلق إزاء التطورات المتعلقة بقضية كشمير. وانتهت القمة، لتثير من الأسئلة أكثر من تلك التي أجابت عليها.

    ترى، كيف ستكون خارطة العالم الاقتصادية الجديدة خلال الأشهر والسنوات القادمة؟ وهل حقًا ستحتل اليابان وألمانيا العظمى نفس الموقعين اللذين احتلتهما ولسنوات طويلة الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد السوفياتي؟ القمة أعلنت في بيانها الختامي أنها ملتزمة بجعل عقد التسعينيات «عقد الديمقراطية» وأن (فجر عهد جديد قد بزغ في أوروبا).

    نعم، لقد بزغ ولكن لصالح من؟ وعلى حساب من؟ وإلى من سيوجه؟

     

     

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 2

4364

الثلاثاء 24-مارس-1970

فلسطين

نشر في العدد 4

142

الثلاثاء 07-أبريل-1970

الاقتصاد الوضعي في الميزان