; الديمقراطية المرفوضة في السودان | مجلة المجتمع

العنوان الديمقراطية المرفوضة في السودان

الكاتب عبيد الأمين

تاريخ النشر الثلاثاء 22-نوفمبر-1988

مشاهدات 77

نشر في العدد 892

نشر في الصفحة 22

الثلاثاء 22-نوفمبر-1988

* أحزاب اليسار السوداني لا تألو جهدًا في تقويض الديمقراطية إذا سنحت الفرصة!

* تحالف المطففين من الرأسماليين يكره الشعب في الخيار الديمقراطي ويحول الديمقراطية إلى أداة سحق للأغلبية!

عندما أعلن الفريق أول عبد الرحمن سوار الذهب رئيس المجلس العسكري الانتقالي بأن المجلس سوف يتخلى عن السلطة بعد انتهاء الفترة الانتقالية وإجراء الانتخابات العامة، أبدت كثير من الدوائر السياسية تحفظها وعدم قناعتها بذلك كما راهن بعض المراقبين على استحالة مثل تلك الخطوة استنادًا على جريان العرف بافتقاد المصداقية لوعود العسكر في السلطة. وحينما تمت الانتخابات العامة وجاءت الأحزاب وتكونت المؤسسات الديمقراطية استبشرت قطاعات شعبية ورسمية واسعة داخل وخارج السودان بأن جنة الديمقراطية سوف تفيض على السودان بقطوف دانية وفيرة... ولكن... مر عام وبعد عام وطال انتظار البُشرى، وتحولت وعود الديمقراطية وأمانيها المدَّخرة إلى صراعات سياسية بين الأحزاب وجماعات الضغط السياسي، واحتدم القتال في جنوب السودان، وتفاقمت قضايا الناس اليومية من انعدام المؤن، واختفاء سلع ضرورية، وإشكالات أمنية في غرب السودان، ووجود مسلح لبقايا الفصائل المتقاتلة من الثورة التشادية على الحدود السودانية. 

وصاحب هذا تبدل شبه دائم في تشكيلات الحكومة فقد تشكلت الحكومة في ثلاث سنوات ثلاث مرات وبالرغم من وضوح تلك الحيثيات إلا أن الموضوعية تدفعنا إلى عدم مقابلة المشكِل الاقتصادي والأمني بحاكمية الديمقراطية، فالإشكال الأمنِي تولد بناء على تراكمات غائرة الجذور، وكذلك الوضع الاقتصادي، أما الديمقراطية فهي لا تملك حلول سحرية وإنما فقط تساعد في إنضاج الحلول في أجواء صحية كما أنها تشكل إضاءة دائمة لتوعية السبُل في مدى صلاحية التوجهات، ولكن الديمقراطية في السودان ما زالت مرفوضة فما هي دواعي الرفض؟

روافض الداخل 

في البدء تطلعت طوائف اليسار السوداني للاستحواذ على السلطة في المجلس العسكري تحت اسم التجمع الوطني للنقابات والأحزاب السياسية وهي صيغة مكررة من «جبهة الهيئات» التي تولت زمام السلطة عقب نجاح ثورة أكتوبر الشعبية 1964 وتنازل الفريق إبراهيم عبود، ولولا فطنة الفريق أول سوار الذهب لتكررت مأساة جبهة الهيئات فرفض المجلس العسكري الانتقالي تسليم السلطة للتجمُّع النقابي وأصرَّ على إجراء انتخابات حرة... وبذلك ضاعت الفرصة السياسية الوحيدة لطوائف اليسار لعلمها بأن الانتخابات لن تجري بما تشتهي السفن، ومن وقتها بدأت معركة المواجهة مع الديمقراطية وتأكدت المعركة بفوز حزب الأمة والاتجاه الإسلامي والسقوط المُزري لأحزاب اليسار فأحزاب القوميين العرب، الناصريين، حزب البعث العربي الاشتراكي، لم تَحز على مقعد واحد في البرلمان، بل إن مرشحيهم لم يستردوا التأمين الانتخابي «يسترد التأمين الانتخابي للمرشح إذا حصل على 1000 صوت في الدائرة». 

وبعد الهزيمة لجأت طوائف اليسار إلى قاموسها التبريري واصفة الديمقراطية الحزبية بأنها أداة غربية تفرز أنظمة طبقية، وأنها لا تقيم وزنا للقوى الحديثة وبالرغم من أن أكثرها وقع على ميثاق المحافطة على الديمقراطية إلا أنها لن تألوَ جهدًا في الإطاحة بها إذا ما سنحت لها الفرص كما أقدم الحزب الشيوعي السوداني في محاولاته السابقة المتكررة الفشل، فقد شارك في أكثر من ثلاث محاولات ونجح عندما تحالف مع المخلوع جعفر النميري، وكما سعى في الماضي إلى تكوين خلايا له في الجيش السوداني، فإنه الآن يجدد العزم ويحاول منذ خروجه من تحت الأرض أن يخترق القوة العسكرية إلا أن محاولاته تلك لا جدوى منها.. يشارك الحزب الشيوعي في نهجه العسكري أحزاب البعث العربي والحزب الناصري وحزب القوميين العرب، وهي أحزاب بالإعلان فقط على صفحات جرائدها البائرة وليس لها شعبية حقيقية وكما أنها بلا قواعد فهي كذلك بلا قيادات مؤَثِّرة.

روافض الخارج

بلا شك أن نظام الرئيس المخلوع جعفر النميري كان يمثل وضعًا مريحًا لكثير من الدول الغربية في حماية مصالحها، وقد استطاعت تلك الدول تحقيق مكاسب نوعية خلال الـ 16 سنة الماضية سواء في المجال التجاري أو الأمنى أو الإستراتيجي لا سيما أن الولايات المتحدة كانت قد وضعت سودان النميري ضمن قواعد برنامجها الإستراتيجي المعروف - بقوات الانتشار السريع- ومناورات النجم الساطع.... كما أن السودان كان يمثل سوقًا جيدًا لتجارة المصانع القديمة «SECOND HAND» كما هو الحال في مصانع سكر غرب سنار وحجر علاية وغيرها.

وبمجيء النظام الديمقراطي فقدت هذه الدول الوضع المميز الذي احتلته طيلة الأعوام السالفة، بل إنها أصحبت موضع اتِّهام من قِبَل النظام الحالي ولهذا فهي ضد النظام الديمقراطي لا سيما وإن تصفية مصالحها تمت في ظل الديمقراطية، إضافة لأن الديمقراطية السائدة التزمت بنهج يجافِي العلمانية الغربية، وهو بذلك يضاعف من درجة عدائه للغرب. ويشارك الدول الغربية في كراهيتها لديمقراطية الأحزاب السودانية بعض دول الجوار فإثيوبيا لم تكن تتمتع بعلاقة جيدة مع النظام السابق إلا أنها لم تتعاطف مع النظام الديمقراطي الحالي، بل على العكس فهي تحارب النظام الحالي من خلال دعمها اللامحدود للتمرد في جنوب السودان، وكذلك كينيا وتأتي زائير في مرتبة عدائية مساوية تمامًا لإثيوبيا فهي ترفض نظام الخرطوم الديمقراطي، وتعمل ضده بتشجيع التمرد في الجنوب السوداني، وأما بالنسبة لجمهورية مصر العربية فهي وإن كانت لا تُبدي عداء للنظام الديمقراطي إلا أنها كانت تتمتع بعلاقات وطيدة مع نظام المخلوع نميري، كما أن ديمقراطية الأحزاب ألغت ميثاق التكامل وميثاق الدفاع المشترك من جانب واحد، كما أن علاقة النظام الديمقراطي المتنامية مع الجماهيرية الليبية تسبب بعض القلق حول العلاقة السودانية المصرية.

ملابسات الرفض

ويأتي رفض النهج الديمقراطي في السودان عطفًا على نتائج الوضع السياسي والإفرازات السياسية التي تحكمت في مسار العمل في السودان فقد تميز النهج السياسي في السودان بالتوجه الإسلامي لدرجة أن الأحزاب السياسية المختلفة وهي تخوض المعركة الانتخابية كانت تطلق شعارات الدستور الإسلامي وتحكيم شرع الله وترشيد الصحوة الإسلامية وقد زاد في إلزامية هذه الشعارات فوز الاتجاه الإسلامي بأكثر من 20% من أعضاء البرلمان كما فاز حزب الأمة- الصادق المهدي- بـ 40% من مقاعد البرلمان وبذلك تعزز نهج السياسة في توجهها الإسلامي وبروز الاتجاه الإسلامي وحزب الأمة يقلل بالتالي من فرص التبعية الإقليمية والدولية لا سيما وأن الصادق المهدي خيب ظنون الغرب كثيرًا عندما رفض التمسك بعلمانية السياسة وأصَرَّ في المقابل على تأصيل العمل السياسي والاجتماعي والاقتصادي وفقًا لقواعد ومقاصد الشرع. 

وهنا نكأ التوجه الديمقراطي جراحًا قديمة لم تلتئم أغوار بعضها بعد، فالتمسك بالشرع الإسلامي يعنِي تحويل بوابة إفريقيا إلى قلعة جهاد من جديد، وهو ما تخشاه الصليبية في الغرب وتخشاه أذنابها في إثيوبيا وكينيا وتنزانيا وزائير، وهو ما يثير غضب بريطانيا التي أشرفت على قيام الكنائس السودانية في جنوب السودان وابتدعت مشكلة المناطق المغلقة لحماية مخططها في تمسيح الزنوج في الجنوب والذين يمثلون 25% من سكان السودان ويأتي بعد ذلك الجهد المُضنِي حزب الأمة ذو العلاقة الخاصة فيما مضى ببريطانيا ليجعلها هباء تذروه الرياح وتشير السياسة الديمقراطية التي أولت حزب الأمة للقيادة أشجان دولة الجوار الأقرب -مصر- حيث إن بينها وبين سياسات حزب الأمة حساسيات تاريخية، كما أن التوجه الإسلامي قد يصبح مدعاة لتنامي الحركة الإسلامية المصرية.

الديمقراطية المشكلة

لعل الوضع السياسي في السودان بعد فترة الـ 16 سنة من حكم الفرد قد أورث الحياة السياسية نماذج ناقصة النضج إن لم تكن فاقدة النمو أصلًا، فالأحزاب السياسية كانت قبل المرحلة السابقة ذات بِنًى قوية متماسكة وقيادات مقتدرة جذابة إذ إنها في أكثرها جاءت في مرحلة النضال ضد المستعمر ثم إن الوضع الاقتصادي المعقول الذي كان ينعم به السودان ساعد فيما مضى على عدم تكشف المطلوب من خيار الديمقراطية أما وقد افتقدت هذه العناصر فإن الديمقراطية أما وقد افتقدت هذه العناصر فإن الديمقراطية تبحث الآن عن مبررات وجودها في الفكرة السياسية، فليس بين الأحزاب القائمة الكبرى إلا حزبي الأمة والجبهة الإسلامية من يحمل فكرة وبالتالي له برنامج سياسي يطمح في تحقيق بنوده حتى يضمن تقديم أسباب النهضة للسودان. 

ومن جانب آخر فإن  رجل الشارع السوداني الذي عرف فيما مضى بولعه بالسياسة لم يعد هو كذلك فالسياسة لم تعد موضوعه المحبب، كما أن أساليبها الفاسدة لم تعد تستهويه، فقد تحالف الرأسماليون مع سلطة نميري إبَّان الفترة السابقة واستطاع الرأسماليون بذلك أن يجنوا أرباحًا طائلة ومكاسب خيالية وعندما ذهب الرئيس المخلوع جاء التجار المطففون وتحالفوا مع قيادات الأحزاب التي في السلطة وإن  كان الاتجاه الإسلامي لا يقر مثل ذلك النهج الظالم للأكثرية المسحوقة فإن التنافس الحزبي داخل حزب الاتحادي الديمقراطي قد اعتمد نهج تقريب التجار لا سيما وأن نشأة الحزب أصلا ذات جذور ضاربة في مصالح الرأسماليين والتجار وهذا هو مدخل التهديد الواسع للديمقراطية السودانية... عندما تنبنى مؤسساتها على مصالح طبقة تجارية واسعة وفي جانب آخر فإن الإشكالات التي زرعتها الفترة الدكتاتورية السابقة قد هدت أسباب النمو الاقتصادي وحطمت المشاريع الزراعية والصناعية والتحويلية وجعلت الاقتصاد السوداني يعتمد على المنح والقروض مما أفقد الفترة الديمقراطية الحالية كل فرص التملي والتخطيط من أجل تحقيق الخدمات الأساسية ناهيك عن الطموح في تحقيق برامج النهضة، ولهذا فإن أعداء الديمقراطية في الداخل قد يجدون أُذنا صاغية في أن النظام الحزبي فشل في تطوير البلاد، كما أنه فشل فعلًا في حل مشاكل المعاناة اليومية للجماهير.

مساعي الإجهاض

أفرز الوضع السياسي في السودان كمًّا هائلًا من دواخل النفسية السياسية السودانية مما جعل مساعي الدول المتضررة من وجود الديمقراطية تحرص على إجهاض الديمقراطية وهي في ذلك تتخذ عدة مناحي خاصة الدول الغربية فإن مساعيها الإعلامية تجاه السودان وتشويه سمعته والتضييق عليه أصبح أوضح من أن يدلل عليه فالإعلام يضع صورة السودان وكأنها بلاد أنهكها الجوع وتفشت فيها الأمراض وعمَّت فيها الفوضى وافتقدت كل أسباب البقاء ومن جانب آخر فإن الدول الغربية تغلق على السودان منافذ الخلاص تمامًا فهي لا تساعده في خطط التنمية ولا تقرضه إلا بقدر قد يضره ولا ينفعه، وأكثر من ذلك فإنها تزرع له المشاكل، كما هو الحال في جنوب السودان ومساندتها للمتمردين وتسعى الدول الغربية إلى إبراز صور الفوضى في السودان، ولذلك فإنها أحاطت الخرطوم بأحزمة من المخابرات وأجهزة التجسس حتى تزرع ما تريد من عملاء وقد قبضت الحكومة على أكثر من وكالة غربية تمارس التجسس وأساليب الفوضى وصلت إلى جعل السودان منطقة عبور للتجارة الإستراتيجية، كما تم في قضية المتاجرة باليورانيوم ومساعي الإجهاض تتمثل في إشعال فتيل الفتن في السودان وتبني التفسيرات الإقليمية لغرب وشرق السودان زيادة في المناورة على الثقافة الزنجية والتخوف عليها من سيطرة الأغلبية المسلمة، والذي يحول دون اتخاذ خطوات أخرى هو إيمان الغرب والاتجاه المضاد للديمقراطية بأن الأوضاع ما زالت قادرة على الدفاع عن نفسها فهي إذن تتحين الوقت المناسب، فالوقت المناسب بالقطع ليس الآن... لا سيما وأن  الشعب السوداني ما زال يذكر مرارة سنوات الضياع مع نميري.

مستقبل الديمقراطية

الديمقراطية التعددية ليست نظامًا أمثل حاليًا في السودان، فإن الديمقراطية لا تملك حلولا شافية إلا أن الوضع الديمقراطي هو الحل المناسب في ظل افتقاد البديل الناضج... أي أن النظام السياسي كان يمكن أن يبني على التقاليد المجتمعية الإسلامية وهو نظام الشورى الأوسع الذي يحمل كل خيرات النظام الديمقراطي ويتجنب شرورها إلا أن هذا البديل الشوري مفتقد في السودان حاليًا إذ إن الديمقراطية هي تقريبًا سيطرة أحد حزبي الطائفية الصوفية- الأنصار والختمية على الرغم من أن قيادة حزب الآن تعد قيادة سياسية مدركة ذات توجه إسلامي واضح... وبذلك تكون فرص التغيير محدودة نسبيًّا وإن كانت بوادر الأوضاع قد رشحت الجبهة الإسلامية لتلعب دور الشريك  المقاسم في القدرة السياسية لا سيما وأن الاتجاه الإسلامي يمتلك قدرة فائقة في استخدام طاقاته وتوجيهها في المسار المطلوب، كما أن توسعه في القوى الحديثة قد وفر له قدرًا إستراتيجيا في التحكم في مستقبل السياسة السودانية، ومن هنا جاءت القوة المميزة للاتجاه الإسلامي وبهذا فإن مستقبل العمل الحزبي يحدد إمكانية بقاء الديمقراطية وتوعية هذا البقاء وفي تطور الاتجاه الإسلامي والتوجه الإسلامي لحزب الأمة يكمن مصدر الخطر والتقدم، فالخطر بالنسبة للصوت الخارجي والغربي وبتتبع الأحزاب العلمانية والتقدم يتجسد في أن التوجه الإسلامي سوف يفرز في المستقبل وضعًا أصيلًا يمكن أن يعتمد عليه في تقدم وازدهار الحياة في السودان.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 4

159

الثلاثاء 07-أبريل-1970

أحداث السودان

نشر في العدد 8

136

الثلاثاء 05-مايو-1970

صحافة - العدد 8