; الديمقراطية والرؤية الإسلامية | مجلة المجتمع

العنوان الديمقراطية والرؤية الإسلامية

الكاتب خضير جعفر

تاريخ النشر الثلاثاء 28-سبتمبر-1999

مشاهدات 67

نشر في العدد 1369

نشر في الصفحة 66

الثلاثاء 28-سبتمبر-1999

يبدو أن موضة العصر الراهن وموجته تتمثل اليوم في الديمقراطية التي يطرحها المبشرون بها على أنها الحل الأمثل لمعضلات الإنسان ومشكلاته، في حين يشهد الديمقراطيون أنفسهم على أنها «أقل أنظمة الحكم سوءًا»
الإسلاميون إزاء الديمقراطية يتعاملون معها كما تعاملوا مع سابقاتها من المفاهيم الوافدة بحساسية مفرطة، لأن المصطلحات لديهم تخضع قبل استخدامها وتداولها لغربلة دقيقة، خاصة فيما يتعلق بما تخفيه من أبعاد أيديولوجية تمس العقيدة وتلامسها، والديمقراطية واحدة من تلك المصطلحات التي تحمل بُعدًا عقديًا، حيث تفيد ترجمتها اللفظية بأنها «حكم الشعب»، وهو ما يتقاطع وبشكل جلي مع نَص قرآني يقول ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ﴾ (يوسف: 40) وبما لا يبقي مجالًا لاجتهاد مجتهد أو رأيًا لذي رأي إذ «لا إجتهاد في موضع النص»، ومن هنا يأتي تحفظ الإسلاميين على الديمقراطية التي لا تملك كل صناديق الإقتراع أن تمنحها أي شرعية، عندما تتقاطع الأصوات المؤيدة لها مع حكم الله وتشريعه، وهذا ما يرفضه الإسلاميون من الديمقراطية وهم بذلك محقون.
أما لو أريد بالديمقراطية آليات لإدارة الحكم وإختيار الحاكم، فليس فيها ما يتقاطع والرؤية الإسلامية التي تفخر بها التجربة الإسلامية الرائدة عبر تاريخها المشرق الطويل، والذي ظل تزينه مبادئ الشورى وبيعة الأمة للحاكم، وما يعنيه ذلك من الإحتكام لرأي جمهور الأمة ومرجعيته في اختيار الحاكم وآليات الحكم وبرامجه. وإذا ما قامت الديمقراطية المعاصرة على مرتكزات أساسية متمثلة بالحرية والعدالة والمساواة، ففي الإسلام من تشريعات العدالة الاجتماعية وتطبيقاتها ومن مفاهيم المساواة وتجسيداتها، ما تتصاغر أمامه كل ديمقراطيات العالم منذ بدايات نشوئها وإلى آخر مدى لوجودها، مع تحفظ مبرر على أُطر الحرية المطلقة وأبعادها اللامنضبطة بمعايير قيمية وأخلاقية لا تبيح للمستهتر أن يفعل ما يشاء، لأن في ذلك عدوانًا على الحرية نفسها، فالحرية في الإسلام حق مشروع ضبطت إيقاعاته الشريعة ويضمانات تأمين وضعتها على شرفات سقوفها لتقي المجتمعات والحياة من السقوط في وديان الفوضى، وقيعان الفساد والإفساد من هنا كان التعاطي الإسلامي مع الديمقراطية يمثل قمة الوعي في التشخيص لما هو نافع مفيد من آلياتها من جهة، وما هو مناقض الروح الشريعة وقيمتها وأبعادها الأيديولوجية من
جهة أخرى.
ومع أن الديمقراطية لو قُدّر لها أن تسود في جوانب من عالمنا الإسلامي، لوفّرت للإسلاميين أجواء من الحرية ومناخات من العمل الجيد للإسلام، لا يمكن أن توفره لهم إلا الدولة الإسلامية التي ينشدون إقامتها، لكن الديمقراطيين أنفسهم سيعمدون إلى اغتيال الديمقراطية فيما لو أحسوا بأن الإسلاميين سوف يحققون من خلالها فوزهم في الإنتخابات، ولذلك انتكست الديمقراطية وسقط الديمقراطيون في كل من الجزائر وتركيا مرتين: الأولى حينما هزموا في المعركة الانتخابية واللعبة الديمقراطية، والثانية حينما أسقطوا الديمقراطية بانقلابات عسكرية وأحكام عرفية، وكأنهم بذلك يكيلون بمكيالين ويتعاملون مع الإسلاميين وفق معيار قسمة ضيزى، مجسدين بذلك مقولات شوفينية بائدة لكل من مونتسكيو الذي يقول إن الحكومة المستبدة هي أصلح ما يكون للعالم الإسلامي «أنظر روح القوانين ج ۲ ص ۱۷۸»، وجون ستيوارت مل الذي يحجب الحرية  
-وهي أساس الديمقراطية- عن الشعوب التي أسماها متخلفة لأنها برأيه لا تزال مجموعة من القصر «أنظر عن الحرية ص ۷۳»، ولذلك سوف نغرق في أحلام الوهم إذا ما اعتبرنا الديمقراطية ممرًا لعبور الإسلاميين إلى الضفة الأخرى من الواقع السياسي، أو لدخول الكلمة الإسلامية في ميادين التعاطي الأمنة دونما ضرائب واستحقاقات، لأن مصممي الديمقراطية الغربية لا يرون شعوبنا الإسلامية إلا جموعًا بشرية غير مؤهلة للاعتراف لها بحدود أو وجود فضلًا عن حقوق أو حريات أو ديمقراطيات، اللهم إلا تلك التي نعرف نتائجها مسبقًا قبل التصويت، والتي لا تقل حصة الحاكم المعين المصون فيها عن 99,9% من مجموع الأصوات، ومن يرفض ذلك فهو إرهابي يعادي الديمقراطية ولا يحترم الحرية ولا يراعي حقوق الإنسان.

الرابط المختصر :