العنوان رسائل إلى المدخنين (5).. الدين والتدخين
الكاتب أ. د. سمير يونس
تاريخ النشر السبت 08-ديسمبر-2012
مشاهدات 50
نشر في العدد 2030
نشر في الصفحة 56
السبت 08-ديسمبر-2012
أكدت البحوث التربوية والنفسية قوة تأثير المدخل الديني في إقلاع المدخنين عن عادة التدخين مقارنة بالمؤثرات الأخرى، كالأشرار الصحية والمادية وغيرها.
فلقد أشارت إحدى الدراسات العلمية النفسية إلى أن نسبة تأثير معرفة الحكم الشرعي في تغيير الاتجاه نحو التدخين بعد تطبيق أحد المقاييس النفسية على الطلاب هي ٥٢%، وجاءت معرفة الأضرار الصحية في المرتبة الثانية للتأثير في اتجاهات الطلاب بنسبة ٢١٨,٥% والخسارة المادية بنسبة ١١٫٨%.
ومن واقع الفتاوى الخاصة بالتدخين يستطيع أي شخص أن يتأكد حرمة التدخين لا كراهيتها فمعلوم أن التدخين محرم لكونه حيث ويسبب إصرارًا كثيرة، قال عز وجل: ﴿ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ﴾( الأعراف: الآية 157) فهذه الآية دلت - كما قال العلماء وأهل الفتوى على أن الله تعالى أباح لعبادة الطبيبات من المأكولات والمشروبات وحرم عليهم الخبائث ولا يمكن لأحد أن يزعم أن التدخين من الطيبات، فتصنيفه هنا يندرج تحت الخبائث، وينطبق ذلك على جميع أنواع التدخين وصوره، ولكونها جميعها تشتمل على مواد ضارة كما أوضحت سلفًا في مقالاتي السابقة.
ولعل من المفيد هنا أن أشير إلى حرمة تعاطي التدخين على أي كيفية، سواء أكان ذلك شربًا أو مضغًا أو غيرها، ومن ثم فالمبادرة بالإقلاع واجبة، وكذلك الإنابة إلى الله والتوبة النصوح.
كما تجدر الإشارة هنا إلى أن اختلاف الفقهاء القديم عند ظهور التدخين - لم يكن خلافًا في أدلة الأحكام، وإنما كان خلافًا حول ثبوت الضرر من التدخين أم عدم ثبوته، وثبوت الضرر هذا ليس من اختصاص الفقهاء، إنما هو من اختصاص الأطباء، أَوهَا قد أثبت الطب - بما لا يدع مجالا للشك. أضرار التدخين، بل أعلن على علب السجائر وكتبت عبارة التدخين ضار بالصحة، فإن ذلك يؤكد حرمة التدخين لثبوت الضرر ولاتفاق الفقهاء على أن ما ثبت ضرره ثبتت حرمته.
يقول النبي ﷺ: «لا ضرر ولا ضرار»، ومن هنا قطع الطريق على من يشكك في حرمة التدخين، أو يجعله مكروهًا لا محرمًا .
ولتأكيد ما سبق أود أن أسوق بعض الفتاوى الصادرة من أهل العلم والفقه والفتوى عسى أن يقتنع كل مدخن يبلغه كلامي هذا المدعوم بفتاوى الفقهاء.
فتوى دار الإفتاء المصرية:
أصدرت دار الإفتاء المصرية فتوى شرعية بالحرمة القطعية للتدخين، وهي الفتوى الصادرة في الخامس والعشرين من جمادى الأولى عام ١٤٢٠هـ جاء فيها : إن العلم قد قطع في عصرنا الحالي بأضرار استخدامات التبغ على النفس، لما فيه من إسراف وتبذير نهى الله عنهما، والله تعالى يقول: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾ (النساء: الآية 29).
فتوى العلامة الأستاذ الدكتور يوسف القرضاوي:
أصدر الشيخ يوسف القرضاوي فتوى بحرمة التدخين، وذلك في فتوى موسعة وذكر أن علة التحريم أنه خبيث ضار واستشهد بقول النبي : «لا ضرر ولا ضرار»، وقول الله عز وجل: ﴿وَلا تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ ﴾، ومن علل التحريم التي ذكرها د القرضاوي أيضا : الضرر المالي، واستشهد بقوله تعالى: ﴿ وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾(الأعراف: الآية ۳۱)، وذكر أن إنفاق المال على التدخين إنما هو تبديد للمال، وجور على قوت الأولاد، وضرورات الأسرة لإرضاء مزاجه الذي يأسره، وهو مزاج سلبي ضار، وأشار فضيلته إلى التأثير السلبي لآفة التدخين على الضرورات الخمس التي ذكرها الأصوليون وفقهاء الدين وأوجبوا الحرص عليها وعدم الإضرار بها، وهي الدين والنفس والعقل والنسل والمال.
وختم فضيلته فتواه بنصح للمدخنين وخاصة الشباب قال فيه: ونصيحتي للشباب خاصة أن ينزهوا أنفسهم عن الوقوع في هذه الآفة التي تفسد عليهم صحتهم، وتضعف من قوتهم ونضارتهم، ولا يسقطوا فريسة للوهم الذي يخيل إليهم أن التدخين من علامات الرجولة أو استقلال الشخصية.. فمن تورط منهم في ارتكابها يستطيع التحرر منها ى والتغلب عليها، وهو في أول الطريق، قبل أن تتمكن هي منه، وتغلب عليه، ويعسر عليه فيما بعد النجاة من براثها إلا من رحم ربك..
فتوى فضيلة الشيخ ابن باز يرحمه الله تعالى:
قال الشيخ الفقيه العالم عبد العزيز بن باز مفتي المملكة العربية السعودية يرحمه - الله تعالى: «الدخان لا يجوز شربه، ولا بيعه ولا التجارة فيه كالخمر، والواجب على كل من يشربه أو يتاجر فيه التوبة والإنابة إلى الله سبحانه وتعالى، والندم على ما مضى، والعزم على ألا يعود إلى ذلك»..
فتوى فضيلة الشيخ ابن العثيمين يرحمه الله تعالى:
أفتى الشيخ ابن العثيمين، عضو هيئة كبار العلماء بالمملكة العربية السعودية السابق بالفتوى التالية:
شرب الدخان محرم، وكذلك الشيشة والدليل على ذلك قوله تعالى: ﴿مِنْكُمْ وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾ (النساء: الآية 29). ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ ﴾(البقرة : الآية ١٩٥). وقد ثبت في الطب أن تناول هذه الأشياء مضر، ومن ثم فهو حرام، وثم دليل آخر وهو قوله تعالى: ﴿ وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا﴾ (النساء : الآية ٥).
فنهى عن إتيان السفهاء أموالنا، لأنهم يبذرونها ويفسدونها، ولا ريب أن بذل الأموال في شراء الدخان والشيشة تبذيرًا وإفسادًا لها، فيكون منهيًا عنه بدلالة هذه الآية. ومن السنة أن رسول الله ﷺ نهى عن إضاعة المال، وبذله في هذه المشروبات بالشيشة والسجائر، من إضاعة المال.
ولأن النبي ﷺ قال: «لا ضرر ولا ضرار »،وتناول هذه الأشياء موجب للضرر، ولأن هذه الأشياء توجب للإنسان أن يتعلق بها، فإذا فقدها ضاق صدره وضاقت عليه الدنيا. فادخل على نفسه أشياء هو في غنى عنها.
التدخين وإيذاء الغير إذا افترضنا جدلًا - كما يزعم بعض
المدخنين - أن التدخين مكروه وليس محرمًا فماذا يقول المدخنون عن إيذائهم لغيرهم؟ إن بيدع مجالاً الأبحاث الطبية أكدت - بما لا للشاك - أن للتدخين السلبي اثاره الخطيرة فقد أكدت البحوث أن من يدخن يؤذي جاره غير المدخن، قد يصاب بالسكتة المخية والجلطة القلبية والأمراض السرطانية والصدرية، ناهيك عما قد يصيب الأجنة في بطون أمهاتها من جراء فقد المناعة، وضيق التنفس، ونقص النمو، وهشاشة العظام والربو.. إلى غير ذلك من الأمراض التي قد تلازمهم طوال حياتهم، هذا بفرض نجاتهم من الموت في أثناء مولدهم أو عقب الولادة وبسبب تدخين الوالدين أو أحدهما. وقد حرم الله عز وجل إيذاء الغير، فقال سبحانه: ﴿إن الذينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ الله في الدنيا والآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا مُهِينًا (57) والَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِين والمؤمنات بغير ما اكتسبوا فقد احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا ( 58) ﴾ (الأحزاب: الآيات 57 58).
وعن أنس قال: «والله لا يؤمن، والله لا يؤمن، والله لا يؤمن الذي لا يأمن جاره بوائقه» (رواه البخاري).
ويقول ﷺ أيضًا : «من ضار ضار الله به ومن شاق شاق الله عليه» ...
ولا شك في وقوع إضرار المدخن بجاره إضرارًا صحيًا بالغًا، ولذلك أرشدنا رسولنا الكريم إلى إحسان اختيار الجليس، فعن أبي موسى الأشعري و أن النبي ﷺ قال: «إنما مثل الجليس الصالح والجليس السوء كحامل المسك ونافخ الكير، فحامل المسك إما أن يحذيك، وإما أن تبتاع منه، وإما أن تجد منه ريحًا طيبة، ونافخ الكير إما أن يحرق ثيابك وإما أن تجد منه ريحًا خبيثة» (رواه البخاري) وتلحظ في هذا الحديث العظيم تصويرًا دقيقًا لمجالس المدخنين، فكم من جليس للمدخنين أحرقت السيجارة ملابسهم، وكم آذتهم الرائحة الخبيثة للمدخنين، وكم أضر بصدورهم ودمرت أجسامهم وصحتهم، غير أنه لا يفوتني أن أنصف الحداد، فلا أساوي بينه وبين المدخن، فالحداد - وهو نافخ الكير - يفيد ويستفيد بعمله الذي لا بد منه، أما نافخ الدخان فلا خير له في عمله ولا لجليسه، بل الشر محيط محدق بكليهما.
ولعله من المفيد هنا أن أنبه المدخنين إلى بعض الأمور مذكرًا إياهم بها، فأقول لكل مدخن:
- ألم تعلم بأن التدخين يضر بجينات أولادك الوراثية؟
- هل تظن أنهم سينجون من هاوية السقوط بسبب تدخينك، بسبب الوراثة أو التقليد؟
- أو ما كان أحرى بك أن تعطيهم المثل الأعلى والقدوة الصالحة فيقلدونك في أعالي الأعمال لا في أحقرها ؟
- ألم تعلم أن أولادك أمانة وأن الله تعالى سائلك عن هذه الأمانة يوم القيامة؟
ماذا ستقول لربك وقد ضيعت الأمانة؟ وقد علمنا رسولنا الحبيب : «كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته» (رواه البخاري).
ووصف رب العزة المؤمنين بقوله: ﴿ وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ (8)﴾ (المؤمنون: الآية 8 ).
- بم تجيب ولدك إذا سألك: لماذا تدخن يا أبي؟ وهل التدخين سلوك طيب مفيد؟ وهل يجوز لي أن أدخن مثلك؟ وغير ذلك من الأسئلة المحرجة لك، فلماذا تضع نفسك في دائرة الحرج والحيرة وخاصة في زمن أزيلت فيه كثير من الحواجز بين الأجيال.
إني أتصورك - أيها الأب المدخن - أمام إجابات كلها مرة، إما أن تتجمل في إجاباتك وتراوغ وتتحايل وساعتها سيكتشف ولدك أنك مراوغ، فيا لها من كارثة !! وإما أن تكذب عليه لتستر ضعفك وقلة حيلتك، فتدفعه بيدك إلى الوقوع في هاوية الكذب.
وإما أن تصدق معه، فتخبره أن التدخين سلوك سيئ يضر بصاحبه والآخرين، وحينئذ لا أدري كيف تكون نظرة أولادك إليك، ومدى ثقتهم بك؟ وكيف يحترمونك؟
اعلم - أخي الحبيب - أن أولادك يأخذون منك وعنك شئت أم أبيت - عاداتك وسلوكياتك، فإن وقعوا فيما وقعت فيه من تدخين أو عادات ذميمة، وسلوكيات مذمومة ثم استنكرت عليهم ذلك، قالوا كما قال الشاعر:
مشى الطاووس يومًا في اختيال فقلد شكل مشيته بنوه
فقال علام تختالون؟ قالوا: بدأت به ونحن مقلدوه
فخالف مشيك المختار واعدل فإن تعدل فنحن معدلوه
وينشأ ناشئ الفتيان فينا على ما كان عوده أبوه