; الديوانية الكويتية.. ظاهرة قديمة.. لكنّها متطوّرة | مجلة المجتمع

العنوان الديوانية الكويتية.. ظاهرة قديمة.. لكنّها متطوّرة

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 15-يناير-1985

مشاهدات 54

نشر في العدد 700

نشر في الصفحة 13

الثلاثاء 15-يناير-1985

في الساحة المحلية:

الديوانية الكويتية جزء أساسي من شخصية البيت الكويتي اليوم.. ولعل هيئة الإسكان تعلم ذلك أكثر من غيرها لاضطرارها مؤخرًا إلحاق هذا الركن من البيت في كل تصميماتها الآنية والمستقبلية.. والديوانية ليست غرفة استقبال الضيوف.. ولا «صالون» اجتماعي لفئة من المجتمع.. ولا «ناد» أو «قهوة» يلتقي فيها أهل الحي للتسامر والحديث.. الديوانية هي الديوانية.. ظاهرة كويتية بحتة لا يطابقها شيء مثلها.. وهي كل ما ذكر آنفا.. فهي اليوم تستقبل الضيوف ويجتمع فيها الأقران والأصدقاء.. ويتسامرون فيها ويتحدثون في كل ‎شأن ابتداء‏ من زواج فلان من علانة.. وانتهاء بالحد من انتشار الأسلحة النووية..

ولقد كانت الديوانية مكانًا في البيت يتخذ خصيصًا لجلوس الرجال وهو مستقل عن السكن وله باب خارجي خاص به لا يفتح إلا للرجال الذين يلتقون فيها.. كما كانت ترمز اجتماعيًّا- إلى مكانة الأسرة صاحبة الديوانية ومركزها الاجتماعي.. لذا اشتهر التجار ومن دونهم من ميسوري الحال بفتح الدواوين والتي كانوا يتداولون فيها أمور الغوص والسفر والتجارة ورباحها... إلخ.

ومن أوائل المجالس «الديوانيات» في الكويت -كما يذكر صاحب «من هنا بدأت الكويت» السيد عبد الله الحاتم- هو مجلس الحاج عبد النبي بن الحاج معرفي الجد الأكبر لعائلة آل معرفي.. ويرجع تاريخ هذه الديوانية إلى زمن الشيخ جابر آل عبد الله الصباح الأول..

ولعل أشهر ديوانية كويتية -في الماضي- المرحوم «الباشا» خلف النقيب الواقعة في وسط الحي القبلي من البلدة «جبلة» ولعل نوعية الرواد الذين يتوافدون عليها في الصباح والمساء من كل يوم والغايات النبيلة التي كانت تجمعهم سببًا قويًّا لتمتعها بهذه المكانة.. إذ كان الأمراء يتوافدون عليها من أمثال المرحوم الشيخ محمد الصباح إلى المرحوم الشيخ أحمد الجابر.. وكذلك المرحوم الإمام عبد الرحمن الفيصل بن سعود وابنه المرحوم الملك عبد العزيز بن سعود إبان إقامتهم في الكويت.. وعلماء الكويت من أمثال الشيوخ الأفاضل الشنقيطي والفارسي والدحبان والقناعي رحمهم الله جميعًا.. ورجالات الكويت كالمرحوم ناصر البدر والمرحوم حمد الخالد والمرحوم محمد ثنيان الغانم والمرحوم صقر الغانم.‏

  • وبعد ذلك انتشرت الديوانيات في «كويت‏ السور» حتى بلغت ‎٢٥٠‏ ديوانية -كما يذكر المؤرخ سيف مرزوق الشملان في كتبه- وانتشر معظمها على الشاطئ «سيف الكويت».. ففي حي «شرق» على سبيل المثال ديوانية آل معرفي وديوانية المرحوم الشيخ علي بن خليفة الصباح وديوانية المرحوم سالم بوقماز وديوانية الرحوم عبد الرحمن العسعوسي وديوانية المرحوم هلال المطيري وديوانية المرحوم شملان بن علي آل سيف وغيرهم..

وفي حي «جبلة» على سبيل المثال ديوانية المرحوم أحمد عبد المحسن الخرافي وديوانية المرحوم حمد آل عبد الله الصقر وديوانية المرحوم ناصر البدر وغيرهم.. أما «المرقاب»‏ وهي منطقة حديثة على «كويت السور» وصغيرة وسكنها معظم الكويتيين القادمين من نجد والذين تطبعوا بالظاهرة الكويتية «الديوانية» ليفتتحوا مجموعة من الديوانيات التي أخذت شهرتها بعد انحسار «الكويت الغوص».

وكما كانت الديوانية قديمًا مكانًا للالتقاء والتسامر فإنها كذلك كانت موضعا للأعراس والعزاء..

كما أن مواعيد الديوانيات كانت متفاوتة.. فهناك الديوانيات التي تستقبل روادها بعد صلاة الفجر حتى ساعات الضحى الأولي.. وهناك من الديوانيات التي تستقبل روادها بعد الظهر حتى صلاة العصر.. وهناك من تستقبل روادها ابتداء من بعد صلاة العصر حتى ساعات الليل المتأخرة.. ومعظم الديوانيات تفتح أبوابها بعد صلاة المغرب أو العشاء.

ومع بداية «كويت النفط» وبعد أن فتحت «الدروازات» -أي البوابات- مصراعيها لانسياب المناطق السكنية خارج السور.. ومع انتشار المناطق السكنية الجديدة وتوطين القبائل المتناثرة في صحراء الكويت بدأت تتكرس ظاهرة الديوانية وأخذت تنتقل ديوانيات شرق وجبلة إلى منطقتي الشامية والشويخ.. كما أخذت تنتقل ديوانيات المرقاب إلى منطقة الفيحاء.. وشهدت فترة ما بين الخمسينيات والسبعينيات انحسارًا لديوانيات كبيرة وأحيانًا اختفاءها وبروز ديوانيات أخرى وهذا يعكس ارتفاع فعالية الأسرة الاجتماعية أو انخفاضها.. وبناء على هذه النتيجة اختفت فعالية كثير من الأسر التي كانت مؤثرة داخل المجتمع لأنها لم تلقَ من أبنائها اكتراثًا واهتمامًا باستمرار «الديوانية».

ولا تكلف الديوانية صاحبها سوى تكاليف الشاي والقهوة وأجرة خادم «صبي» يسوق الشاي على الرواد ويصب لهم القهوة.

أما التكلفة الحقيقية فهي في الحفاوة بالرواد والضيوف والقيام بواجب التقدير «توجيب الناس»‏ وتوسعة الصدر لهم والتضحية بوقت محدد لقضائه في الديوانية.. وإذا استطاعت الديوانية اكتساب احترام الناس فإن الكسب الحقيقي لكل هذه التكاليف الوجاهة بين الناس والفعالية الاجتماعية.

ولقد شهد المنتصف الأخير من السبعينيات -وبعد تعطيل الحياة النيابية- انتشارًا كبيرًا للديوانيات في الكويت الحديثة.. وحرصت بعض الأسر الكبيرة على دعم ديوانياتها العريقة كما حرصت طبقة الأثرياء التي برزت في بداية الستينيات على تكملة الوجاهة الاجتماعية بإنشاء ديوانيات لها ساعدها على نموها العلاقات الاقتصادية المتشابكة مع غيرهم والمصالح المشتركة بينهم وبين الفئات الأخرى..

كما ساعدت ممارسات الحياة السياسية على بروز فئة مؤثرة من السياسيين كالنواب والوزراء وبروز تجمعات سياسية على تأسيس ديوانيات لهم.. ولقد ازدادت الحاجة إلى الديوانيات بعد تعطيل الحياة النيابية بسيب تقليص الحريات السياسية التي صاحبت هذا القرار.. حيث أصبحت الديوانية ملتقى لتداول الآراء وبحث القضايا العامة.

وفي مطلع الثمانينيات أصبحت الديوانية عنصرًا أساسيًّا في البيت الكويتي وتطورت عن مفهومها السابق.. فلم تَعُد قاصرة على أصحاب الوجاهات الاجتماعية كما لم تعد وسيلة للفعالية الاجتماعية عند البعض.. بل أصبحت بالدرجة الأولى عند كل الناس ملتقى يومي أو أسبوعي للالتقاء والتسامر ولمناقشة القضايا العامة وتكوين الرأي العام.. حتى أصبح في البيت الواحد -أحيانًا- ديوانيتان واحدة للشباب من الذين يريدون أن تعكس اهتماماتهم وتلبِّي حاجاتهم وأخرى للكبار تعكس فعالية الأسرة الاجتماعية..

وانتشرت بشكل كبير ديوانيات الشباب أو المثقفين.. كما أصبحت تأخذ زمنًا دوريًّا ابتداء بالأوقات الموروثة والقديمة وانتهاء بالأوقات الجديدة كيوم واحد محدد في الأسبوع أو أكثر من يوم في الأسبوع.

وأصبحت كثير من الأسر تلزم أبناءها ورجالها بالمداومة على الديوانية على أن تحتفظ الديوانية بسمعتها الاجتماعية كما صار البعض يبني بيوتًا كاملة تستخدم كديوانية غير متصلة بالبيت المأهول..

بينما أصبح البعض يعود إلى ديوانيات «الكويت السور» الباقية والتي لم تطلها الأيادي الهادمة ويرممها للتأكيد على عراقة الديوانية..

وأصبح من المألوف وقوف أعداد كبيرة من السيارات أمام الديوانيات.. كما أصبح من المألوف تنقل الناس في رمضان وفي الأعياد بين ديوانيات الكويت في مناطقها للتهنئة والتبريكات.. كما أصبح عرفًا سائدًا بين الديوانيات التي لها علاقة مباشرة مع الأسرة الحاكمة إذ يبدأ أصحابها في زيارة ديوانيات أقطاب الأسرة الحاكمة في الأسبوع الأول من رمضان وأن يبدأ أفراد الأسرة في الأسبوعين التاليين برد الزيارة لديوانيات الكويت.. وأصبح من المألوف أن تجد سمو أمير البلاد يقود سيارته «الكابرس» وبرفقته إخوته لزيارة الديوانيات في رمضان.. ويحرص أصحاب الديوانية على اكتمال نصاب الأسرة عند زيارة سمو الأمير أو ولي عهده، كما أصبح عرفًا سائدًا أن يذهب أصحاب الديوانيات إلى الديوان الأميري بعد صلاة العيد لتهنئة الأسرة الحاكمة بالعيد وأن يرد أفراد الأسرة الزيارة للديوانيات بعد مراسيم استقبال المهنئين..

كما شاعت في إحدى الفترات الأخيرة اعتذار الديوانيات عن استقبال المهنئين في الأعياد تضامنا مع الديوان الأميري في ‎اعتذاره لأسباب ‏الكوارث السياسية التي تمرُّ.. وقد قوبل هذا الإجراء بنقد ديني إذ إنَّ الاحتفال بالأعياد سُنَّة نبوية لا يحق لأحد تعطيلها.. وإذا كان للديوان الأميري عذره لوضعه السياسي، فليس لبقية ديوانيات الكويت عذر.. وإن المجاملة لا تكون على حساب الدين.. ومع ذلك فإن هناك ديوانيات عديدة تفهَّمت الأمر واحتفلت بالعيد محتفظة بكامل احترامها للديوان الأميري وكامل تمسكها بالسُنَّة النبوية.. كما أصبح للديوانيات دور مؤثر في توجيه الرأي العام.. فمن خلالها يستطيع المرشحون عرض برامجهم الانتخابية أو بيان وجهات نظرهم في القضايا العامة.. ومن خلالها تتم الاتفاقات الانتخابية إنْ كانت فرعية أو تصفيات، وليس أكثر دلالة ذلك من التصفية الأخيرة لانتخابات المجلس البلدي التي تمَّت في منطقة مشرف.. كما أن من خلالها يتعرف النائب على حقيقة الرأي العام ويتلقى ضغط الناخبين ومحاسبتهم.. وللديوانية الكويتية الفضل في رفض مشروع تنقيح الدستور الذي تقدمت به الحكومة.. وإسقاط المادة ‎35‏ مكرر من قانون المطبوعات..

لقد أصبحت الخريطة السكانية الكويتية مليئة بمواقع الديوانيات.. وأصبح كل بيت يحوي ديوانية للتأكيد على كويتية البيت، حتى وان كانت تستعمل في فترات متقطعة ومحدودة.. ولكن هناك ديوانيات بارزة ومهمَّة تمثل فعالية في منطقتها أو بين فئتها.. ولعل كثيرًا منها تغيرت مواقعها مع زحف العمران على صحراء الكويت..

ونذكر بعض الديوانيات في بعض مناطق الكويت على سبيل المثال لا على سبيل الحصر، وقد نغفل عن ذكر ديوانيات مهمَّة وبارزة ‎في ‏المنطقة تغيب عن الذاكرة في هذه اللحظة، ولا تغيب عن ذكرها في المنطقة.

ولعل أبرز الديوانيات في منطقة «جبلة» هي الديوانيات العريقة الني مازالت في مواقعها كديوانية الخرافي وفي شرق العسعوسي..

أما‏ منطقة الشويخ فلعل ديوانية القناعات من أكبر الديوانيات الموجودة هناك وديوانية السميط... أما الشامية ففيها ديوانية النفيسي وديوانية بورسلي وديوانية السيد يوسف إبراهيم الغانم وديوانية الشايع.. أما الفيحاء ففيها ديوانيات كثيرة كديوانية الوزان وديوانية العصيمي وديوانية الزامل والعبدلي وديوانية المزيني كما يوجد بها ديوانية العتيقي، وتحاول أسرة الغائم حاليًا تشييد ديوانية خاصة بالأسرة؛ لإعادة فعاليتها الاجتماعية.. أما الضاحية فتحتوي على ديوانية الصقر وهي من أبرز الديوانيات الكويتية وديوانية النصف وديوانية علي المتروك وديوانية الحاج يوسف التي يرتادها كثير من المتدينين ورجال الدعوة.. أما المنصورية ففيها ديوانية السيد بوسف الرفاعي وديوانية الجحم.. أما بنيد القار ففيها ديوانية زيد الكاظمي وديوانية المضف.. وفي كيفان ديوانية الحاج يوسف الفليج وديوانية الصبيح.

وأما الروضة ففيها ديوانية حمادة وديوانية الشايع وديوانية الحبشي.. أما العديلية ففيها ديوانية الميلم وديوانية الحميضي ولا يسع هذا المثال ذكر الديوانيات كلها أو المناطق كلها..

كما صارت بعض الديوانيات تجري مباريات لعبة الورق «الجنجفة» أو لعبة الدامة فيما بينها كنوع من التسلية الشعبية.. وتستغرق هذه الألعاب وقتًا كبيرًا من أوقات ديوانيات كبار السن والذين لا يوقف لعبهم سوى عرض مباريات المصارعة في التلفزيون..

‏ولقد أصاب الديوانيات الكويتية ذعر، شديد إبَّان صدور قانون التجمعات الذي كان بإمكانه أن يمس هذه الظاهرة الكويتية العريقة لولا تفهُّم السلطة.

وأخيرًا..‏ فإن الديوانية الكويتية ظاهرة إيجابية في المجتمع الكويتي تزيد من وعيه واطلاعه على القضايا المحلية والقضايا العربية والإسلامية.. ولعل الكويت ليست محظوظة فقط بديمقراطيتها بل هي كذلك محظوظة بحيوية مجتمعها وبديوانياتها.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل